الرئيسية / العدد الثامن والثلاثون / تجليات أناشيد الرياح 5

تجليات أناشيد الرياح 5

5457b27b0c5a4807872577

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

كهف العهد 

أخرج من المدينة 
الساكن أبراجها الشياطين 
لعلك تجد شبحك وراء الأسوار 
يعرض عليك الهدنة 
و يهديك نفسك الهاربة 

إنتصف القرص المقدس سادلاً دماءه على الصحراء، استغرقت الحجارة و الصخور و حبات الرمال في رقصة تسبيحة امتناناً للنهار على نيرانه، هي الكائنات الوحيدة التي تقدس اللهيب، يهبها ارتعاشات البعث و التحول، في بلدتي يقولون أن حجارة الصحراء ما هي إلا مردة من الجحيم استحقوا عقاب المسخ إلى جلاميد، تبعث الحياة فيهم كل انتصاف للشمس في مقلة السماء المرفوعة بلا عمد.

احذر قيظ الصحراء و بردها و لكن كن أكثر حيطة من الصخور فهي تدمن امتصاص الحياة من الرحل خصوصاً من تخلوا عن نعالهم بطفولة غير مستحبة. 
شعور البلل المميت الذي خلفته في الوادي لا يفارقني، العجيب أن الشيخ لم تصيه من الطود قطرة. 
كانت الحركة في أوجها، معظم البدو لم يتوانوا عن الصعود المحموم إلى الجبل، كل يحمل غنمة و تاركين الأطفال لمصيرهم ،  تواريت محتمياً بمجنوني الخاص و المياه تتفرق يميناً و يساراً عن مجلسه، الرعب في أسمى صوره، رعب الحصار و ضياع النفس لتتحلل إلى مجرد فقاعات هواء غرقى. 
بعض القوم تكالبوا محاولين محاولة اليائس الذود عن قبر نبيهم المسجي، تعالت منهم أصوات تضرع مؤمنة كأي بائس يأمل في هبوط معجزة من السماء، أو أن يندحر الطوفان إكباراً. 
رأيتهم بعين فزعة، يتكسرون إلى قطع تحت نصل الموج، ابتلعهم الوحش بلا ذرة رحمة، أغمضت عيني طارداً الكون من مخيلتي، إرادة الفناء كانت أمنيتي المتصاعدة. 
مر وقت لا أعلمه حتى صفعني الدرويش قائلاً 
– استفق، لا تكون من الجاهلين. 
وقفت على سيقان لا ترتعش، و قلبي لا يحمل أي وجل أو انقباض، تملكني شعور العجب، تحت الماء المنحسر كانت الجثث تهنئ بنومة أبدية، ليت الراحلون يتركون لنا رسالة عن ما وراء البرزخ الخفي، ليس هناك أكثر واقعية أو خيالية من الموت. 
تذكرت أقاصيص شيخ الزاوية قبل اغتيابه، عن عالم آخر تعبر إليه الروح، و طريق كحد سكين القصاب يعبرون عليه، و جنة تجري بها انهار من عسل و لبن و خمر، أليس الخمر محرم؟ أجاب خمر السماء غير خمر الدنيا، لا يسكر، تساءلت، و إن كان لا يسكر فما الفائدة؟  لماذا سيضحي مرتادي حانة البلدة بخمرهم ليقايضونه بخمر مغشوش؟ و لما هو محرم في موضع يحتاجه فيه المكلومون و يحلل في أبدية بلا كدر؟ 
نالني منه جلدٌ على القدم و منعٌ من حضور دروس الكتاب، كي ارتضي بدكان أبى و طحالبه عن أي علم. 
الدرويش كان يلملم حبات مسبحته، و يعيد رصها في الخيط، أشار إلى الناس يحثهم على النزول من الجبل لدفن الموتى. 
قضينا نصف النهار في دفن المؤمنين والمؤمنات، طلبنا السماح بالذهاب إلى حال سبيلنا، رغم الحزن و الخراب أهدونا طعام و قرب ماء و لبن و الدليل قرر أن يقودنا حتى نهاية ممر التيه. 
ودعناهم، و عند المسير التقت الدرويش أثنى عشر حبة من مسبحته و بذرهم في تربة الوادي، ألقى السلام و مشى جواري. 
عند نهاية المضارب ألتفت، لأجد القوم يرقصون فرحاً مهللين، كانت مواضع حبات المسبحة تنبت أثنى عشر شجرة فاكهة. 
دخلت في رقصة دائرية مع أسئلتي، كيف فعلها؟ أيملك قوة سحرية خاصة؟ هل السالكين في مدارج العرفان ما هم إلا سحرة يملكون عصاة تلقف الأفاعي؟ 
استمرت مسيرتنا الثلاثية يتقدمنا الفتى الدليل، هزيل منكب على وجه يقتفي خطوته المقبلة، و الدرويش بيني و بينه لا يعبأ كمن خبرت أقدامه مسالك الجبال و دروبه، كنت قد استعرت نعل من القوم، لم أعد احتمل تجرد الجلد المقرح في الإرتحال، لم أشعر بآدميتي منذ شهر مضى، إن كان ما يميز الإنسان عن الحيوان فبالتأكيد هي تلك الجلود التي تم دبغها لتصير نعل في القدم. 
ما أجمل الإجابات اليقينية وسط سرمدية الفراغ المحيط. 
جلسنا عند طرف الوادي المقدس نرتاح و نرتوي، تجاذبت أطراف الحديث مع الكائن الوحيد القابل للكلام، عن تاريخ قبيلته، الذي قصه على بكل فخر أحمق، عن رعاة قادهم نبي من ظلمة التيه مبشراً بأرض بها أشجار لا تحصرها عيون و انهار و نبت كريم، قال لي أن القافلة استغرقت أربعين عاماً، ساموا فيهم كل أنواع الشقاء و تساوت عندهم رغبة الضياع و الموت مع الوصول، حتى وصلوا الوادي، و النبي لا يتوقف عن الإشارة إلى الحلم، حتى في صبيحة يوم عادي وجدوه ميت، كي يدفنوه جوار الصخرة و يقيمون مراسم زفافه المقدسة إلى السموات، و ما انتهت لحظة الغياب، إلا عندما وجدوا الحقيقة واقفة أمامهم تبتسم شامته، أن حلم الراحل ما هو إلا أمنية أزلية لكن كان هذا هو المجنون الذي قدر أن يقنع القوم بإتباعه إلى العدم. 
مع تسلطن الاعتياد، رفل الجمع في أمنية مقدسة و اندحرت الحقيقة أمام تبريرات الكاهن الأكبر خليفة المخلص، أنهم يجب أن يظلوا ها هنا وسط اللاشيء، لأنهم مذنبون كفروا بحلم الحالم المسجي أمامهم فحق عقاب التيه و الخسران. 
استخلصت أن ثاني شيء يميز البشر هو الكذب على الذات، حلم يجبرهم على الاستيقاظ من الموتة الصغرى يومياً لمواجهة الزمن. 
استكملنا الرحلة حتى لاح أمامنا نهر عظيم، ودعنا الفتى و عاد إلى قومه، أشار الدرويش إلى النهر و قال أننا سنبيت هنا عند الضفة، ما ارتحلنا إليه يقبع عند الضفة الثانية. 
أشعلت ناراً و أكلت بشراهة، و اكتفى هو بقطرات ما قراح 
عند الفجر سألته ؛ كيف سنعبر النهر يا شيخي، تبسم و قال سنعبر كالهواء العابر يا بني.لم أفهم و ما لمحت أي أثر لجسر أو قارب أو حتى بشر حولنا. كان التساؤل في عيني طوال الوقت، و هو في ملكوته يسبح كشهب ساقط. أخرج من خرجه سكين و اقترب من شجرة نستظل بها ليقطع غصن و يعمل سكينه فيه، بعد برهة، ألقى السكين جواري و جلس ممسكاً بالغصن الذي تحول إلى ناي و استغرق في عزف، كمروضي الأفاعي ببلدتي. 
كانت كل نغمة نقوس يأس يدب في أوصالي، ما الفرق بين عبث مجلسي الحاضر و مشاهدة الذباب يتناسل في حانوتي المنسي. 
ذهبت مغاضباً، اقذف النهر بالحجارة كراجم الشيطان، توقفت عندما وجدته يقترب من حافة النهر يمشي رويداً رويداً و عند مفرق الماء نظر إلى عيني بجمرتيه المتقدتين، و خطى أول خطوة إلى النهر، لم ألقِ بالاً له حتى وجدته يمشي على الماء كأن الماء تحول إلى أديم صلد، بهت و غمرت في حومة السكر الذاهل. 
وصل إلى الضفة الأخرى و عاد الكرة إلى موضعي، هذا الرجل لا يعرف البلل مطلقاً، عاد إلى مجلسه مستكملاً أنشودة الناي المسحور. 
عدوت إليه كالملسوع، أحاول أن يجعله يقر بسره الخفية العصي على الأذهان.قلت له ماذا تقول في مشيك على الماء؟ 
أجابني بإشارة إلى النهر قائلاً، اذهب و جرب حظوظك يا فتى. 
انتعلت قوتي مكابراً، مع أول خطوة ابتلعني النهر، عدت إليه مبلبلاً مبللاً مشتت البال، قال لي أنا عبرت بقوته و إرادته هو ليس بقوتي أنا، أنت غرقت في الكبر قبل النهر، ليس كل ما يصلح لي يصلح لك، ابحث عن جسرك الخاص بما أعطاك هو من مقدرة. 
بعد ساعات طوال، لاح لي السكين في الرمال و الشجرة تلقى بظلها عليه، انتصبت كجبل لا يهدأ، أخذت السكين و خضت حربي مع الشجرة، اقطع الأغصان أصنع منها ألياف و انشر الجذع ، نزفت كفى حتى غاب عني الألم و الدم و بقت الغاية. 
عندما انتهيت كان الضحى في السماء، سقطت منهك جوار الطوف البدائي الذي صنعت، ابتسمت بنصر، و ضحكت بنزق. 
سحبت الطوف حتى النهر و اعتليته، مستخدما عصاه طويلة بدأت أبحر إلى الضفة الثانية، عندما وصلت ألقيت جسدي محتضناً الأرض، شعرت براحة الإنعتاق، الدرويش أتى و ربت على رأسي، سمعت صوته الغابر يقول: قدرتك في العقل فقط يا بني، هذا هو سحر السحرة الذي يعول عليه.ثم انشد أبياتاً ملغزة لها طعم الترياق 

(وحظك السعيد هو الذي يقبل إليك بغير حاجةٍ إلى استنزاف دماء القلب
فالبسمة والعمل لا تساوي جنات الخلد جميعها شيئًا…!!

وقد أمهلوك خمسة أيام في مرحلة الدنيا
فاسترح وتمتع زمانًا، فالزمان بأجمعه ليس شيئًا…!!

ويا أيها الساقي، نحن في انتظار على حافة بحر الفناء
فاغتنم الفرصة، فكل ما يذهب من الشفة إلى الفم ليس شيئًا…!! )

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

اترك تعليقاً