الرئيسية / العدد السابع والثلاثون / جائزة نوبل ودوافعها السياسية

جائزة نوبل ودوافعها السياسية

e76e001ba1edae909b65c50b9d5a35ad

ترجمة : غفران إبراهيم العيدي

**

في الفترة ما بين  1901 م  و 1912م منحت لجنة جائزة نوبل الجوائز مع الميل في اختياراتها للفائزين ، على الرغم من تبرير قرارات اللجنة بقولها أنها تتفق مع مبادئ مؤسسها الأول الفريد نوبل. وهذا هو السبب في تجاوز كبار الكتاب في الحصول على الجائزة مثل تولستوي، إبسن، إميل زولا، مارك توين الخ. وقد منحت اللجنة الجوائز للكتاب من البلدان الحلفاء لها في الحرب وقالت اللجنة آنذاك أنها حاولت أن تكون حيادية بالرغم من أحداث الحرب العالمية الأولى. كان هناك تاريخ من الانحياز الواضح والذي  تجلى في كون الكتاب الروس العظماء مثل  تولستوي و أنطون تشيخوف لم يتم إدراج اسميهما على قائمة نوبل، وكل ذلك بسبب العداء المرير السائد في ذلك الوقت بين السويد وروسيا.

في ذلك الوقت كانت هناك انتقادات واسعة في عالم الفنون للاتحاد السوفيتي  أثناء فترة ستالين القمعية للفنانين والمفكرين السوفيت . وسينافاسكي أهم كاتب روسي كان في مواجهة ما يرتكبه الاتحاد السوفيتي من فظائع. تحت اسم مستعار “أبرام ترتز“، كتب كتاب “عن الواقعية الاشتراكية” (1959)، منتقداً العشرة مبادئ للاتحاد  السوفياتي آنذاك والتي تصف الواقعية الاشتراكية. ومن الباطن استمر نقده لفكرة تأسيس الاتحاد السوفيتي من خلال الروايات والاستعارات الكتابية والتعبيرات المجازية والخيال في روايته “التجربة ميكبيس” (1963)، حيث قدم بصورة ساخرة للينين كبطل خيالي يروج للاتحاد السوفيتي وكأنه الماركسية المثالية.

وهذا النوع من النقد فيما قبل الحداثة تحول إلى حقيقة سحرية في الأدب اللاتيني الأمريكي حيث كانت الحركات ضد الديكتاتورية مستمرة. وقد أبرزت الرواية ” الطبل الصفيح” والحائزة على جائزة نوبل والمكتوبة من قبل جينثر جراس بطل اوسكار ماتزيراث كبطل منكمش إلى قزم ليحمي النازيين تخص هذه الفكرة النوع الواقعي السحري.

وكسليل لاندريه سنيافيسكي انتقد بوريس وبشده بلده وحاز جائزة نوبل في الآداب لعام 1958م. ولكن لم يسمح له من قبل حكومة الاتحاد السوفيتي للذهاب لاستلام الجائزة . وبعد ذلك سكب باسترناك كل عواطف الاكتئاب لديه  في قصيدته “جائزة نوبل” والسطر الشعري من قصيدته الذي قال فيه” إنني أفعل كما يفعل الوحش البري المحبوس في قفص استولت عليه البلوز من خلال عقله الشائك

وبالطريقة نفسها اليكسندر سلوزينيستي والذي كتب رواية ” السرطان وارد” شبه فيها الاتحاد السوفيتي بالسرطان الوارد  وفي روايته الأخرى “أرخبيل الغولاغ” سلط الضوء على نفس الوجه من الاتحاد السوفيتي واستحق بعدها جائزة نوبل عن هذه الرواية عام 1970م. والشاعر جوزيف بروديسكي والذي أرسل إلى معسكر اعتقال أثناء فترة حكم ستالين لانتقاده الحكومة تم منحه جائزة نوبل في عام 1987م.

ونتيجة لذلك تم اتهام لجنة جائزة نوبل بالكثير من التهم على سبيل المثال أنها تكرم فقط  الكتاب ضد اليساريين وواجهت اللجنة التهم والنقد وكرمت عدد من الكتاب اليساريين مثل ألبرت كامبس وجين بول سارتر وماركيز. ومن الجدير بالإشارة إليه هنا أن  العمل المبدع لكل هؤلاء كان في الكتابات الأدبية الخالصة. وركزت كتابات كامبس على سخافة الحياة البشرية  وأثار جدل كبير حول رفضه لجائزة نوبل . ويجب أن يوضع في الاعتبار أن كتابات ماركيز تحلب الواقعية السحرية.

وهكذا فإن جائزة نوبل محفوفة بجدل لا نهاية له منها دوافع سياسية وضغوط ومصالح خاصة ومع ذلك فانا لا أعترض على هؤلاء الكتاب في أوساط السياسة العالمية. أما كتاب دول العالم الثالث مازالوا في حالة حجب.وفي بعض الأحيان يكسب كتاب العالم الثالث الاعتراف بهم بالرغم من عدم وجود وسائل إعلاميه تتحدث عنهم أو تنتقد أعمالهم أو ما بعد الاستعمار لهذه الدول في الجماليات السياسية. والعمليات السياسية الصغيرة خلف مشاهد تقديم الجوائز تحت اسم الجماليات فيما هو معروف عامة بالقياسي والكتابات الخطيرة. فالثقافات المختلفة والكتابات فيها لم يتم التعرف عليها بدقة ويخضع هؤلاء الكتاب لمعايير الثقافة الغربية والمعتبرة في تحقيق ومنح الجوائز.

جائزة نوبل ليست مجرد شرف ملفت للانتباه، ولكنها أيضاً نظام للقوة والهيمنة. وفي هذا الصدد لابد أن نذكر الكاتب الكيني ناجوج ثاينو والذي أدارت له جميع وسائل الإعلام ظهرها ما عدا صحيفة الجاردين . حيث أضاف يقول “إذا كان على اللغة أن تكون تحت السيطرة الاستعمارية، فإن أفضل طريقة هو أن تفرض على السلطة من المستعمرين لغة أدبية ، وتجعل تأثيرها عليها.

 ويروج المستعمرين للغتهم ويجعلون منها رمزا للمكانة الاجتماعية، وبالتالي خلق الشعور بالنقص لدى المتحدثين للغة الأم ونزع وجودها “.

وقد كتب بإصرار بلغته الأم Gikuyu عن سياسة ما بعد الاستعمار. وترجمت كتاباته إلى لغات عديدة وشرح منتقديه روايته “بتلات الدم“، التي نشرت في عام 1977، والذي صور الثقافة الغربية المتبقية والرأسمالية والتغيرات السياسية التي أصبحت تشوه الحياة الكينية بعد نهاية الحكم البريطاني في كينيا. ولديه وجهات نظر مختلفة حول السياسة البديلة، والثقافة البديلة  ولذلك أهمية قصوى على خلفية الوسط بعد الاستعماري الحالي. و انه يجب أن يكون قد تم اختياره لجائزة نوبل.

وسوف يلام على ناجوج ثاينو الذي حارب بضراوة مراكز القوى في الأدب الأوربي وادعى أن لغته لها التأثير القوي والعميق و لها من القوة الأدبية ما يتفوق على الأدب الأوروبي. ما هي الأسباب في اختيار لجنة نوبل الكاتب الفرنسي باتريك لموديانو لتكريمه؟

كتابات لموديانو قدمت تفاصيل حية  عن حزن اليهود اثر الفظائع التي ارتكبها النازيون و فقدان الهوية الاجتماعية. وقد أعيد بناؤها بقوة في كتاباته على الأحداث التي أدت إلى غزو فرنسا من طرف ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

الحياة المنكوبة، الحزن، والمشاعر الإنسانية المضطربة تحت الاحتلال الأجنبي تم تحويلها بنجاح بطريقة جمالية إلى فسيفساء من الإبداع. هذا هو ما قالته لجنة نوبل، التي تبرر تكريم الكاتب الفرنسي.

