الرئيسية / العدد السابع والثلاثون / العظماء الذين لم يكونوا كذلك أبداً

العظماء الذين لم يكونوا كذلك أبداً

ORG XMIT: NYT5 FILE -- Gabriel Garcia Marquez, the Colombian writer and political activist, in Mexico City in 1976. The Peruvian writer Mario Vargas Llosa won the 2010 Nobel Prize in Literature on Thursday, Oct. 7, 2010. Vargas Llosa, 74, is one of the most celebrated writers of the Spanish-speaking world, frequently mentioned with his contemporary Garcia Marquez, who won the literature Nobel in 1982. (Alan Riding/The New York Times)

ماركيز يكتب عن جائزة نوبل 

كثيراً ما قيل إن أعظم الكتاب، في السنوات الثمانين الماضية، قد ماتوا دون أن يحصلوا على جائزة نوبل. إن في هذا مبالغة، لكنها ليست بالكبيرة. فليو تولستوي، صاحب رواية(الحرب و السلام)،التي هي دون شك، أهم عمل في تاريخ جنسها الأدبي، قد مات سنة 1910، عن عمر كبير جدا بلغ 82 سنة، وفي وقت كانت الجائزة قد منحت عشر مرات. و قد قضى على صدور رائعته 45 سنة من المجد، التي ترجمت إلى لغات عديدة و أعيد طبعها مرات و مرات في جميع أنحاء العالم، و لم يكن هناك من ناقد بشك في أنها ستبقى خالدة إلى الأبد.

 و بالمقابل، فإن الكاتب الوحيد الذي بقى حياً في الذاكرة، بين الكتاب العشرة الأوائل الذين نالوا جائزة نوبل، حين كان تولستوي ما يزال على قيد الحياة، هو الإنكليزي روديانغ كيبلنغ. أما أول من حصل عليها فهو الفرنسي سولي برودم، و كان واسع الشهرة في عصره، لكن كتبه لم تعد موجودة الآن إلا في بعض المكتبات المتخصصة جداً، بل و أكثر من ذلك، فلو أن أحدنا بحث عن اسمه في معجم فرنسي، فسيجد تعريفاً موجزاً يبدو و كأنه لعبة خبيثة من ألعاب القدر: “نموذج حديث للعجز القانع والابتذال المتقن “. كاتب آخر من العشرة الأوائل المتوجين ، هو البولوني هنريك سنكويش، الذي تسرب خلسة إلى المجد بوضعه لبنة في البناء بروايته الخالدة كوفاديس. و كاتب آخر هو فريدريك ميسترال ، شاعر أفروفنسي كتب بلغته الأصلية، و كان له الشرف المحزن بتقاسم الجائزة مع واحد من أكثر الكتاب المسرحيين مدعاة للرثاء ، ممن أنجبتهم اسبانيا الأم : ألا و هو خوسيه اتشيغاراي ، عالم الرياضيات اللامع، ليحفظه الرب إلى جواره في مملكته المقدسة .

خلال الستة عشر عاماً التالية ، مات دون الحصول على الجائزة، خمسة آخرون من أعظم الكتاب في كل الأزمنة : هنري جيمس، سنة1916؛ و مارسيل بروست،سنة 1922؛ و فرانز كافكا، سنة1924؛ و جوزيف كونراد في السنة نفسها؛وراينز ماريا ريلكة، سنة 1926. و خلال هذه السنوات، كان يحتل مقعد العباقرة أيضاً كل من ج.ك.تشسترتون، الذي توفي عام 1936 دون أن يحصل على جائزته، و جيمس جويس، الذي توفي عام 1941، حين كانت (اوليسيس) بدلت مسار الرواية في العالم، بعد تسعة عشر عاماً من صدورها.

و بالمقابل فإنه لم يخلد إلى الآن سوى ذكر أربعة كتاب، من ببن الأربعة عشر كاتباً الذين حصلوا على الجائزة في تلك الفترة السيئة، و هؤلاء الأربعة هم : الانكليزي موريس ميترلنك، و الفرنسيان رومان رولان و اناطول فرانس ، و الايرلندي جورج برنارد شو . أما الهندي رابندرانات طاغور ، الذي ندين له بدموع كثيرة من حلوى السكاكر ، فقد جرفته رياح اللعنة العادلة ، و كنوت هامسون ، البلجيكي الفائز بالجائزة لعام 1920 حين كان ذروة ألم فقد لقي المصير نفسه، رغم انه أقل جدارة به. بعد ذلك بسنتين، وقعت الأكاديمية السويدية في خطيئتها القاتلة الثانية مع اللغة القشتالية ، حين منحت الجائزة للاسباني خاثينتو بينابينتي ، ليحفظه الرب أقرب ما يمكن من خوسيه اتشيغاراي إلى أبد الآبدين . و بشكل أو بآخر، لم يكن أي من الفائزين في تلك الفترة يستحق الجائزة مثل أولئك الذين ماتوا و هم يستحقونها.

يمكن أن يكون إغفال كافكا و بروست مفهوماً ، ففي عام 1917 حين تقاسم جائزة نوبل شخصان مرموقان و معروفان في بيتهما -كارل غلوب و هنريك برونتوبيدان-، كان على فرانز كافكا أن يتقاعد من شركة التأمين التي كان يعمل فيها و قد مات بعد سبع سنوات بداء السل في أحد مستشفيات فيينا. و كانت روايته الرائعة : (التحول)، قد نشرت قبل ذلك بزمن قصير في مجلة ألمانية. و كما هو معروف بشكل واسع، فإن صديقه ماكس برود لم يخالف مشيئة الكاتب المتوفى إلا في عام 1926، حين نشر روايتين عبقريتين (القلعة ، و المحاكمة). و في ذلك العام، منحت جائزة نوبل للايطالية غرازياديليدا، التي احتاجت للبقاء على قيد الحياة عشر سنوات بعد حصولها على الجائزة ، لكي تقتنع بالأمر .

(عدالة موضع شك)

مات مارسيل بروست أيضاً دون أن يرى مجده ، ففي عام 1916 رفض عدد من الناشرين الجزء الأول من عمله الروائي البارز ، و كان بين أولئك الناشرين “غاليمار”الذي رفض نشر العمل بناء على قرار مستشاره الأدبي اندريه جيد ، الذي كان -للحقيقة- الفائز المناسب بجائزة نوبل لعام 1947 و قد تم نشر ذلك الجزء فيما بعد على نفقة المؤلف نفسه. و في عام 1919 نشر المجلد الثاني -(في ظلال ربيع الفتيات)- الذي حقق شهرة سريعة، و أتاح له الحصول على اكبر امتياز أدبي فرنسي : جائزة كونكور. و لكن لابد لنا من أن نكون عادلين : فقوى التنبؤء هي التي كانت قادرة على استشفاف العظمة التي سيبلغها نصب عصرنا الأدبي : (البحث عن الزمن المفقود ) ، و التي لم تنشر كاملة إلا بعد موت مؤلفها .

لقد قال لي غراهام غرين يوماً إن أشد التأثيرات في كتاباته هي التي جاءته من هنري جيمس و جوزيف كونر، و قد اعتبرا كلاهما من كلاسيكيي اللغة الانكليزية مذ كانا على قيد الحياة . و في السنة التي توفي فيها هنري جيمس ، كانت جائزة نوبل من نصيب السويدي فيرنر فون هيدنستام . و في السنة التي توفي فيها كونراد ، ذهبت الجائزة إلى كاتب آخر مولود في بولونيا – مثله- هو فلاديسلاف ريمون. و لم تكن لأي منهما عبقرية خفية دون ريب ، مثلما هو شأن اليوناني جيورجوس سيفيروس ، الفائز بالجائزة عام 1963، و الأمريكي اسحق ب. سينغر، الفائز عام 1978.

فعلى العكس من كافكا و بروست، كان كونراد قد عاش أمجاده كلها ، فقد نشر ست عشرة رواية و عدداً كبيراً من القصص القصيرة، كان معظمها باهراً ؛ و كان معترفاً به كأحد كتاب عصره ، و قد أباح لنفسه رفض لقب (فارس الإمبراطورية البريطانية). و عندما أكمل السابعة و الستين، كان سنه قد أصبح مناسباً للموت باطمئنان.

لقد حصلت ماري كوري على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903، مناصفة مع زوجها بيير، ثم نالت وحدها فيما بعد-عام1911- الجائزة في الكيمياء. كما تقاسم الاميريكي جون بارديم الجائزة في الفيزياء عام 1956، لاكتشافه تأثيرات الترانزيستور، ثم تقاسمها ثانية عام 1972 لدوره في تطوير نظرية الموصلية العليا. و أخيراً ،  فإن البروفيسور لينوس كارل كارل باولينع ، الحائز على الجائزة في الكيمياء عام 1945، كرر حيازتها في مجال السلام سنة 1962. أما انيشتاين، فقد استحق جائزة الفيزياء مرتين ، و لكنهم أعطوه إياها مرة واحدة فقط . فالمكلفون في الفصل في جدارته اتخذوا احتياطاتهم : فلخشيتهم من أن تكون نظرية النسبية زائفة ، منحوه الجائزة لاكتشافه الظواهر الفوتوالكترونية .

إن الأكاديمية السويدية لا ترتكب مثل ذلك الطيش . بل على العكس : فإحدى خصائصها التي لابد من الإقرار بها هي طبيعتها المتطرفة في صرامتها. فالأكاديمية لا تخاف من ارتكاب الأخطاء- و هي تخطئ كثيراً بالطبع- و تمنح الجائزة مرة واحدة فقط، عن عمل في حياة المرء كلها. و يبدو أنها ترى أن من هو متفوق في العلم لا يمكن له أن يكون متفوقا كذلك في الآداب. و التضارب الوحيد الذي أقدمت عليه-وربما لن تعود إلى تكراره- هو تخصيص جائزة بعد وفاة صاحبها، في عام1931، للشاعر الأكثر شعبية في السويد، اكسيل كارلفيلدت، الذي كان قد توفي قبل ستة أشهر من ذلك. و الأمر الأكثر غرابة هو أن كارلفيلد كان قد رفض الجائزة عام 1918، و نتيجة لذلك أعلن عن حجب الجائزة في ذلك العام. و ما لا يستطيع أحدنا تفسيره هو لماذا لم يتخذ الإجراء ذاته حين رفض بوريس باسترناك الجائزة عام 1958، وجان بول سارتر عام 1964، و إنما استمرت الأكاديمية في اعتبارهما حائزين على الجائزة رغم أنفيهما.

هناك على أية حال، خرافة شائعة ببن الكتاب تزعم أن جائزة نوبل ليست إلا تكريماً يأتي عند الوفاة : فمن أصل 75 كاتبا فازوا بالجائزة، لا يوجد سوى اثني عشر منهم على قيد الحياة . و أعرف عدداً من كبار كتاب أيامنا لا يشعرون بلهفة بورخيس لنيل الجائزة ، و إنما على العكس من ذلك يشعرون بخوف ميتافيزيقي منها ، و ذلك بسبب انتشار الاعتقاد القائل انه لا أحد يعيش أكثر من سبع سنوات بعد نيل جائزة نوبل للآداب. الإحصاءات لا تؤكد ذلك ، و لكنها لا تنفيه أيضاً؛ فاثنان و عشرون كاتباً توفوا في غضون تلك المدة .

و أسوأ مثال على ذلك قدمه الفائزون الأوائل ، فسولي برودهوم مات بعد ست سنوات من نيله الجائزة. و الألماني تيودور مومسين، توفي بعد سنة واحد و النرويجي بجورنستجيرون بجورنسون توفي بعد سبع سنوات. أما الرقم القياسي الحالي فيحتفظ به الشاعر الانكليزي الكبير جون غالسورثي، الذي تلقى الجائزة عام 1932 و توفي بعد ستين يوماً من ذلك.

أما من لا يؤمنون بالخرافات، فلديهم بالطبع تفسير منطقي للأمر فمتوسط العمر عند نيل الجائزة-حسب قولهم- هو64سنة، و بالتالي فإن موت الفائزين خلال السنوات السبع التالية هو احتمال وارد إحصائياً. ويبرهنون على ذلك بسلبية الأمر للفائزين الأصغر سناً : فرويارد كيبلنغ مثلاً، و هو اصغر الفائزين سناً، حصل على الجائزة و هو في الثانية و الأربعين من عمره و توفي في السادسة و السبعين، و حصل سنكلير لويس على الجائزة و هو في الخامسة و الأربعين،و توفي عند بلوغه السادسة و الستين. أما بيرل س.باك، المنسية تماماً، فقد فازت بالجائزة و هي في السادسة و الأربعين و توفيت في الحادية و الثمانين. و يوجين اونيل ،الذي نال الجائزة و هو في الثامنة و الأربعين، توفي في الثالثة و السبعين. و الاستثناء المحزن الوحيد هو ألبير كامي، الذي حصل على الجائزة و هو في الرابعة و الأربعين، في أوج مجده و نبوغه، و توفي بعد عامين من ذلك، في حادث السيارة التي كان يقودها قدر ربما لم يكن قدره.

ومع ذلك، فإن الحياة تجد على الدوام طريقة ما لتكون غير منطقية، و لإثبات ذلك، لدينا قائمة الفائزين الثلاثة الأكبر سناً : الألماني باول هيس paul heyse، الذي نال الجائزة و هو في الثمانين ، وبرتراند راسل في الثامنة و السبعين، وونستون تشرشل في التاسعة و السبعين. و هيس في هذه الحالة هو الاستثناء المعكوس الذي توفي بعد أربع سنوات من نيله الجائزة، لكن تشرشل عاش إحدى عشر سنة بعد الجائزة، و كان يدخن علبة سجائر و يشرب زجاجتي كونياك يومياً. أما برتراند راسل، فقد حطم جميع الأرقام العالمية : توفي بعد عشرين سنة من نيل الجائزة، و كان قد بلغ الثامنة و التسعين من عمره.

لم يبد جان بول سارتر مطلقاً، ما يشير إلى إيمانه بأسرار الأرقام ، اللهم إلا دليلاً واحداً ؛ فحين سأله احد الصحفيين عما إذا كان نادما لرفضه جائزة نوبل، أجاب : “على العكس تماماً ، فقد انقذت حياتي”، لكن المثير للقلق هو أنه توفي بعد ستة شهور من قوله ذلك.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً