حرية ..

0514_a9fff50895345

ثامر البشير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

إن خيرت في اختيار قيمة إنسانية واحدة فقط من بين عدة قيم ، فإنني أظن سوف أختار الحرية ..تكاد تكون القيمة الأكثر مركزية ومحورية ، لتتبعها القيم الأخرى ولتقوم عليها ؛ الصدق الأمانة الشهامة كلها من دون حرية لا يمكن أن توجد وإن قامت يعتريها التشويه والتكلف ..

جاء الطرح الإلهي للتعريف بنفسه والدعوة لعبادته مقروناً بالأدلة والبراهين على ذلك ، ثم وفوق هذا إنه يقول ؛ حتى عبادتك إياي هي خيارك أنت ، لست مرغماً عليه ؛ “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” الكهف (٢٩)…

كذلك فإن قصة محمد صلى الله عليه وسلم في مكة مع قريش جزء كبير من تحدياتها يدور ليس على الإسلام وأنه الدين الحق وفقط ، بل على أحقيته صلى الله عليه وسلم في الدعوة إليه “خلوا بيني وبين الناس” ، بل ومنها جاءت أكبر الأحداث في السيرة النبوية ألا وهي الهجرة ، وقد قال وهو يغادر مكة “والله إنك لأحب البقاع إلي ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت” .كل هذا يدور حول الحرية بغض النظر عن أنه دين صحيح من غيره ، بل كيف سيعرف أنه حق من باطل إن لم تتوفر هذه الخاصية في المجتمع ، ولم يكن متاحاً أن يعرض ..

يتم التجاهل بشكل لاواعي كل المقت الإلهي لؤلئك الذين منعوه حقه في الدعوة وليس من لم يؤمن وحسب أو أنكر في ذاته فقط ، مع كامل إثبات الإبقاء للإنكار عليهم أيضاً لكن محاورتهم بالإقناع والأدلة والبراهين كانت هي المقابلة الطبيعية والحسنة ..

بالتالي إن كنا اليوم نعي تماماً مرادات الله في كونه وحكمته في منح الحرية للإنسان تماماً وأن هذا كان في حق الآخرة فعلينا أن نعطي الحرية الكاملة كما يريدها الله تعالى لؤلئك الذين يعارضوننا وأن نحتذي بالله الذي ندعي أننا نسلب الحرية من أجله ، الأمر الذي مقت فيه السابقين دوننا وأخبرنا بهذا وكان في حقه هو وكان في حق الآخرة فكيف بنا نمنع حق الدنيا حتى..

عمل التاريخ على معنى الحرية منذ خلق الإنسان وتراكمات هذه الخبرات والظروف حرفت معناها بشكل كبير ليستبدل بمعنى سطحي أقرب لمعنى الفوضى، وأصبحت من مطلب للحياة يثريها وينوعها إلى شيء يتحسس منه و يخشاه الناس ، وحيث أن الحرية هي إحدى احتياجات الإنسان الأساسية فتخليه عنها يعود عليه هو بالضر والنقص بشكل أو بآخر سواء وعى بذلك أم لم يعي . من أكثر ما شوهها في نظرنا وخوفنا منها هو اعتقادنا أنها مطلقة ، والطرق في هذا الاتجاه يخيف الطبيعة البشرية التي تميل إلى المحافظة على روح القطيع فيها ، فأسلافنا بتجمعهم سوياً جابهوا المخاطر وتغلبوا عليها ، لهذا فالفرقة أمر يهدد أمن واستقرار الجماعة ، والحرية المطلقة تفتح باباً لهذا الشتات ، لهذا يكون رد الفعل المبالغ فيه بتحجيم الحرية ككل دون النظر لعواقب ذلك ، لكن وعلى عكس ما نفهم فالحرية ليست شيئا مطلقا وإن كانت كذلك فهي تفقد معناها حالا ، فتصبح حرية من ماذا والى ماذا إذن ؟!

حتى لا نميل لرفض الحرية علينا فهم معناها وتحريره جيدا فالحرية لابد وأن تكون مقيدة ، حتى الله تعالى قال أنه ليس حرا بشكل مطلق مع إثبات المشيئة لنفسه إلا أنه قال في الحديث القدسي ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما …)) إلخ ..

لكن وبالمقابل كذلك علينا الانتباه لهذا التقييد الذي هو الاستثناء حتى لا يصبح وكأنه الأصل ، وحتى لا يتم الطرق عليه أكثر مما ينبغي ليشمل كل شيء ويسلب الإنسان ما يفيد نفسه ومجموع بني جنسه ، فعندما تسلب الحرية من فرد واحد يكون المجتمع قد تخلى عن أحد أدوات استقراره والتي سيعاني الجميع بفقدانها حتى أولائك المتسببين في سلبها ..

جزء كبير من تحقق الحرية هو وعي الإنسان بها وسعيه الدائم للاحتفاظ بوجودها ، وأول تلك المساعي هو اختيار بقاء العقل حراً ، والانتباه لكل ما من شأنه أن يخدع أو يوهم ، وهذا لا يتأتى إلا بتفعيل عمل العقل في نفسه ، التسليط الدائم لجزء من الوعي تجاه الوعي ذاته ، إنها عملية معقدة ولا يكاد يقوم بها إلا البشر من المخلوقات ..

في حياتنا الكثير من الأشياء التي تسرق العقل وتسلبه من حيث لا يعلم ، يظن أنه هو المتحكم بالأمور ويعي تماماً ما حوله إلا أن قوى كثيرة تضلله ، تنظيم العقل وترتيبه من الداخل عملية إجرائية مهمة للغاية للإنسان للحفاظ على سلامة العمليات العقلية التي تجري والتي بها يعي الإنسان ويفهم ومن ثم يحكم ويختار ما يحدد مصيره ..

عن ثامر البشير

mm
نائب إختصاصي في الطب النفسي مهتم بالانسان وعلومه .

أضف تعليقاً