الرئيسية / العدد التاسع والثلاثون / الحداثة عند الجابري

الحداثة عند الجابري

17112_1

جهاد حسين ود الهندي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

إن كل مفهوم مهما كان معقداً له تصوراً ذهنياً مجرداً عن لبوسه المادي أي (جوهر -روح) وتصوراً آخر مادي معطى عن موقف تجريبي له مدركات حسية وهكذا هو مفهوم الحداثة الذي يراه الجابري “جوهراً” له تمظهرات أهمها (الحرية -الديموقراطية -العدل – حقوق الإنسان) وهذه التمظهرات هي التي تكون بها الحداثة وتكون لأجلها، فلا حداثة لأجل الحداثة عند الجابري….

وهي عنده مفهوماً “إنبنائياً ” وليس “مبيناً “أي منجزاً، فهو يدعو إلى الولوج إلى “جوهر الحداثة ” الذي أنتج عدة حداثات وليس حداثة واحدة كما ينتقد الجابري الذين يتبنون الحداثة كمنجزات عالمية جاهزة مما ينتج التجني على “الغير ” ويرى أنهم مقلدون لتيارات غربية معزولة داخل الغرب نفسه إذ لا يراعون الاختلاف التاريخي والثقافي ويريدون سلخ الذات، الذات العربية عن ذاتها دون التأصيل للمفاهيم “كالحرية والإبداع “.

إن ما يميز الجابري في نظرته للحداثة هي رؤيته التاريخية لها ضمن شروط تحققها وهي العقلانية كضمان لاستمرارية الإبداع والنظام الديمقراطي الحقيقي، إذ كان يقول دوماً دعونا نتحدث عن الديمقراطية وتاريخية الحداثة أمر يجعلها مرتبطة بالسياق الزمني الذي تنشأ فيه، والإشكالات التي تدفع بها لذلك نجد أن الحديث عن الحداثة عند الجابري هو حديث عن التراث أي البحث عن الحداثة ضمن شروط السياق العربي وأول هذه الشروط التي يسميها العروي معيقات هي التراث.

التراث:

إن الحديث عن التراث عند الجابري هو حديث المنهج، وهو ما نحاول الكشف عنه وليس حديثاً عن طبيعة التراث، وإن كان المنهج لا ينفك بالنسبة الجابري عن طبيعة المضمون. والمنهج الجابري يجعله هو المحك والفارق من القراءات الأخرى، إذ ترتبط رؤيته لكل من التراث والحداثة والمنهج والعلوم بسؤال النهضة الذي لن تكون الإجابة عنه مجدية وممكنة بطمس التراث وتركه كلياً، فما المنهج الذي يطرحه الجابري؟

إن الحوار والتفاعل بين الماضي والحاضر والمستقبل عند الجابري لا ينقطع، لذلك عمد في المنهج أولاً إلى ما يسميه الفصل والوصل، وهو فصل المقروء عنا ووصله بسياقاته التي أنتجته وأنتجها، مما يجنبنا الوقوع في اللاموضوعية ويمكننا من قراءة النصوص واستخلاص المعنى منها هي فقط من خلال العلاقات القائمة بين أجزائها بعد هذه العملية أي (الفصل) تكون إعادة وصله بنا وفهمه ضمن أفق جديد في عملية حوصلة تراعي ما هو متحرك منه ضمن شروطه التاريخية. إن هذا الفصل عند الجابري، خطوة أولى على درب الموضوعية أما لتحقيقها يبدأ الجابري بثلاث معالجات ضمنها في نحن والتراث وهي الآتي :

المعالجة البنيوية: وهي الحرص على ربط الأفكار ببعضها البعض حيث تجد كل فكرة مكانها الطبيعي.

التحليل التاريخي: وهو ربط صاحب النص المقروء بمجاله التاريخي وبكل أبعاده الثقافية والأيديولوجية والسياسية والاجتماعية.

الطرح الأيديولوجي: وهو لأجل اكتمال التحليل التاريخي، حيث الكشف عن الوظيفة الأيديولوجية التي كان يؤديها صاحب النص، وهذا ما فعله الجابري بشكل واضح مع ابن سينا والغزالي، فالأول يمثل عنده الأيديولوجية الإسماعيلية وموظفاً ايدولوجياً عند الدولة الفاطمية، والثاني ناطقاً ايدولوجياً باسم الدولة السلجوقية التي كانت توظف الابستومولوجيا الأشعرية توظيفاً ايدولوجياً لها.

الرؤية التي تحكم الأدوات المنهجية :

لكل منهج رؤية كلية تحتويه وتسير به، خصوصاً وأن الجابري لا يضع وقالباً نهائية بل يختبر فاعلية المنهج من خلال الخوض به في المضامين التراثية انطلاقاً من رؤى أولية وهي تتلخص في الآتي :

وحدة الفكر ووحدة الإشكال: إن الجابري يصدر هذه الرؤية من الكيان الذي يجمع عصر معين ويشكله بوحدة الأشكال المطروح كسؤال النهضة و إشكاليتها في الحاضر، فرغم اختلاف الجابري مثلاً عن الكثيرين فكراً وأيديولوجياً، لكنه مؤطر مع غيره بوحدة السؤال الإشكال معاً.

تاريخية الفكر: بالنسبة الجابري إن كل حقل معرفي له مضمون أيديولوجي يصدر عنه، وهذا المضمون يصدر عن الارتباط بالواقع السياسي الاجتماعي الاقتصادي الثقافي الذي أنتجه، وإن لم ينتجه بصورة مباشرة يكون قد أثر فيه وإن كان من باب الايدولوجيا المضادة،فالحقل المعرفي هو الوحدة الموضوعية للمادة المعرفية، والمضمون الأيديولوجي هو الوظيفة (السياسية الاجتماعية) التي توظف المادة المعرفية وتتحرك من خلالها.

إن الجابري بوضعه هذه المجالات التي يتحرك فيها المنهج، لا يغلق باب المنهج ويحكمه، فبالنسبة له الرؤية والمنهج يكونان أكثر نضجا من خلال الممارسة

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

تعليق واحد

  1. Hey, thanks for the post. Really Great.

اترك تعليقاً