الرئيسية / العدد الثامن والثلاثون / نوح القيوطي وضوء القمر (6)

نوح القيوطي وضوء القمر (6)

d8b9d8a8d98ad8b1

عبير عواد :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

أسرار تتكشف بين نوح وضوء القمر.. “جسور من الإشارات”..

أصبح اقتران نوح وضوء بتواصل لا ينقطع ولا ينتهي.. أمرًا حتميًا.. بل الأحرى طبيعيًا.. بعض العلاقات الإنسانية قد تستغرق وقتًا طويلاً كي تنضج وتتقوى وتشتد أواصرها.. وبعضها قد لا يصل أبدًا لما يشبه النضوج أو الاكتمال التام مهما طال الوقت , وتضاخمت الأحداث..لكن!! على جانب آخر.. هناك بعض العلاقات النادرة أو الاستثنائية.. يحدث التقارب فيها سريعًا خلال لحظات.. أو دون أن يدري أصحابها شيئًا عنها ..لأنه يبدو لهم كما لو كان أمرًا طبيعيًا.. استكمالاً لما كان بوقت لم يكن معلومًا لهم, وإن استشعروا كينونته التي كانت خافية وأصبحت معلنة..

وهذا ما حدث بين نوح وضوء.. يتحدثان كما لو كان حديثهما أبديًا لم ينقطع يومًا.. يتفاهمان رغم صعوبة التواصل المعتاد فيما بينهما.. هل جمعهما اتصالهما بالكائنات من حولهم والطبيعة والزهور؟؟ أم جمعهما الحزن الذي بقلب نوح على وفاة أخته نجوان,, مما حدا به أن يرى في ضوء القمر ما يعوضه عنها؟؟؟
لا أعتقد أنه مهم أن نشرح ونفسر هذا الأمر..يكفي أنه حدث, ويكفي أن نتقبله كما هو..
مر أسبوعان منذ زيارة ضوء القمر ووالدها مزرعة نوح.. ولم يقم نوح بزيارته المتفق عليها كما كان مأمولاً..
كانت أيام أكتوبر.. أيام الخريف وتوديع الصيف..الخريف بسحاباته البيضاء الركامية, والشمس التي تختفي خلفها وتختبئ بين ساعة وأخرى من ساعات النهار كما لو كانت تداعبنا.. بعد أن استطال واستدام احتلالها للسماء طوال شهور الصيف الحارة.. تسمح تلك الشمس المراوغة لبرودة الجو الندية أن تلامسنا بارتعاشة محببة.. تذكرنا بقدوم الشتاء وتعدنا لاستقباله..

الخريف موسم التوليب.. لذا انشغل نوح بزراعة بصيلاته وتجهيزها.. لذلك لم يكن ملائماً أن يترك المزرعة إطلاقًا قبل أن ينتهي من عمله.. هذا ما قالته العمة “وجيدة” التي قامت بزيارة نائلة لأكثر من مرة وأمضت معها ومع الفتاة وقتًا طويلاً..علمت خلال زياراتها المتعددة الكثير عن ضوء القمر وطفولتها وكيف كانت.. والظروف التي أحاطت بها وبحالتها الغريبة..كانت العمة ترى في ضوء القمر معجزة ما بوقت لم يعد للمعجزات به كينونة أو وجود.. في إحدى جلساتهم المسائية بحديقة الزهور قالت لنائلة وهي تنظر لضوء القمر نظرة ملؤها بالحب: ” اسمها ضوء القمر وهي كالقمر بتمام ضيائه.. بها شيء غريب غير مألوف ولكنه محبب.. ثقي بي ابنتك هذه ليست إلا معجزة.. لكن!! لا أدري ما سر هذه المعجزة وما علاقتها بزمان كزماننا؟؟ الذي افتقد كل ما يتعلق بما هو محسوس ليتبقى له كل ما هو ملموس فقط “
ولأن أحاديث الروح دومًا تستجلب أحاديث أخرى.. ولأنه بالكشف عن مخبوء يستبين لنا كشف آخر. . تطرقت العمة وجيدة إلى حديث حزين عن “نجوان” وعن قتلها وتمزيقها الذي قيل أنه على يد ذئب من الذئاب المصرية المنتشرة بالواحات..
كانت ضوء القمر تستمع لحديث وجيدة فأصابتها رعشة قوية عندما استمعت للحكاية.. عاتبت وجيدة نفسها بصوت مسموع: “كيف لي أن أفعل هذا بكِ يا حبيبتي أنتِ صغيرة ورقيقة ومشاعرك رهيفة قطعًا لم تتحملي ما حكيت.. سامحيني لم أقصد..”” انتبهت نائلة إلى أن رعشة ابنتها ليست بسبب وصف السيدة لقتل نجوان وحالتها التي وجدت عليها..وما كادت أن تفتح فمها لتخبر السيدة بم تراه سببًا منطقيًا لرعشة ابنتها التي لا تتحمل ولو إشارة بسوء على أحد الحيوانات, فإذا بضوء القمر نفسها تبادر نافية سبب ما أصابها وتشرح لوجيدة بيديها وإشاراتها أن الذئب لا يمكن أن يفعل ما تقوله, وأن في الأمر سرًا آخر بلا ريب.. لم تستوعب العمة مجمل ما قالته فنظرت حائرة لنائلة التي بادرتها بتفسير ما خفي عليها..
وجمت العمة وهي تستمع لحديثها ثم قالت بدهشة واضحة: “يبدو أن ابنتك ونوح هما الوحيدان اللذان يثقان بأن الذئب لم يفترس نجوان”.. حكت لهما بعجالة عن نوح وعن هواياته وعن اقترابه غير المفهوم بالطبيعة ممثلة في كل موجوداتها من نماذج وصور.. وحبه لتسلق الجبال وارتياد الصحراء..وقناعته أن حادث أخته به سر, وعن رد فعله أثناء التحقيقات والذي استغربه الجميع حيث بدا مدافعًا عن الذئاب أكثر منه مكلومًا بوفاة شقيقته..
كما أخبرتهم باسمه المعروف به بين أصدقائه خاصة الذين يتجنسون بجنسيات غربية ممن كان ينطلق معهم برحلات السفاري..
“نوح القيوطي” حكت لهم سر التسمية Noah The Coyote .. و هي تسمية أسماها له صديق أمريكي قام نوح بزيارته بالأعوام السابقة..ارتادا معاً جبال أمريكا الشمالية وبعض المناطق المتاخمة للحدود الكندية.. وهناك التقيا مع بعض الأصدقاء المصاحبين لهما بعائلة من ذئاب البراري (القيوط) يبدو أنها شعرت بتهديد المجموعة فاقترب كبيرها من خيامهم وبدأ في إرهابهم .. حاول أحد الرجال التصدي له وتخويفه بإطلاق الرصاص..لكن نوح انبرى معترضًا وأخبرهم أنه سيصادق هذا الذئب سريعًا.. بالطبع اعتبره بعضهم يخرف, كيف يتصادق مع ذئب إنه يعرض نفسه ويعرضهم للخطر؟؟

ولكن نوح راهنهم أنه سيفعل.. فقط طلب منهم ألا يتدخلوا إلا إذا أعطاهم إشارة بهيمنة الخطر على الموقف..راقت لهم الفكرة فتركوه ولاذوا بالقرب من الخيام يشاهدون بترقب.. لاحظت العمة أن ضوء القمر منتبهة بكل حواسها تنتظر سماع ما حدث, فابتسمت بفخر وهي تتحدث عن ابن أخيها البارع الذي استخدم ما أسمته بلغة الجسد* للتواصل مع الذئب وإن لم تكن قد تعرف تفسيرًا مقبولاً لما يعنيه هذا.. كل ما تعرفه إن الذئب بادل نوح الحوار وبالنهاية أعلن خضوعه له و اقترب منه كما لو كان صديقًا حميمًا.. تقافزا وتصارعا معا وتمرغا على الجليد بالنهاية والأصدقاء يحبسون أنفاسهم كيف استطاع نوح فعل هذا مع الذئب؟؟
أخبرهم نوح فيما بعد انه عاشق للذئاب وقرأ وعرف عنهم الكثير, كما أنه ربى الكثير من الكلاب والتي لا تختلف كثيرًا عن الذئاب في الطبائع والشمائل.. وخاصة إن الهيمنة والسيطرة بعالم الذئاب تتخذ كغيرها من أشكال السيطرة ما بين قطعان الحيوانات المفترسة بعض القواعد والأسس التي لو اتبعت جيدًا لسار الأمر على ما يرام بالتعامل معها..
ولكن الأصدقاء أصروا على أن نوح به شيء غريب ويبدو كما لو كان منتميًا لتلك الفصيلة من الذئاب فأسموه Noah The Coyote أو “نوح القيوطي”..
كانت لحكاية العمة أثرًا واضحًا على ضوء القمر التي بدت منتشية وسعيدة تشعر بالإثارة لفكرة أن هناك شخص ما في العالم يستطيع التواصل مع الحيوانات التي تحبها.. “ربما بطريقة تختلف عنها ولكن النتيجة واحدة”.. ليست وحدها في هذا الكون من ترى أن علاقة البشر بالكائنات الأخرى لابد لها من إعادة صياغة وإعادة تشكيل..
أتراه لهذا يفهمها ويقرأ كلماتها وهي لا زالت بعد أفكارًا تتصارع بعقلها؟؟ “ليته ينتهي من أعماله سريعًا”.. 

مرت أيام أكتوبر وانقضت.. واقترب نوفمبر وقد أنهى نوح تقريبًا كل أعماله التي تخص زراعة التوليب.. خاصة تلك البصيلات المهجنة بصفات الأوركيد..
هذا ما أعلنته العمة وجيدة في إحدى زياراتها المسائية للأسرة.. وقالت أنه طلب منها تحديد موعد مع السيد عمر لقضاء بعض الوقت و التعرف على تجاربه بما يخص أسماك السلور والحصول على سماد طبيعي منها..

“الخميس القادم… أربعة أيام ويأتي نوح.. سألقاه وسأسأله عن الذئب.. ماذا قال له؟؟ وكيف نظر بعينيه!! وبم أحس؟؟” كان هذا حديث ضوء القمر لنفسها طيلة الأيام التي تسبق يوم اللقاء..
الزمن.. ذاك المخالف لما نريد.. عندما نتمنى أن ينقضي سريعًا ونحن بالانتظار.. يمر ببطء شديد وكأنه يتضاعف خصيصاً ليعاندنا في تحدٍ سافر “سأنقضي وقتما أريد لا وقتما تبغون” وباللحظات التي نتمناه ضيفًا مقيمًا.. يغدو لاهثًا مسارعًا على عجل.. كما لو كان يلقي بتحيتي اللقاء والوداع بغمضة عين!! أليس غريبًا؟؟ ولكنه على هذا الحال أو ذاك يمر وينقضي..

*لغة الجسد:

تتواصل الذئاب مع بعضها عن طريق البصر بواسطة مجموعة من التعابير الوجهية والوضعيات الجسدية، التي تتراوح من الإشارات المتقنة البسيطة، كرفع البطن، إلى تلك البارزة للعيان، كالتدحرج على ظهورها وإظهار بطنها لتبين خضوعها الكامل.
تشمل لغة الجسد عند الذئاب:
الهيمنة – يقف الذئب المهيمن ثابت القوائم عارم الصدر، وتكون أذناه منتصبةً متجهة نحو الأمام، وكذلك بالنسبة لشعر عنقه. وغالباً ما يرفع الذئب المهيمن ذيله عالياً ويلويه ناحية ظهره. يؤكد هذا العرض مرتبة الذئب بين باقي أفراد القطيع. قد يحدق الذئب المهيمن بآخر خاضع، أو يثبته على الأرض، يعتلي أو “يركب” كتفيه، أو حتى يقف على قوائمه الخلفية.
– الخضوع النشط :

 خلال الخضوع النشط، يُخفض الذئب كامل جسده ويُرجع أذنيه إلى الوراء ويمتص شفتاه. وفي بعض الأحيان يُرافق هذا الأمر لعق الخطم، أو اللهث بسرعة وخفض القسم الخلفي من الجسد. كذلك يُخفض الحيوان ذيله كليّاً أو جزئيّاً أو يرخيه بين قائمتيه بالكامل، ويرفع خطمه نحو الفرد المهيمن. وقد يقوّس الذئب ظهره متذللاً لأخيه المهيمن، وكلّما كان تقوّس الظهر أكبر وخفض الذيل أكثر، كلّما دلّ هذا على درجة أكبر من الخضوع.
– الخضوع البليد :

يتخذ الخضوع البليد طابعاً أكثر حدة من الخضوع النشط، حيث يتدحرج الذئب على ظهره ويكشف عنقه والقسم السفلي من جسده للفرد المهيمن، ويوجه أكفه نحو جسده. يُرافق هذ الوضعية عادةً بعضاً من الأنين.
– الغضب :

 تنتصب آذان الذئب الغاضب وفراؤه، وقد يلوي شفتاه أو يرفع ظهره، ويُظهر أنيابه وقواطعه. كذلك فقد يقوس ظهره، يشبّ، أو يزمجر.
– الخوف :

 يُحاول الذئب الخائف أن يُظهر نفسه أصغر حجماً وأقل لفتاً للنظر وإثارة للشك؛ فيُرجع أذنيه إلى الوراء حتى تُلامس رأسه، وقد يرخي ذيله بين ساقيه كما يفعل الذئب الخاضع. كذلك فقد يأخذ بالأنين أو ينبح نباحاً خافتاً يدل على خوفه، أو يقوّس ظهره.
– الدفاع : يُرجع الذئب المدافع أذنيه إلى الوراء حتى تُلامس رأسه.
– العدائية : يزمجر الذئب العدائي وينتصب فراؤه، وقد يجثم على الأرض استعداداً ليُهاجم.
– الشك : يظهر الذئب على أنه يشك في شيء ما عندما يُرجع أذنيه إلى الخلف ويُضيق عينيه. وعندما يشعر الحيوان بالخطر ينتصب ذيله موازياً للأرض.
– الارتياح : يتدلى ذيل الذئب المرتاح بشكل طبيعي نحو الأرض، وعندئذ يجلس على بطنه أو يستلقي على جانبه. وقد يقوم الذئب أيضاً بهز ذيله، وكلما كان الأخير أكثر ارتخاءً كلما كان الذئب أكثر ارتياحاً.
-التوتر : ينتصب ذيل الذئب المتوتر، وقد يجثم على الأرض استعداداً للهرب.
-السعادة : يقوم الذئب بهز ذيله عندما يكون مسروراً كما تفعل الكلاب المستأنسة، وقد يُخرج لسانه من فمه كذلك الأمر.
– الصيد : يكون الذئب متوتراً عندما يصطاد، لذا فإن ذيله ينتصب بشكل أفقي.
– المرح : يرفع الذئب الراغب بالمرح ذيله عالياً ويقوم بهزه، وقد يقفز من مكان لأخر، أو ينحني أرضاً عن طريق خفض القسم الأمامي من جسده ورفع الخلفي، وهزه في بعض الأحيان. يُماثل هذا السلوك سلوك اللعب عند الكلاب المستأنسة.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

تعليق واحد

  1. جملة وبديعة وآسرة ، وأجمل ما فى الأمر هو أنك تجعلين من الزمن صاحبا مصاحبا لنا كأن تقولى قاربت أيام أكتوبر على النهاية وسيأتى نوفمبر ، وكأن تقولى الخميس القادم بعد أربعة أيام ؛ وهذا التوقيت هو ما نحن فيه تماما ..
    معلومات قيمة راقية تمنحينا اياها …
    اسلوب رشيق ناعم مثلك عبير .

أضف تعليقاً