ما هو الفن الذي تتحدث عن اللجنة؟ وما هو جماليات الكتابة التي تضع الكاتب في المقدمة ؟

ولم يعرف حتى الآن المدة الزمنية التي تصر عليها أعضاء لجنة جائزة نوبل على كتابات التعامل مع الحرب العالمية الثانية. وفي أيامنا هذه المعارك التي تدور رحاها في أنحاء عديدة من العالم، والمعاملة القاسية التي تواجهها البشرية ليست أقل من  المهووسين من المحرقة. في لعبة الشطرنج  للسياسة الدولية العادية تتمزق  الحياة البشرية. وحياة الإنسان أصبحت سخيفة في ما بعد الحداثة كما يبدو أن يتحول الإنسان إلى خنفساء Kafkaesque  غارق  في دوامة من العنصرية بعد الاستعماريات و السياسات الدينية.

المفكرون الغربيون الذين تصرفوا بطريقة حضارية تجاه الحروب التي نشبت بين القوى العظمى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية ،  كانوا في غاية الامتنان ولا يدرون عن الهجمات الفتاكة والغير إنسانية  والإبادة الجماعية الصارخة في المجتمعات العرقية الصغيرة التي تحدث في العالم. بالنسبة لهم مثل هذه الهجمات لا تأتي تحت عنوان الحرب ولكن  باسم مكافحة الإرهاب، وكيف أن المجتمعات العرقية المهيمنة والوعظ وممارسة الشوفينية العنصرية وارتكاب الفظائع على المجتمعات ….. كل هذه تمر مرور الكرام. فقدان الهوية الاجتماعية التي يتحدث عنها Modiano في كتاباته تحدث فعلا في المعارك  وفي العالم الثالث في الوقت الحاضر.

وفي عالمنا المعاصر ،الأسلحة ذات التقنيات العالية والأسلحة الكيماوية  تفتك بالبشر وفي نفس الوقت هناك في العالم الافتراضي العديد من القوى السياسية صاحبة الأفكار المختلفة تمزق نسيج الحياة البشرية إلى قطع مهلهلة. كما أن سخافة اللعبة السياسية والمعارك السياسية كشفت أمامنا أن جوهر الحياة البشرية مجهول وغموض ذلك في حد ذاته نوع من الفن.

هذا هو الفن الذي يسميه فناني ومبدعي العالم الثالث سحر وشعوذة. وهل القائمين على جائزة نوبل اخذوا في اعتبارهم الكتابات التي تناولت الدم والحروب التي تحدث في العالم الثالث مثل أفريقيا وسيريلانكا وفيتنام وأمريكا اللاتينية؟؟؟ هل أخذ بعين الاعتبار التمييز العنصري و ما بعد الاستعمار والقيم والوقائع ؟

وفي هذا السياق تحضرنا قصيدة شاعر التأميل “الريشة التي سقطت من الجناح وتحركت على صفحات الريح فالريشة التي فارقت جناح الطائر ليست مجرد ريشة إنها تاريخ وفن وهذه هي جوهر الحياة في بلدان العالم الثالث.

هل أعضاء لجنة منح جائزة نوبل لا يتفهمون كل هذه الأسباب ؟؟  أليس هؤلاء منغمسين في القوة الامبريالية والقيم الطاغية للسياسة؟؟ فإذن لماذا اختاروا مودينو المؤلف اليهودي للجائزة؟ دعنا نبحث ما وراء ذلك في الكواليس السياسية.

الهيمنة الصهيونية الإسرائيلية تبيد المسلمين من قطاع غزة بفلسطين. فيهود اليوم مر عليهم زمن بعيد عن قمع اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. فقد تغيرت المشاهد القديمة . واليوم كشف مشهد جديد تجلى فيه بأس اليهود وسيطرتهم وقوتهم الكبيرة.

وبعد ذلك هذا جدول أعمال الصهاينة الخفي الذي لا ينبغي النظر إلى واقع الأرض من منظور نقدي. يريدون الحكايات اليهودية القديمة بأن يقال مرارا وتكرارا. وكيف أنهم فقدوا هويتهم ويجب أن يزال ما عليها من  غبار وتروى بسلاسة. يجب إنشاء الفن لتحديد الدراما  التي توضح الذي قام من بين الأموات مثل طائر الفينيق. يجب أن يكون الحاضر موصول بخلفية الماضي وما بعد الحداثة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً