الرئيسية / العدد الثامن والثلاثون / بريد القراء: قصص قصيرة

بريد القراء: قصص قصيرة

almstba.com_13201556215

المقداد عبد الله:

****

1- قصة خروف

لم يكن يختلف عن بقية الخراف شكلاً، ولكنه تميز عنهم طبعاً، لا يتدافع كبقية الخراف على الطعام ، فبعد أن ينفضوا يأكل قليلاً مما تركوا ليسد به رمقه والسلام، لم يقرب نعجة منذ أن بلغ مبلغ الخراف ، حتى صار موضع سخرية واستخفاف . لقد كان الوحيد الذي يعلم أن الخراف إنما تسمّن لتذبح وتؤكل ، وكان يؤمن بأنه إذا اقترن بنعجة كانت النتيجة شهوة تزول ومعاناة جديدة لخراف جديدة تطول ….

 فإذا لم يستطع أن يوقف معاناة الخراف الموجودة فلماذا يكون سبباً في إيجاد معاناة جديدة. وهكذا لم يكن يتحدث مع أقرانه إلا ونصحهم بان”لا تأكلوا فتؤكلوا” ، “لا تتكاثروا فيطول البقاء والشقاء” ولكن لم يجد إلا آذاناً صماء،إلى أن جاء موسم عيد الأضحية ، ورجع منها خروفنا الهزيل سالماً، أما معظم البقية فكان مصيرهم الذبح ، وسعد خروفنا أيما سعادة بنجاته ورجاحة عقله .

رجع إلى حظيرته ورجع مجدداً إلى تفكيره ، لقد نجا بسبب رجاحة عقله ، ولكن مهلاً ، لقد نجا أيضاً من الخراف من لا عقل له ، احدهم كسرت ساقه ، وآخر مرض ، وآخرين نجاهم شكلهم المنفر وآذانهم المقطوعة ، وغيرهم لم يكن هنالك سبب واضح لعدم شرائهم وذبحهم ، فلربما هو تجاوز الموت بالتفكير ولكن غيره نجا بسبب نوع أعلى من التدبير.

وهكذا انتقل من سبب إلى سبب حتى أيقن بوجود مسبب أول وعلة أولى ، وأيقن بوجود نوع من النظام في الكون ، فالنبات يأكل من الأرض ، وهو يأكل من النبات ، والإنسان يأكله ، وبعدها يموت الإنسان وتأكله الأرض فكما بدأ منها عاد، ولكن ما معنى هذه الدورة ،أليست حلقة مفرغة من الغباء ، ولكن مهلاً أليس بذلك يكون قد ارتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه أقرانه حينما وصفوه بالغباء ، فلربما الجهل هو من يجعنا نرى غاية الذكاء كالغباء ،وما ذنب النجم إذا رأته عيوننا كذرة الهباء!.

قبل موسم عيد الأضحية الجديد ، اتجه خروفنا بشهية مفتوحة على الأكل ، فأكل حتى سمن ، وجاء العيد واشتراه احد المضحين ، وألقاه على الأرض واستل السكين ، فاستسلم خروفنا مطمئناً مستكين ، فإما أن يكون وراء هذه اليد التي تود ذبحه يد عليا تود أن تنقله إلى مملكة السماء ، أو هي نهاية آلام الأرض ومصيره إلى الفناء.

2- قطرة ماء

قطرة ماء في أعمق أعماق البحر ، ملت حياة القاع وحيتانها فأرادت أن تطفو إلى السطح لرؤية الشمس، فأخبرت صديقاتها القطرات بما تنوي فحذرنها بأن الذهاب إلى سطح البحر ومواجهة الشمس يعني الاحتراق والفناء ، ترددت القطرة قليلاً ثم تمردت وانطلقت إلى السطح وما إن واجهت ضوء الشمس حتى تبخرت عشقاً وطارت فرحة إلى أن استقرت في إحدى الغيمات ، بكت الغيمة شفقةً على أرض عطشى فنزلت القطرة مع زخات المطر وما إن عانقت الأرض حتى ارتشفتها جذور عشبة فتخللت عصارتها حتى أخضرت واهتزت طرباً، أغرى منظر العشبة بقرة فالتهمتها فتحولت ما بين فرث ودم إلى لبن سائغ للشاربين ، شرب اللبن إنسان فرأت قطرة الماء الدنيا بعينيه ، وفي لحظة فرح فرت من عينيه فتبخرت شوقاً ورجعت إلى الغيمة وسالت منها مرة أخرى إلى البحر حاملة رسالة لصديقاتها بأن “واجهوا الشمس”.

3- نصيحة حمار

يا بني البشر نحن بنو الحمير نرثى لحالكم بل نسخر منكم ، فلا أنتم راضون عن غرائزكم ولا أنتم واصلون إلى مُثُلكم . نحن نأكل ونتلذذ بكل قضمة وأنتم تزدردون الأكل بلا طعم بسبب الهم . نحن نسمي الجنس جنساً وانتم تسمونه حباً، معظمكم يقصد بالحب الجنس ولكنكم منافقون تسمون الأشياء بغير اسمها ، إذا كنتم أرقى من الجنس لماذا إذن تزعجوننا بسيرته -تحت مسمى الحب- صباح مساء .

أيها الغوغاء نحن واضحون نسير عراة كما ولدتنا أمهاتنا وأنتم تتنكرون وراء الملابس التي إذا سترت عورات جسدكم لا تستر عورات فهمكم ، فكلكم يغطي شخصيته الحقيقية وراء آلاف الأزياء التنكرية لشخصيات وهمية لا تمت إلى حقيقتكم بصلة . نحن نعرف خالقنا بغريزتنا التي ركبت فينا ، ونحمد إلهنا أننا -مع أنّا حمير- لم نتخيله يوماً حماراً كبيراً ، ولكنكم معشر البشر تتخيلونه بشراً ضخماً يريد أن يفتك بكم ، لقد صنعتم إلهكم من مخاوفكم ، وفسرتم دينكم بخوفكم فصار الدين أخطر من إلحاد الملحدين ، حتى الجنة التي هي أقصى ما تتمنون -في فهمكم- عبارة عن جزاء كبت الشهوات في الأرض بشهوات أكثر في السماء. نعم لقد سخّرتمونا ولكننا نسخر منكم ، لقد ركبتمونا ولكنكم يركب بعضكم بعضاً . نعم نحن نحمل الأسفار ونحملكم في الأسفار ، ومع أننا لا نفهم أسفاركم ولكننا نراكم كحمار الرحى تدورون في نفس الدائرة ولكن من غير أن نرى لكم طحينا . فلتعلموا يا بني البشر أن خالقكم قد جعلكم تمشون على إثنين بدلاً من أربع لكي تتوحل أقدامكم في طين الأرض وتحلق عقولكم عاليا في نور السماء.

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً