جند إبليس

349

انجي علي:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

الملائكة والشياطين لا يسكنون الأرض وإنما يسكنها بنو آدم بأرواح شذراتها ملائكية أو أرواح نبتتها شيطانية. ليبدأ المسير من جديد على طريق تشوهت ملامحه من هواجس البشر. في ملكوت الكلم حيث يجتمع أشباح الناس من كل حدب وصوب ليلتقوا في نقطة مركزية للاتصال على الغث والسمين من القول، والفعل، والمفعول.عالم أبوابه مفتوحة على الدوام والدخول إليه بلا قيد أو شرط أما النجاح في البقاء والقبول فيحتاج إلى توافر خصال بعينها دوناً عن غيرها، منها ارتداء قناع مزخرف بمختلف صنوف الزينة وشتى أنواع التبرج؛ الشائع منها والمغمور، المتاح منها وغير المتاح. وربما إذا نجحت في أن تكون غير نفسك كان ذلك أنسب وكان التكيف والانسجام أفضل .

 يمتد بساط لوحات مفاتيح أجهزة الكمبيوتر وتبدأ الأصابع عزفها المنفرد أو الجماعي وتتراقص أطرافها في حركات إنسيابية خفيفة على إيقاع النقر السريع، وتجحظ العيون أمام الشاشات المملوءة بمواقع البحث عن الذات الإجتماعية المنتشرة كالوباء بصناديقها الافتراضية الملغمة بالأسرار وكواليسها المليئة بالألغاز. وفي غمرة أمواج ألبومات الصور المكتظة فوق صفحات الشبكات الإلكترونية الشخصية منها والعامة، الملونة منها والرمادية، ووسط صخب الأسماء الحقيقية، والإستعارية، والوهمية، والخرافية يلتقي شخصان على غير موعد سابق لكنه معلوم قدراً. تجمع بينهما واحدة من الصفات الإنسانية التي لا يختلف إثنان على صدق نواياها.الصداقة كالمصعد الكهربائي في مبني شاهق إعتدت الذهاب إليه فتجتمع في صعوده بأناس يأخذونك معهم في رحلة لطوابق علوية وآخرون يصادفونك هبوطاً وقد ينزلون بك إلى الدرك الأسفل من قاع الدنيا وهذا حال الصداقة في صعود وهبوط؛ أناس تدخل حياتنا بلا مقدمات وتخرج منها بلا تحيات.

 ولكي نخفف من شأن الضمائر المتسللة على حين غرة ومنع طغيانها فيما بين السطور القادمة أعطيت لكلا الرفيقين أسماء نعتية تحمل بداخلها معنى يعبر كثيراً عن حاملها. البطل الأول” قادر” وله من إسمه نصيب كما هو مأثور، مرواغ نشيط، وعداء متمرس في مضمار الثقافة، وقارئ محنك لخرائط الطرق الحلزونية المتشعبة لشتى المعارف، يضاف إليها مهاراته اللافتة للنظر في التمكن من فنون اللغة وبراعته غير القابلة للتنبؤ على اختراق بواطن النفوس…أما البطل الثاني فهو” هادي” وله أيضاً من إسمه نصيب فهو وديع، دمث، مسالم، لطيف، وفطن لكنه لم يبلغ من حيازة إراداته مبلغ الرشد بعد، يتوجه أينما أداره صاحبه نحو الإتجاه الذي يريد. وعلى قدر الهمم تأتي العزائم وهادي كان من أصحاب الهمم الواهنة.

 هادي في مقتبل عمره ولم ينل بحكم سنينه القصيرة التي لم تتعدى العشرون أي قسط من الخبرة الحياتية التي تتيحها التجربة وتفرضها الممارسة. يهرول إلى غرفته متجاهلاً محيط العالم المتحرك خارجه من أب وأم وأخوة وقربى وجيرة ورفقة حية ليتركهم يدوروا دوراتهم الصفراء والمعتادة داخل محيط الحياة وينتقل هو فقط إلى وهم عالمه الحديث الذي لم يساهم في ابتكاره أو حتى يزيد في إبداعه فيسكن بناظريه على شاشته التي يجتمع على بساطها الكوكب الأرضي بأكمله . هادي لا يختلف كثيراً عن أقرانه وغيرهم الأصغر عمراً أو الأكبر سوى أنهم تحولوا بقوة قاهرة إلى مستهلكين وصلوا في شراهة إستهلاكهم حد الإدمان وحد الشذوذ عن المفروض والضروري …

كان هادي مشدوهاً في البداية ولم ينكر دهشته تجاه هذا العالم الرحب حين وطأته عيناه وابتهج إذ وجد فيه بغيته من استيراد المعرفة القاصرة والمطروحة بكل فروعها ولم يخفي على أحد رغبته الملحة في اكتساب الخبرة التي إفتقر إليها عله يتمكن من القفز فوق حواجز عمره المعدودة فيزيدها عدداً، يمتطي بعينيه فقط ذاك الركاب بهدف إغتنامها ليدخل والحرص خليله الحارس في مبتدأ زياراته. لم يرَ هادي أي مانع في الإنخراط مادام يتسلح بأسلحته الواقية في نظره والهزيلة واقعاً من المغريات أياً كانت، كان واثقاً من إمكاناته للدفاع عن مبادئه الراسخة وإيمانه بها وعلى المواجهة والتصدي لأي وسوسات من شياطين الإنس والجن على حد السواء. أحد أسلحته التي ظن فيها شدة البأس هو المواظبة على الذكر والطاعة لخالقه وعدم التقصير فيهم بالتكاسل أو التلهي الشائعان هذه الأيام بين الناس،مؤمناً في أعماق سريرته أن الدنيا ليست واهبة للجوائز وإنما صاحبة فتن. أما سلاحه الآخر فكان عقله اليافع الذي لا زال يحبو خطواته الأولى ومع ذلك ظن فيه الكمال والمقدرة على الصمود كحائط سد بحكمته المنقوصة ومنطقه الضعيف أمام الفوارغ الكلامية المنطلقة من هنا وهناك وأمام العلاقات الهلامية التي لا تقدم ولا تؤخر شيئاً. فعقد عزمه على البقاء ثابتاً على عقائده ومبادئه وعاهد نفسه على أن يتجول بعقله وعينيه دونما استقبال أي أثر سلبي والاكتفاء باستيعاب كل ما هو إيجابي.

على الحيز الآخر من مجرة الحياة السابحة في الفضاء الإلكتروني يتوجه “قادر” إلى مستراحه المرئي ومتنفسه الوحيد من العمل المرهق للبدن والذهن معاً، حيث يأمن فيه من مغبة الاحتكاك المباشر بالخلائق وما يتبعه من أرق موجع للرأس، كان هذا العالم مناسب جداً له فتكفيه كبسة زر لينتهي ويتخلص دون رجعة من المخالطة المزعجة التي قد تباغته من أي مصدر دخيل فتنغص عليه خلواته المنشودة. بعد عودته من العمل وتناول وجبة خفيفة لا يتعدى مقدار سعراتها الألف سعرة حرارية. يجلس على فراش نومه وفنجان قهوته بسكرها الزائد بجانبه ينتظر طلعات يده حين تفرغ من وضع لفائف السجائر المشتعلة والمسافرة ذهاباً إياباً ما بين فمه والمنفضة..

كان قادر يجوب ويتفقد أحوال العباد عبر كلماتهم؛ فيقوم بعملية فرز لطبائع ونوادر البشر الجوالة معه على نفس المدار. ليلتقي الصديقين البعيدين قادر وهادي مصادفة على طريق الصداقة والوفاق غير الموفقين في خاتمة أحدهما. أي ضرورة جمعتهما ليكتملا في حضور كل منهما مع الآخر؟؟!! هادي بشغفه للمعرفة وهو يتبع في ذلك مقولة الأقدمين مجهولة المصدر ” أطلبوا العلم ولو في الصين.”، وقادر بعمره الذي تجاوز أعوامه الأربعين ببضع سنين، وعقله الذي لا تدركه الأبصار ولكن قد تدركه العقول، عقلٌ فذ، حصيف، لا يُسأل عن شيء إلا وأحاط به علماً ليطرح أجوبته أمام سائليه دون أن يظهر من حروفه أي التباس أو تردد. لا يدخل في جدال أو مناقشة إلا وخرج يحمل رايات الظفر والانتصار على محاوريه فيحمل المهزومين لباس السخرية الساقط عليهم كالمطر.

إنجذب له هادي الذي أسرته وبهرته سيول قادر البلاغية والثقافية التي لم تتوقف أو تنقطع.. ومن هنا بدأ التداخل بين الطرفين، ليدخل هادي إلى دكان قادر ليشتري أغراضه العقلية والنفسية التي تنقصه متى شاء، ولكن ما من سلعة تتوافر في الأسواق مجاناً لطالبها ولم يعرف هادي منذ البداية بما سيقايض مقابل الحصول على بضاعته إلا بعد وقتٍ طويل من الزمن ،أما قادر فكان تاجراً داهية، يملك ناصية الحنكة بيمينه وتطوافه على الصفحات لم يكن عبثياً أو عشوائياً. كان يبحث عن أحد ما له مواصفات خاصة لغرض في نفسه. فوقع اختياره على هادي بعناية شديدة بعدما عكف قادر على مراقبة مكثفة لتعليقاته ومشاركاته وتغريداته وتأكد في قرارة نفسه أنه الشخص المناسب من أجل القيام بالدور المطلوب في عرضه الفريد. نقاط الضعف المكشوفة والظاهرة أمام كل من هب ودب ممن أطلق لنفسه العنان ولم تنضبط في أخذ الحيطة والحذر اللازمين فانساقت بأهوائها على طريق محفوف بالمخاطر وغير مضمون العواقب وراء نهمها للبحث عن الحقائق من وعاء واحد رغم كثرة الأوعية.

التوافق في التواصل كان يجري قدماً بعلاقتهما رغم فارق السن بين الأستاذ وتلميذه النجيب طالب العلم، غلف الغموض رفقتهما في بدايتها وإنتابتها موجات من التوتر والشك وعدم الثقة المتبادل، لكنها كانت موضع تقدير من كلاهما باعتبار أن هناك مجهولاً يواجه مجهولاً آخر من وراء الشاشات.

 المجهول… المجهول المختبئ خلف حجاب المستقبل له سحر خاص يجذبنا ويستهوينا وما إن تطأه أنفسنا وننتقل من فضائه اللانهائي إلى محل المعلوم كرهناه وبغضنا أنفسنا فيغالبنا الندم على ما فات ويكون حينها الواقع الذي تحول إلى ماض أرحم وأهون من المجهول الذي أنهكنا بالتمني والرجاء. الشك كان له ما يبرره باعتباره من أهم الخصائص الكونية والطبيعية لهذا العالم ما لم يأته اليقين من بين يديه أو من خلفه. فبدأت تلك الموجات في التخفيف من إندفاعتها بثبات طفيف رغم بعض الزوابع التي تخللتها وحملت بباطنها ريح الانسحاب والتراجع من جانب الصديقين كلٍ في وقته مع إختلاف الدوافع والأسباب، هادي في أوقات مقاومته وتزعزعه وقادر في عدم قبوله بذلك الإضطراب الذي يفقد مطمعه التوازن. لكنها ما لبثت أن تلاشت مع الإعتياد والرغبة الملحة لكليهما في متابعة التواصل واستمراره. ومع مرور الوقت صار بينهما إتفاق ضمني وغير معلن فرض قادر شروطه الجائرة إستناداً إلى قوة شخصيته وأخذه بزمام الحديث في كل مرة مما مكنه من بسط سيطرته بسهولة كلاعب كرة خلى أمامه المرمى من جميع اللاعبين سهواً كان أو خطئاً ليبدأ في تسديد ضرباته المتتالية ويحرز أهدافه الوضيعة كما شاء. وكلما سولت لهادي نفسه العصيان والرد بالمثل في إثبات وجوده عاجله قادر مهدداً ومتوعداً إياه بالتخلي عنه ليموت عقله عطشاً وسط صحراء الجهل فتتعطل بوصلة أفكاره الهشة من حرارة شمس السفاهة القائظة وتضل أقدامه الإتجاه فوق رمالها الثقيلة.

