الرئيسية / العدد التاسع والثلاثون / جو العجوز الأسود – Old Black Joe

جو العجوز الأسود – Old Black Joe

13090493_236252723397815_504307347_n

محمد التجاني الطاهر  

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 **

“الناس قد يتواجدون في كل مكان، لكنهم لا يصادفون بعضهم إلا في المكان المناسب”، خطرت بذهني هذه المقولة -التي لا اذكر قائلها- بينما أنا جالس في صالة انتظار عيادة أسنان، يبدوا أنها صحيحة، فما أكثر مكان مناسبٍ لتصادف فيه طبيب أسنان؟ عيادة أسنان؟، نعم إنها صحيحة لكنها بلا معنى، صحيحة بلا معنى.

وكما عادتي السيئة في أوقات الانتظار، وجدت نفسي أتطفل على كل شيء، أراقب كل حركة و كل سكون، بدءاً بالحوائط، والمقاعد، فالسقف ،ثم علكة ابيضت في فم موظفة الاستقبال، فالسقف مجدداً و حتى الساعة التي تتوقف عقاربها كل دقيقة لتستريح ثانيتين ومن ثم تعاود دفع ساقية الزمان مجدداً، والمنتظرون يهمهمون أن ارتووا، لقد ارتووا زماناً، لكن من يبالي؟.

“اعتقد أن اسمه (جو)” قلت محدثاً نفسي، فلم توحي إلي هيئة رجل كبير في السن لمحته جالساً بين الجلوس إلا بتلك الكلمة، إنه يشبه إلى حد ما أغنية رعاة بقر قديمة، أغنية تعيسة ومرحة في ذات الآن، حياة راعي بقر في الغرب الأمريكي لابد أن تكون معاً تعيسة ومرحة، ماذا كان اسم الأغنية؟، نعم اسمها “جو العجوز الأسود”. أخذت أتفحص”جو” في كل تفاصيله مدندناً كلماتها:

“ذهبت الأيام حين قلبي كان شاباً و مرحاً..

ذهب أصدقاء حقول القطن بعيداً ..

ذهبوا من الأرض لأرضٍ أفضـ..”

قاطعت نظراته القلقة أغنيتي، لا، إن “جو” يحاول استراق النظرات، يبدوا أن بيننا أشياء مشتركة .. وكلما التقت أعيننا، تصنع النظر إلى كل شيء إلا أنا..

لست متأكداً، ربما لم يتعمد النظر إلي..

على كل حال، هذا لا يهم، ماذا كنت أقول؟:

“ذهب أصدقاء حقول القطن بعيداً

ذهبوا من الأرض لأرضٍ أفضل أعرفها”

بدأ يتململ في مقعده، يمسح على شعره الأشيب، يحني رأسه تارة ويرفعها أخرى ومن ثم يدندن أغان خلقها لتوهِ. كنت لأفعل أي شيء مقابل سماع ماذا يغني،بين الحين والآخر أراه يتلفت ليقرأ وجوه من حوله، هل هم من النوع الذي ينصت؟

“أسمع تلك الأصوات الناعمة تنادي:”جو العجوز الأسود””أحسست به يود الحديث، اعرف هذا النوع من الناس، ذلك الذي يشعر بوحدة قاتلة رغم أن الكثيرين حوله، قد يسمعون أحياناً ما يقول، يستمعون بآذانهم، لكنهم أبداً لا ينصتون.

التقت أعيننا في لحظة ما، ظللنا محدقين لبعضنا، وكأنما كنا نلعب تلك اللعبة الصبيانية، من ترف عينه يخسر، لم أرد إشاحة نظري ولم أرد الاستمرار في التحديق، في مثل هذه الحال، كل الخيارات سيئة، إننا راعيا بقرٍ متوتران، البلدة الموحشة ميدان معركتنا، حركة واحدة خاطئة وينتهي كل شيء، نادت موظفة الاستقبال باسم إحداهن، فقامت عجوز كانت بجانبي وحالت في مشيتها البطيئة بيني وبين “جو”، لقد أعطت لكل منا فرصة ليشيح بنظره بعيداً.

“إني آتٍ ، إني آتٍ و رأسي ينحني منخفضا”

قام من مجلسه متجهاً نحوي، أو ربما نحو مكاني، فعلى كل حال لست إلا شخصاً ما لا يهم، وبعد لحظة صار جالساً في مقعد المرأة التي قامت لتوها . الآن هو الوقت المناسب ليكون ما يريد. سيتحدث بلا مقدمات وفي أية لحظة، قلت سابقاً أنني اعرف مثل هذا النوع،لن يسألني عن اسمي، أو إن كنت ادرس أم اعمل أو لا، هل أنا متزوج؟،وهل زوجتي متطلبة آم لا، هل أنجبت لي طفلاً جميلاً؟، انه لن يفعل، و ربما ينتظر مني مقابلته بالمثل. لا يهمه من أنا بقدر ما يهمه أننا هنا معاً و الآن، كل ما علي فعله الآن هو أن اهدأ و ابدوا منصتاً.

“اسمع تلك الأصوات الناعمة تنادي:”جو العجوز الأسود”

إني آتٍ ، أني آتٍ و رأسي ينحني منخفضا”

أتوقع انه سيذكر الكثير ، سيذكر أشياء كثيرة مهمة، وقد أكون محظوظاً، ويتكلم بعظيمٍ فعله ولم يدر به احد، أنا فقط من سيعرف، حصل شيء ما أشبه بملحمة بطولية، وكان فيه جو الفارس المغوار، انه هو الرجل الطيب الشجاع الحليم الشريف الوفي الكريم له الأسماء الحسنى، بينما كل العالم غارق في قذارته آنذاك.

بالطبع سيذكر عظائم أفعاله و ليس رياءً، لا، ليست الأمور دائماً بهذه البساطة، كل شيء سببه قلق يخفق في الصدر، هذه الهيئة الضعيفة، كيف لها أن تحمل وجودي؟، جو ليس مخبولاً لكن فقط هكذا تسير الأمور. اعني، ليس هناك دليل كافٍ لوجوده هو قبل قليل جالساً صامتاً في مقعد والآن هو في آخر .. أحيانا، تكون الذاكرة هي الدليل الأخير على الوجود؛ لهذا، فلا سبيل إلا العراك مع العدم بالتصرف كالآلهة الخالدة، بالتململ في عرشها، التسلي بخلق الدندنة و أخيرا بالتحدث بمجد الخلق أمام العبيد.

“لما ابكي حين يجدر بقلبي ألا يحس بألم؟”

من يدري .. ربما كل ما جرى ويجري مزاح ثقيل .. علينا أن نطمئن أنفسنا حيناً بعد آخر بالتحدث .. علينا أن نتحدث ..أنا أتحدث .. إذا أنا موجود! ..

سيملي أسماء كل مشاهير اليوم الذين تربطهم معه علاقة طيبة .. في الواقع، كانوا جميعاً عاديين ولكن ولوهلة اختلفت الأمور بينما استمرت كما العادة بالنسبة له، أليس هذا دليلاً واضحاً على مزاح احدٍ ما بقسوة؟!،

لكنه لا يبالي بالشهرة والمال،كل ما في الأمر أن قلبه حزين؛ فالشعور بالوحدة هو أسوأ ما قد يشعر به رجل عجوز.

“لماذا أتحسر وأصدقائي لن يأتون مجدداً؟”

سيتكلم “جو” في أية لحظة،أنا موقنٌ من هذا،لديه في داخل فمه لسان شهد سنيناً طويلة،الم يمكنه من تذوق سكاكر مذهلة حين كان جو صغيراً؟، حينها جعل عيناه تتسعان دهشة. كبر جو قليلاً وجعل عيناه تغمضان حباً. حصل ذلك بعد أن تلوّى نفس هذا اللسان بكلماتٍ ثملة نعسة، واصل جو التقدم في السن، وفي يوم عادي، كأي يوم عادي تكون فيه الأمور على طبيعتها، نفس طعم قهوة الصباح ونفس الجبن و الخبز، نفس دخان التبغ الرديء، فجأة، أصاب اللسان خدر شديد، شيء ما فظيع يجري بالخارج، “جو” يشعر بكثير من الحزن دفعة واحدة، ومرارة أكثر ألمت بلسانه، يبدوا أن أحداً ما عزيز رحل، عزيزٌ ما رحل، انقضى الحزن تدريجياً بعد فترة ليست بقصيرة، كما زال الخدر شيئاً فشيئاً، و من ثم وجد نفسه يغرق في كثير من الكحول، يبدوا أن للنحيب بقية، كان يغرق مراراً لكن بلا موت، يااه، هل تذكر السكاكر؟  تلك المرارة أنسته كيف كانت السكاكر، أنسته طعم المحبة ، لا! لا تذكر المحبة!، كل من ذاقها يوماً تحتمت عليه المرارة ذات يوم، هكذا تعلمت كل الألسنة. قد يغرق بعدها البعض في اللامعنى أو اللاطعم ، وقد ينجو البعض، ومن ينجو من الغرق يصير واهناً، قد يتذوق السكاكر وأحمر الشفاه، لكنها باهتة، بلا دهشة ،بلا حب.

“نحزن الآن على أشياء غادرت منذ أمد بعيد”

هناك فترة فارقة في الحياة، قد نكون محظوظين في البداية لأننا أحياء، قد نجد وقد نفقد، قد نشقى وقد نسعد، لكن هناك شيء ما نتفق عليه جميعاً، في فترة ما نبدأ بالانحسار، أن زهرة الحياة تبدأ بالذبول، ولا شيء حقاً ليكبح إرادة الفناء داخلها، ولا شيء أيضا ليهدئ ذلك الخفقان القلق في النفوس، لا شيء سيوقف الصراخ والنحيب في داخلنا.

على كل حال، سيحاول مواساة نفسه لا محالة،مواساتها و شَغلها بعيداً عن تذكر النهاية، شغلها بكافة الطرق..

“اسمع أصواتهم الناعمة تنادي:”جو العجوز الأسود””

لازلت أحس به يتململ، يداه لا تمكثان على حال طويلاً،”ذهب أصدقاء حقول القطن بعيدا”ً هناك أشياء ما لم يطلعني عليها بعد “ذهبوا من الأرض لأرضٍ أفضل أعرفها”، اشعر بأمجاد الماضي تأخذ منحى الهيستيريا “لما ابكي حين يجدر بقلبي ألا يحس بألم؟” زادت حدة الأشياء، الرغبة في الخلق استحالت نزعة ماجنة للتدمير “إني آتٍ ، إني آتٍ و رأسي ينحني منخفضا” ، هل حانت النهاية حقاً؟ هل الآتي جديد تماماً؟..

تسمر جو في مكانه وصمتت الأغنية في رأسي، نفث هواءً ثقيلاً قديماً، وكأنما كان يحمله منذ ولد.

عم السكون لبرهة ثم قال :”دنيا رايحة”،هذا كل شيء؟ هل هذا كل ما ضاق به صدرك منذ البداية؟ كلمتان فقط:”دنيا رايحة”؟!

أين تلك التعاسة المفرطة؟، أين المرارة التي شل بسبها لسانك؟، الآن يبدو عليه الارتياح بعد أن بصقهما عليّ.

قال جو:” هل تدرس؟”، قلت في نفسي ليس المفترض بك أن تفعل هذا، أجبت بالإيجاب ، وكان سؤاله مستهلاً لحديث لطيف، اعتقد أن جو ليس تعيساً للغاية، اعني لابد أن يكون كذلك، لكنه ليس للغاية، كما أن اسمه “حسن”، لكن هذا لا يعنيني، كان يتحدث وحده، يسألني كثيراً أحيانا وأجيب باقتضاب، ويعم الصمت أحياناً أخرى، لم أشأ طرح الأسئلة، أخاف حقاً أن يفسد كل شيء، لا اعلم ربما يكون جو على شاكلة احد معارفي، كنت ذات مرة اجري معه حديثاً لطيفاً، قاطعني قائلاً :”أنت تتوهم كل شيء”، انه أحمق كبير، لكن جو هذا مختلف، على كل حال، سأكتفي بالإنصات، هذا كل ما يرغب به رجل عجوز.

جو الآن هادئ وخافت الكلمات، إنها منسابة غضة متباعدة كشجيرات خلاة في طريق ترحالٍ إلى الديار، لم تزل الديار بعيدةً، من يدري، قد يكون قريباً للغاية، ربما هو ليس بكل هذا الجنون، ألا يمكن أن يكون مظلماً ظلمة الاستلقاء في سلام؟.

 انبثقت بسمة مشرقة تلو أخرى عن ذكرى ما، ذكرى ما لم يتحدث بها، إنها تخصه وحده، قد تكون النعيم آو اللاشيء. أيا يكن، فالحبور يتملكه لأن لا جحيم.

عن محمد التجاني الطاهر

mm
قاص من السودان يحب كل ما يلمع، يجمع حٓب الحُب والفن وقطع الادب، يحملها الى عشه القصي، انها الان عقدٌ بهي من الحياة.. انها الحياة..

أضف تعليقاً