الرئيسية / العدد السابع والثلاثون / هيرمان هيسه : الموهبة الحتمية

هيرمان هيسه : الموهبة الحتمية

1-h456-b1960-33254906

When you throw a stone into the water, it falls quickly by the fastest route to the bottom of the pond. This is the way it is when Siddhartha has an aim, an intension. Siddhartha does nothing – he waits, he thinks, he fasts – but he passes through the things of the world like the stone through the water, without bestirring himself. He is drawn forward and he lets himself fall. His goal draws himself to it, for he lets nothing enter his mind that interferes with the goal. This is what Siddhartha learned from the shramanas. This is what fools call magic, thinking that it is brought about by demons. Nothing is brought about by demons; demons do not exist. Anyone can do magic, anyone can reach his goals if he can think, wait, and fast.

عندما سئل فريد جيمسون عن أي التأملات المسيحية يمكن أن تشكل سنداً للحركات التحررية الجذرية قال : الجبرية (Predestination). في تحليل ماكس فيبر للبروتستانتية لاحظ مؤسس علم الإجتماع أن فكرة الجبرية، و للمفارقة، شكلت العمود الفقري للتركيبة النفسية الإجتماعية التي أنتجت الرأسمالية. كما هو معلوم، فإن المسيحية البروتستانتية قد خرجت على فكرة الخلاص التقليدي الكاثوليكي (يستطيع الإنسان حسب هذا المفهوم أن يحدد مصيره في الجنة أو الجحيم بكامل الحرية حسب قراراته الشخصية)، على العكس فإنه بالنسبة للبروتستانتية فإن كل شيء قد تحدد مسبقاً ، ما بقي هو أن يقوم الإنسان بكل شيء حتى يصل لذلك المصير. بقدر ما تبدوا هذه الفكرة سخيفة و مضحكة، فإن شخصاً مثل ماكس فيبر تمكن من ملاحظة أن هذه الفكرة تحديداً، قد أطلقت أكبر طاقة إجتماعية للإنتاج و كونت أكثر مجتمع ديناميكي عرفته الإنسانية ، و رغم أنه قد يبدوا منطقياً للوهلة الأولى أن يؤدي مفهوم الجبرية لحالة من الكسل و الخمول، إلا أن ما حدث هو العكس، فالشخص الذي ينزل نحو أسفل النهر كالصخرة التي تعلم أنها ستصل للقاع، يأخذ أقصر الطرق لتحقيق أهدافه. يمكننا أن نكتفي بالفكرة العامة التقليدية عن الحرية : أنا أفعل ذلك لأنني أريد أن أفعل ذلك، و هنا سيكون فهم مثل هذه الظواهر (علاقة الرأسمالية “كحركة تحرر إجتماعية” بالجبرية) مستحيلاً ، لكن يمكننا أن نأخذ الحب كظاهرة تعرف الحرية بشكل معاكس تماماً : عندما يقع الإنسان في الحب فإنه بدل أن “يريد” فإنه “لا يستطيع إلا” أن يحب. يظهر الحب في أكثر تجلياته حرية ك”حتمية” ما.

بالمثل ، فإنه ربما لا شيء غير الجبرية قد حرر صاحب لعبة الكريات الزجاجية ، يقول هيسة في مكان ما ، أنه و في سن مبكر جداً علم أن أمامه خياران، إما أن يصبح أديباً ، أو أن لا يصبح شيئا على الإطلاق. كوجودي أصيل حمل هيسة كرهاً عميقاً لهيغل، في منتصف روايته لعبة الكريات الزجاجية يظهر هيغل فجأة في وسط تلك الرحلة الخيالية الرائعة و كأنه الشيء الوحيد من العالم الحقيقي الذي يستحق أن يناقش بجدية ، و لكن بشكل سلبي جداً و بنقد لاذع، تلك الفقرة شديدة القسوة تذكر بموقف نيتشة ” هنالك مرض يدعى هيغل ! “. فكاستاليا، و هي المدينة السحرية التي يجتمع فيها المفكرون و الأدباء فقط، في عالم مثالي بالمعنى التقليدي و الفلسفي، خارج الفضاء الواقعي المادي ( لكن و بشكل مفارق في مصلحة هذا الفضاء الذي لا يستطيع أن يكون بدون وجود كاستاليا كعقل ما خارج الفوضى)، حسب الرواية فإن كاستاليا، في إحدى قراءاتها، قد نشأت كمقابل لفلسفة هيغل التي أنتجت إحدى أسوأ الفترات في تاريخ الثقافة و ليس الإنسانية و حسب. في إشارة للعبور المتوقع للفلسفة من هيغل إلى ماركس.