توج الفشل الذريع كل محاولات هادي في السيطرة أو الإعتراض أو المخالفة أو الإختلاف بعدما إختلبه قادر بفصاحته وحقيقته الجذابة والزائفة في آنٍ واحد. هل حقاً جمعتهم الصدفة أم اجتمع قادر والقدر على هادي ليلقناه درساً لن ينساه أبداً طالما بقيت أنفاسه تترجرج داخل صدره ؟!! ربما يأتيه وقت يدرك فيه الحقيقة الغائبة بأنه لم يكن عليه الاتكال على نبع واحد لاستخراج ما يحتاج من معارف وأن ذاك الجهاز المحمود حيناً والملعون أحياناً بما داخله لا يخضع لأي قواعد ملزمة ولا تقيده قوانين محكمة تصون المستخدم أو تردع المتجاوز.. دنيا أخرى لا تقع تحت طائلة أي رقابة وقد أفلح من لم يتجاوز حدودها وإستعصم بالقيم العليا وإستعان بالثوابت الأخلاقية المعهودة فكانا معه خير حافظ له من مصائبها وويلاتها .

بدأت المحاورات الخبيثة في الإفصاح عن نفسها تدريجياً بعدما اعتاد هادي على أخذ حصته من الإرشاد والتوجيه على يد المتفلسف قادر. مبارزات كلامية غير متكافئة الأطراف تتوج في نهايتها بالنصر الذهبي لقادر الذي إستثمر موهبته التي وهبها الله إياه بكل ما أوتي من قوة ليسري مفعول مفاتنها فقط على المستضعفين عقلاً في رأيه. معركة إحتلال العقول اللينة والجاهزة للنسخ والطباعة فقط لا غير. كان فعله عجيب وكأنه مشهد قابض للأرواح رسمته أيادي شيطانية بحتة، يقف قادر يأخذ نفس عميق يشحذ به كل قواه الجسدية، يمسك هادي بكلتا يديه ويضغط عليه من كتفيه ليثبته واقفاً على الأرض حتى لا تصدر منه أي حركات مباغتة تفسد عليه غايته، يفتح كلا منهما فاه لينفث قادر داخل جوف هادي دوامات دخانية كثة وغليظة من آثام وخطايا دفينة، غرائز وشهوات مكبوتة، شظايا أفكار ملوثة وإستثناءات للأخلاق لا تقبل التطبيق بأي حال من الأحوال . دوامات لطالما إختلجت ثورتها ونيرانها داخل قادر تلهج بحثاً عن مصب تلقي فيه بلهيب حممها..

لم يعي هادي العواقب الوخيمة لخضوعه واستسلامه المشين لقادر سوى أنه حق واجب السداد والنفاذ على كل صديق لصديقه، حق يسلبه إرادته الحرة خالصةً مقابل ما ينال من معلومات تنزل عليه نقاط مقطرة كلما تعطف قادر عليه بالرضا فيضمن بذلك عدم هروب المشتري، طالب البضاعة الرائجة واحتياجه الدائم لها…لم يجنِ هادي شيئاً مقابل الوفاء والإخلاص إلا الإقامة الجبرية داخل منحنيات الخسارة، وإستقبال سياط الغدر والخديعة دون صراخ أو تألم…لم يتراجع في خطواته المسرعة نحو مصير غائم قيد أنملة لأنه ببساطة رفض أن يجلس جلسة فاصلة مع ذاته لن تستغرق وقتاً طويلاً ليعترف أمامها بسذاجته، وهرب من مواجهة الحقيقة القاسية وبضعفه فتح بابه لإنسان تمتلئ روحه بشحنات سلبية لا حدود لها وجدت مكانها للتفريغ والعبث بمكنونات غيرها من الأرواح البائسة.

في أحد الأيام داخل مملكة سلطان الليل الغافل الذي كلما إزدادت غفلته كلما إزدادت مملكته إنفلاتاً، فيغيب العسس المرابط على حدودها ويقتحمها جند إبليس ليعيثوا في النفوس فساداً من هتك وذبح وإنتهاك للإعراض والعقول والأخلاق والأذواق في شكل لا يخطر على عقل و قلب بشر. أثناء الحديث بين الصديقين الذي صار وجبة يومية يتجرعها هادي ولا يكاد يستسيغها. لم يبلغ معها أي يقظة أو صحوة بعد لتتهاوى بالنتيجة كل حصونه الوهمية وتنهزم أسلحته الجوفاء التي تفاخر دوماً بشدة بأسها أمام النصائح المتكررة ممن يهتمون لأمره بالحرص وعدم المبالغة في إستخدام ذاك الجهاز، وقعت رأسه من طول السهر على طاولة المكتب أمام الشاشة المضاءة ليسقط غافياً غفوة مفاجئة تأتيه فيها رؤيا وإشارة علها تنقذه أو تساعد في إستفاقته قبل الوصول إلى نهاية عرجاء لن يصل معها إلى أي فضيلة. رأى هادي في منامه رجلاً حسن الطلعة وجهه ينضح بالوسامة يرتدي بدلة سوداء اللون ذات نقاط مفرغة متعرجة تعرجات حادة ومائلة تشكل أضلاع مثلث اختفت قاعدته وتساءل في سره أي موضة جديدة تلك التي استبدل فيها الخياطون الخطوط بنقاط…أزرار السترة كانت حمراء داكنة وكبيرة الحجم، أما القميص أسفل السترة فلم يكن أنيقاً ولا متسقاً مع البدلة، يضع حول عنقه كوفية حمراء من الصوف ملتفة لفات متكررة ليتدلى منها جزء قصير جداً من الأمام.

 تعجب هادي من عدد المرات التي احتاجها الرجل لتبلغ لفات الكوفية نهايتها فتبدو من ثقل صوفها على رقبته وكأنها أطنان من حبال المشانق. تنبت من جيب سترته على جهة اليسار زنبقة سوداء قاتمة تبعث على الكآبة تذرف دموعاً منهمرة من بين أوراقها. ينسدل شعره على جبينه فيخفي نظرات عينيه الماكرة، المتصنعة للعفة والبراءة والطهارة. يرتدي في كلتا يديه قفازاً جلدياً أسود يحمل في اليسرى صحائف ورقية مضمومة إلى صدره يذوب منها المكتوب ويتقاطر في لزوجة ثقيلة حبرها الأسود كقطران الفحم على الأرض وعلى ملابسه فتلوثها وتترك آثارها كلما تقدمت خطواته تجاه هادي.

 تصلب هادي مكانه من وقع ما يرى وفتحت عيناه جفونها على مصراعيها دون غمز. تطلع في صمت وجل للرجل الذي كان يقترب ويقترب منه في خطوات تتبدل ما بين السرعة والبطء لتبصر عيناه قرنين يخرجان من منتصف رأسه يشبهان قرون الثيران الوحشية طويلان مقوسين للأعلى لينتهيا بحواف مدببة تنغرس فيهما الكرة الأرضية. وحين بات اقتراب الرجل وشيكاً من هادي الذي لم يتحرك إنشاً واحدا لتلتصق قدماه محل وقوفه، برز على أحد القرون حروف لكلمة “غواية”وعلى الآخر كلمة “خطيئة”، الحروف لم تكن متشابكة بل مبعثرة تتحرك صعوداً ونزولاً بطول القرون العريضة لكن سرعان ما التقط هادي ببصره المرتجف الحروف لتترتب وتلتحم في إدراكه بذات اللحظة التي اصطدم فيها وجه الرجل بوجهه ليستقيظ فزعاً يتردد صدى صرخته في أرجاء الغرفة الضيقة فتنسرب عبر جدرانها وتنطلق بحرية إلى خارجها.

تهب أمه إليه وهي فزعة لتهدئه وتمسح بيدها على شعره وهي تزفر المعوذات القرآنية الحافظة في تبلبل لتطرد بها الكابوس الذي حل على ابنها. تركض خارجاً ثم تعود تحمل معها كوباً من الماء المذاب فيه ملعقات من السكر يشربها هادي في فم واحد كالصائم لحظة إفطاره. بعدما تجاوز هادي رعشته من كابوسه المخيف بسلام بدأت الأم في زجره على سهره لوقت متأخر وبقائه متيبساً أمام جهازه الذي أصابه بالهوس.

إلتقط الفتى المغزى من الرؤيا وأدرك أن أفراد العائلة الكلامية يمتهنوا ثلاث وظائف لا رابع لهم؛ التعليم، المدواة، وسفك العقول والأرواح..وهو في خضم بحثه الأزلي عن توظيف الأولى تعثر في الثالثة دون تدبر لتكتسي روحه بكساء من الحزن والأسف على ضلال مسعاه.تمنى لو كان يمتلك المقدرة للشق عن ما في الصدور والكشف عن النيات التي تخفق بداخلها لكان نأى بنفسه عن زلات الأوزار المبنية على الظنون المتكالبة عليه من الاتجاهات الأربعة وأخواتها.

 ذكاء هادي وفطنته جرداه تماماً من كونه ضحية سقطت بين أيادي وحش لا يرحم راح له ملبياً طائعاً لنداءاته السقيمة والمشوهة. قدرته على التمييز ما بين الخطأ والصواب ضمن له إستقبال وخزات الضمير المؤرقة التي كانت تزوره بين الفنية والأخرى فتعكر عليه صفو حياته. حاول هادي مفارقة السهر بالنوم المبكر للفرار من إغراء ظلمة الليل المنسدل بأستاره الموحشة على الكون فتداري ما يجري خلفها من إفساد للأنفس. لكنه كان حلاً مؤقتاً ولم ينتهِ معه إلى هداية نفسه الضائعة ليعاود ذات الكرة من جديد. حاك شيطان هادي له مخرجاً جهنمياً يعطيه وثيقة إبراء لفعاله من سمة الخطأ حين إنتوى شد الرحال دون مراجعة إلى مذبح الخطيئة وقدم نفسه قرباناً لشهوات ونزعات قادر الفكرية الدميمة وأخذ عليها عاتق الملازمة له دون فراق مستأثراً بكامل وقته عله يحول دون وقوع ضحايا أخرى في مصيدة سطوته المميتة ونيته العقيمة لنقل عدوى علاته إليها. ظناً منه أن قادر لن يشعر فراغاً وجدانياً أو عقلياً يوفر له فرصة البحث عن فريسة أخرى واصطيادها ليصبح هادي في نظر نفسه شهيداً للإنسانية الغائبة.

كان في داخله يرثي حاله وحال رفيقه قادر واعتقد أنه ربما يستطيع يوماً ما من إبراء العلل التي سكنت وترسخت في نفس رفيقه وبحكم إقترابه منه يمكنه إن يؤثر عليه ويغيره ويأخذ بيده نحو كائن أفضل. ترجيح واهي وربما لن يصلح بعدما صار شريكاً لقادر في جرمه فتلطخت أرواحهما معاً بأوحال الضلال. إستمر هادي في أداء الدور الذي بات يتقنه ببراعة في إنصياع يتخبط بعصاته العمياء داخل طريق دائرية مغلقة لرغبات قادر وأفكاره الخارجة عن العرف والمألوف وصدق راغباً جميع إدعاءاته على غير اقتناع.

بعد سنوات من المواصلة غير المنقطعة لأي هدنة لكلاهما وقف هادي يوماً أمام مرآة ذاته فأصابه الهلع والذهول مما تجلى له. لم يرَ نفسه كما يعرفها وألفها.. شخص آخر تلون وجهه بخليط من ألوان الأسود والأزرق والأحمر كلوحة سالت ألوانها المائية على بعضها من فرط سخونة ما سُلطت عليها. سقط شعره عن آخره واصطبغ رأسه بنفس الألوان المختلطة.. ابتلاعه لخطايا وآثام لم يرتكبها كانت له بمثابة سم زعاف يأكل أعضاءه ويمزقه من الداخل إرباً..إشارة أخرى تأتيه من حيث لا يحتسب لعل التوبة والندم يعرفان الطريق إلى قلبه وعقله يوماً فيرداه عن بهتان غيه إن الله غفور رحيم.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً