الرئيسية / العدد الثامن والثلاثون / عبد الغني كرم الله يكتب عن معرض الخرطوم الدولي للكتاب

عبد الغني كرم الله يكتب عن معرض الخرطوم الدولي للكتاب

معرض

للتواصل مع صفحة عبد الغني كرم الله على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

بحكم حبي للكتب حب يفوق الوصف، وجرى في دمي من مرحلة مبكرة، حيث تعلمت حتى الخجل من الكتب، في قريتي لا شئ يخرج عن العرف، وفي الكتب ومجلة سمر، وجدت أن العالم أوسع من أنماط العيش في قريتي، وما يبح حنجرة فقيه القرية، في صده، ومنعه، وجدته مباح في طرق مدن عربية واسلامية، فشعرت بأن الكتب حياة أخرى، وشكل أخر، ومن تكلم المرحلة  أحببت الكتب، كبراق احج به لأفاق بعيدة عن حسي، ومكان، ومزاجي، وأحسبها علمتني منذ مرحلة مبكرة، “هناك آخر”، غيرك، يختلف عنك تماما، ومن عجب “أغواركم قد تتشابه”، مما جعلني أحب الأدب (كغريزة جمعية)، تجعلك تآخي بين المعتقدات والرؤى “حيث النبض المشترك للقلب الإنساني المتشابه “، بعيدا عن المفاهيم المتغايرة التي تسكن “العقل” ومن هنا سعيت للمعرض، كي أقابل اصدقائي الكرام “الكتب”.

زرت الكثير من المعارض، خارج وداخل البلاد، أهل الخليج قطعوا شوطاً كبيراً، في الاعداد والكم والكيف “مطلق حرية لأي كتاب، كل كتب  محمد شكري، بل وكتاب شمس المعارض (الذي يناقض سمتهم الفقيه)، بل وكتب المفكر السوداني المحظور دوماً عند أهله ، محمود محمد طله، وكتب الشيعة ، موجودة في الرفوف، وأنت وحريتك، وقدرتك الشرائية “وما اوسعها هناك”، مع تنظيم حد الإعجاز، فانت لو عرفت الكاتب، أو اسمه الأول، أو اسم الكتاب، أو دار العرض، فيمكنك أن تعرف الكتاب والجناح والخريطة التي تدلك عليه، في جزء من الثانية، بل لو عرفت ما كتب عنه، أو اسم كتاب آخر للكاتب، وهنا توفير للوقت، وللاقتناء، أي التنظيم الذي يلف المجرة وكواكبها، والدورة الدموية فينا، يلف المعرض، فتشعر بالرضى، لأنك عثرت على الكتاب، في أقل زمن .

كما أن المعارض، هي ملتقيات فكر، ومقاهي ” داخل المعرض ” ، واتكاءة، وتصفح “مجاني للكتب “، انها سوق المتعة والتلاقح الخلاّق، مع موسيقى خافضة، تهمس لك، وتعيدك للقراءة، للصلاة مع أفكار ورؤى وحكايات من أناس موهبي النفس، والخبيئة، يزخرفون حسك كله، فتسكر من معاقرة خمرهم، المسكوبة في كؤوس الحروف..

كما أن الشكل المعماري للمعرض، يبدو (كبيضة رخ)، عظيمة، أي كائن حي، كل الجمهور “سيفقس”، حسا، وفكرا، مختلفا قبل دخول المعرض، (هل من يقرأ مائة عام؟ أو حتى نخلة على الجدول؟ سيعود كما كان؟ ومن يعرف ذكاء الزين العاطفي؟ ألن يندهش من الاشجار في معرض الخرطوم؟ الجمال يعاديك ، من رجال خلقهم حلم الكتاب، كي يخصبوا بالك، وبالي..

زرت المعرض، يبدو عادي، بلا فن، ولا فكر في التصميم، ولا روح، وهناك ذبذبة ما “تحيط بقبته”، يبدو فيها الفقه المملوكي، والعباسي، رائجا، وعاطرا (إن كان للدخان عطر)، بحدسك تحس بأن البلاد “ذات توجه احادي ، ساذج “، لا يواكب التعدد الكوني، وأنماط الحرية في تقنيات وسائل الاتصالات المعاضرة (أعرابي يسير في شوارع لندن بحماره، كما يقال).

(وأنت وحظك)، في العثور على الكتاب، لا سكرتارية، ولا دليل، ولا خريطة للمواقع، وبرنامج للكتب أو الكاتب، أو الدار، أو سنة النشر، أي (ضربة حظ)، وهنا يكون المعرض “مقارنة باشقائه في دول العالم ، مخلوق من العصور الوسطى، معروض كمتحف “للمعارض سابقاً ، فالمعارض الحديثة  صارت الكتب هي التي تطاردك ، ولو قلت “شبيك، لبيك”، لجاءتك الكتب نفسها، بل هناك كتب تعرف مزاجك، وتنحشر في جيبك قبل أن تتفوه بحرف من اسمها، فتشعر بأن معرض الخرطوم، معرض قديم ، هذا من ناحية التنظيم.

معرض ضيق، في أوسع بلاد الله، دوما نتسخدم جزء من أراضينا ، جزء من طاقاتنا العقلية، جزء من طاقاتنا الشعورية، لا نعرف أعماق الفرح، بل ولا أعماق الحزن،  وكلها تتداخل مع بعض، في وحدة التفكير البشري، فمن يستخدم جزء من طاقات عقله ، لاشك يستخدم جزء من عواطفه، جزء من أرضه، وجزء من فنه، ومزاجه، يعيش الحد الأدنى من الفكر والخيال، والشعور، وهذا ما جرى في معرض ضيق، صغير، لبلد لو قيض نشر ما كتبه شبابها وكهولها، لأمتلأ المعرض وأرضه الخارجية بالكتب، مثل ما فعل المغول، حين احتلوا بغداد ” كما يقال “، بأن صنعوا جسراً من الكتب بين ضفتي دجلة ، حتى أحال الحبر النهر أسوداً .

 فلم؟ نعيش نصف؟ أو ربع الحياة ، ولم تسجن الكتب في العقول، أو بين الادراج؟ أو بمقص الرقيب؟ وما الكتب؟ هي فكر، ونور وشمس، فهل يوضع السراج فوق الجبل؟ أم يدس تحت السرير؟ هل نعشق الظلمة لهذا المدى؟ ولا يعشق الظلمة سوى لص، أو فاسد، أقصد ظلمة الفكر، ونور المعرفة، فالكتب هي شموس، تضئ مشاعر البلاد.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً