الرئيسية / العدد التاسع والثلاثون / ثورة في قاع الجحيم

ثورة في قاع الجحيم

8d1a969509d7.original

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في قاع الجحيم حيث كل شيء يحترق و يحرق ما حوله، كانت جالسة على تل ملتهب تراقب حمم تلفظها أنهار مستعرة، حول ذاك المكان تجمهر بضع منافقين و مجرمين عتاة ذوي قلوب حجرية، كانوا في حيرة من أمرهم، يجترون حكاية الفتاة التي لا تشبه أي حكاية، فهي على عكسهم لم ترتكب إثماً او خطيئة في حياتها الدنيوية، بل تناقلت بضع ألسن محترقة شائعات بشأن رفضها دخول الجنة ورغبتها في الإقامة في قاع الجحيم دون أي سبب وجيه.

 لكن هل يمكن أن يجنح المرء لاختيار مماثل؟ هي شائعات لا تصدق، لكن تصرفاتها في هذا المكان البشع يدفعهم لتصديق ذلك. وقف أحدهم على قدم واحدة بينما ينتظر نمو الأخرى على مهل بعد أن مزقتها سلاسل ملائكة العذاب، ثم قال:

-أنا أعلم أن ما أقوله قد يعد تخريفاً بالنسبة لكم، لكنها كانت لا تصرخ حين عذبوها، كانت غير بعيدة عن مكان تعذيبي، لم تصرخ، قطع ثدييها و لم تصدر أي صوت.

– تمزح؟؟ رد أخر و قد ذاب نصف وجهه من شدة الحرارة.

– لا مزاح في قاع الجحيم!

كانوا يتبادلون الهمس ثم يلقون بنظرات يملؤها التوجس على صاحبة الإحساس المتبلد، لم يسمعوا بهذا من قبل، هم هنا منذ أمد، هم هنا إلى الأبد، لكن قدرتها على التحمل تبدوا كنافذة أمل، و على عكس الأرض، ففي الجحيم الأمل خوف من قاع جديد قد يفتح لهم، فهم بالكاد اعتدوا الألم الذي ينالهم كل يوم، يصرخون، يبكون، يولولون، يطلبون أمهاتهم لعلهن يقفن في وجه الرب، لكن ليس هناك مجيب في هذا المكان.

انفجر نهر الحمم مجدداً، فتناثرت منه كرات ملتهبة سقطت على قدميها، نظرت نحوهما، كانت كرتين تصنعان طريقاً من الحروق بداخل بشرتها النظرة، ثم تواصل حرق لحمها ثم عظامها، تنظر بملل نحو ما تفعله هذه الحمم الغاضبة بها، تبدو غير مبالية، لكن أكثر ما يخيف قلب الجحيم هو ما يبعثه قلبها عبر دمها الأحمر من غفران، حممه تحرقها، لكنها تسامحه، بل و قد يخطر على بالها الامتنان لعدم إقدامه على تشويه وجهها، كل تلك الأفكار تسبح عبر الحمم إلى قلب الجحيم، فيضطرب، ثم يصرخ غاضباً و يثور أكثر، طالباً المزيد من الآثمين. ربما بالمزيد منهم ينسى تلك القديسة.

سقف الجحيم يتلبد بغيوم تخنق أي شيء حي، يتغير لونه من الأحمر الآجوري الدموي إلى الأسود، كل ألوان العذاب واحدة هنا، لكن “مريم” كانت ترى و تستمتع بما تراه من ألوان، و إن كانت كئيبة، لا حيوانات هنا أو كائنات غير المذنبين و ملائكة العذاب، هم كذلك يحملون من البشاعة ما يحملونه لكنهم و ككل الملائكة لا يحملون مشاعر الضغينة أو الحقد، يدق قلبهم كل لحظة بذكر اسم الواحد القهار، كل يوم، حتى حين تنظر نحوهم “مريم” بعيون حادة و هي تتلقى كل أنواع العذاب على يدهم، نظراتها نافذة، لكنها لا تغير من طبيعة الأشياء، حتى بين الملائكة كان هناك لغط، و كلام لا ينتهي عن تلك الغريبة التي لم يسمعوا لها آه واحدة، “هل هي بشرية؟” كان سؤال الكثيرين، الشك ازداد مع الوقت، فالمخلوقات كلها ستصرخ حتى ينقطع صوتها تحت سياط ملائكة العذاب، فما بالها هي لا يصدر منها أي صوت، و كأنها صخرة لا تشعر و لا تحس.

تنفجر أنهار الحمم بعنف، قلب الجحيم غير بعيد، مليء بالغضب و الحقد الذي طال قلوب البشر على مر تاريخهم. لسبب غير معلوم، كان ذلك القلب يرتجف خوفاً حين تقترب تلك الفتاة، حتى و إن أحرقتها شظاياً منه، كانت تقترب غير مهتمة، فتدمي الحمم كل أطرافها، ليتسلل إليه عبر دمها خوف جديد يزلزل أحشائه بانتظام.

كانت تقترب إلى أن لمست جدار القلب براحة يدها، كان يرتجف، يعلم انه يستطيع أن يذيبها بنفخة واحدة منه، لكنه لم يحمل من العزيمة ما يكفي ليبعد ذلك النور الجميل الذي يتسلل ببطء إليه، أصغت لدقاته المرتبكة، ثم همست له.. “ما بك؟”

كان يضطرب كلما سمع كلماتها، يكبر الغضب فيه ثم يفور على جانبيه حمماً و لهيباً مستعر، في لحظة خاطفة، مدة يدها نحو جدار قلبه، ثم همست “دعني أشاركك ألمك.”

في لحظة تردد مرر إليها القلب نصف ما يحمله من ذكريات البشر من غضب و ألم و حزن، كلما تسربت لها تلك الذكريات انتظمت ضربات القلب، و اضطربت خاصتها.. ثم بدأت تتباطأ ضربات قلبه حتى خامرت السكوت.

كان السقف الأجوري اللون يتغير لونه نحو الأزرق الداكن حين بدأت ندفات من الثلج تتساقط فوق الرؤوس التي أسكرها المشهد، كأنه يوم قيامة جديد، طار أحد الملائكة بسرعة نحو حراس بوابات الجحيم البعيدة، يبحث عن أجوبة لأسئلة لم يكن متأكد من استيعابه لها و أهمها… ما الذي يحصل؟

على الأرض تكومت مريم شاردة الذهن، تبحر بغير اتجاه في ذكريات الملايين من البشر، الملايين من الآهات و الدموع، أوجاع تتكرر لكنها كأوجاع الجحيم، تؤلم كل مرة أكثر من سابقتها، أطفال و أمهات أباء و عشاق، أي لعنة سعت نحوها.. نهضت بتثاقل، على غير هدى تتمايل، بينما تتضاءل أطرافها و يتقوس ظهرها، أبحر شعرها في البياض قبل أن يبادر إلى التساقط إلى جانب الثلج المستريح على الأرض، بالكاد يمكن التميز بينهما. تمشي بخطى مرتجفة، حتى كسرت قدميها من شدة ترققهما، على الأرض كانت عيناها البيضاويتين، تدمعان بلا توقف، بالكاد تهمس بتثاقل.. أي هم كنت تحمله يا قلب الجحيم؟؟

انتاب الهلع الجميع، فبادر الكثيرون للصراخ، بينما حاول البعض الفرار من البوابات الضيقة، لكن دون جدوى، كانت رائحة الموت المنبعث من جثة مريم لا تشبه رائحة الموت العادي، كان انطفاء روحها هو ما بث الهلع في كل الموجودين، فكانت تلك شرارة ثورة عارمة في قاع الجحيم.

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

تعليق واحد

  1. Wow Stu! You and Al just brought everyone together for one more ear-to-ear smile. It is brilliant how a life well lead and words well crafted can do that. Fond memories from me and my family. Ron

اترك تعليقاً