لم يلقي هيرمان هيسة الخطاب في حفل حصوله على جائزة نوبل، بل إكتفى بإرسال رسالة مقتضبة للحضور، و السبب كما هو معروف هو أن هيسة كان يعاني بصورة شبه دائمة من المرض، تشابه آخر بين هيسة و نيتشة، و بالمناسبة فإن نيتشة كان يحتفي بصورة مستمرة بالأمراض التي كان يعاني منها، و أنها كانت مصدر دائم للفكر الذي أنتجه، لا نجد مثل هذا الإحتفاء في هيسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعاناة النفسية المستمرة التي كابدها : أولاً يعبر هيسة في مكان عن فكرة أن الحب يكون في أكثر تبدياته قوة كلما كان المحبان في حالة من اليأس، و في مكان آخر يقول بأنه كان يتحمل كل شيء طالما تمكن من التمتع بالموسيقى و النبيذ، الملاذ الذي حرم منه كثيرا. هذه الشخصية التي ترى في الحياة نوع من الكفاح المستمر و الذي يكرر نفسه بلا أفق ممكن للمصالحة reconciliation هي الأساس لوجودية هيسة، فبالنسبة لهيسة فالصراع في الأساس هو تكرار شيء ما في الوجود الإنساني لنفسه بصورة مستمرة، و التطور لا يغير في هذا الأساس أي شيء، في لعبة الكريات الزجاجية مثلاً فإن يوسف كينشت بطل الرواية يتحرك في خط مستقيم من التطور و التغير و التبدل ، لكن و بوضوح فإن شيئاً ما في أساس الشخصية لا يتغير إطلاقاً ، هذا الشيء الذي يعتبره سورين كيركغارد “الروح” لا يمكن أن يدخل في أي عملية تقدمية ما. يوسف كينشت بعد أن يصل لأعلى درجة في كاستاليا ك Lodi Majester و كشخص قادر على إنتاج “الحقيقة” في أكثر صورها روعة وجمال، بصفتها المزيج المستحيل للفلسفة و الفن، أو الإسم المميز للشيء المستحيل “لعبة الكريات الزجاجية”، بعد كل ذلك سوف يقوم بالخروج على كل المنظومة و العودة للحياة ، بعد أن يحطم كل الأسس المعرفية لهذه المنظومة بشكل جذري، و ليموت بدون أي معنى، “لا كشجرة تموت في هدوء و شموخ كجزء من غابة، بل كفقاعة الصابون التي تختفي لحظة إكتمال جمالها”.

في الخطاب المقتضب جداً ، و كأنما هي لعنة لا يمكن إلا أن تظهر، قام هيسة بتذكر حروب القرن العشرين و مآسيه، و إنتقد بصورة سريعة و تقليدية ربما الدولة القومية بصفتها المنتج الأساسي لهذه المآسي، و إقترح الثقافة كشيء “عالمي” متجاوز للحدود القومية، كمرجع إنساني ما. لكنه مع ذلك لم يفوت الفرصة لرفض العالمية التي تسعى لجعل البشر شيئا واحدا، في إشارة للشيوعية ربما. في رواية لعبة الكريات الزجاجية فإن هيسة يضع ثلاث درجات للمؤسسية الإجتماعية، أولا هنالك كاستاليا، الفضاء الثقافي الفني الجذري خارج الحيز الإجتماعي المادي، المقابل الإجتماعي ربما للمثقف أو الفيلسوف أو العالم الذي يهتم بالحقيقة المجردة، أو الفنان الذي ينتج أعماله بلا أي إكتراث للجمهور، كاستاليا تمثل المكان الأكثر صعوبة و الذي يحتاج لتفاني و نظام منقطع النظير، و في أروع إنتاجاتها فإن الأعمال التي تخرج من كاستاليا تفوق الوصف. أتذكر أن الفكرة التي راودتني و أنا أشاهد المسلسل الظاهرة The Wire هي أنه ربما تكونت كل الأفكار و كل القراءات الإجتماعية و كل المدارس السينمائية فقط لتجعل مثل هذا الشيء ممكناً ، شيء ما في هذه الأعمال التي لا يمكن وصفها بأنها أعمال فنية أو فكرية أو إجتماعية فقط، بل مزيج لكل شيء، شيء ما يشير لفكرة هيسة في أن كاستاليا تنتج السحر من المادة، و بصورة غريبة و التي تظهر في مسمى هذا الإنتاج “ألعاب الكريات الزجاجية” فإن هذه الأعمال الجادة و المرهقة و التي تظهر نتيجة للخلفية السلبية التي تجعلها ضرورية، هي أعمال مسلية، مبهجة لأبعد حد!. الفضاء الإجتماعي الآخر بالنسبة لهيسة هو العالم المادي، حيث قامت “ثقافة عصر التسلية” متمثلة في الجرائد و المجلات الإستهلاكية بتحويل البشر لمجرد أشياء تافهة، و حيث الفوضى تظهر في شكل نظام، و لا مكان إلا للظلم و التدمير. هذا الفضاء الثاني نعرفه كلنا جيدا. لكن بين الفضائين، فإنه بالنسبة لهيسة توجد “العالمية اليوتوبية” أو الكنيسة، بصورة غريبة فإن هذا الفضاء في لعبة الكريات الزجاجية يتم إظهاره بشكل إيجابي، و كأنه هنالك شيء جيد ما في حقيقة أن الكنيسة (أو يمكن أن نقول الحزب الشيوعي أو القومي أو الديني) كمؤسسة تقوم بما لا يستطيع مثقفوا كاستاليا فعله.

هيرمان هيسة ينتمي لمجموعة من الأدباء الذين يضعون علم النفس في مكان متقدم، و يبدو أنه من المفهوم أنه قد جمعت بين هيسة و كارل يونغ (تلميذ فرويد و الذي يمثل بالنسبة لكثيرين المقابل المثالي لفرويد المادي) علاقة تحليل نفسي طويلة. و كما يشير سلافوي جيجاك في قراءاته المعروفة لجاك لاكان، فإن علم النفس يظهر في أكثر لحظاته قوة، و بعكس ما هو متوقع، خارج الخطاب التقليدي له و المتمثل في خطاب “العيادة” clinic، في التحليل الإجتماعي السياسي و في الأدب.

قراءة هيرمان هيسة هي تجربة شخصية، أتذكر أنني قرأت رواية لعبة الكريات الزجاجية قبل عدة سنوات أثناء رحلة مميزة في الريف السوداني في ولاية القضارف. في هذه الأقاصي البعيدة، ربما ستحارب الثقافة الجيدة دائما بصفتها الممثل الدائم للجذرية في نسختها المطلقة Universal. تعرفت شخصياً على هيرمان هيسة عن طريق قراءة كتاب علي عزت بيجوفتش التأسيسي في المدرسة الإسلامية الحديثة “هروبي إلى الحرية”، لا مكان في هذا النوع من الوجود الثقافي للتجزيئات القومية و الدينية إلا في العقول التي تنتمي، بالقطع، ل “لثقافة عصرالتسلية”، و لكن ربما هنالك حوجة ما، لإستعمال هيغل، و للمفارقة، لمحاولة التوفيق بين كاستاليا و “الكنيسة”، فهذه الأماكن البعيدة، ستطلب دائما الدخول للحداثة، المهمة التي لا يمكن إنجازها إلا سياسيا.

ربما يحمل هيرمان هيسة شيئا إضافيا للمستقبل، فمع وصول عصر محدد من الليبرالية الديمقراطية لحدوده النهائية فإن تذكرا ما لل Master كشيء خارج هذا الفضاء، كحدث جذري يجعل الخروج من الحدود الحالية ممكنا، قد بدأ يلوح في الأفق. في محاولته لمواجهة أفكار آلان باديو الأكثر حدة، يقترح سلافوي جيجاك تعريفا معينا لل Master على أنه الشخص أو الكيان الذي يستطيع أن يحرر (لا أن يقيد) الطاقة الإجتماعية، “إن كان هو قد إستطاع أن يفعل ذلك، فأنا أيضا أستطيع”، روبيسبيير و لينين بالنسبة لجيجاك أمثلة لمثل هذا النوع من التحرر، بعكس ستالين أو هيتلر. فكرة كهذه حاول هيسة طرحها في شخص يوسف كينشت، و ربما هيرمان هيسة نفسه، كأديب، كحياة، يمكن إعتباره Lodi Majester.

عن محمود المعتصم

mm
طبيب و كاتب سوداني ، مهتم بالسياسة و الفكر .

أضف تعليقاً