ذاكرة الطين

Mud-or-clay-465x268

متوكل الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كل ما إبتدعه الإنسان من مُعِينات يُفتت بها صخر الحياة لتتفجر منه عيون البهجة والسعادة العارمة يملكه، جميع ما من شأنه دغدغة القلب إشعال المسرات به، العزف بإيقاعات مفرحة حد الرقص بالخفقان المضطرب المشحون حباً للحياة والبذل في سبيل الحفاظ عليها عنده وفي المتناول ، هكذا كان يظن؟

لكن ثمة وحشة غامضة (بقايا ما لا يَذْكُر) ما تلبث بين الحين والآخر تتسلل إليه _داخل روحه بشكل أكثر دقه_ توقظه من الحلم الذي يعيش…

تدلق ماء الصحو على وعيه ذاك المغيب بالصدمة،خاليه من الرمد تنفتح عيناه، تتمزق الغشاوة التي عليها ف تُطِل بيضاء مضيئة تكشف الحقيقة عارية، أمامه مجرداً يتبدى الواقع.

واقعه حالك الظلمة..؟

هو يشبهنا ليس لشيء غير أن الجميع متشابهين، وكحالنا تماماً يحيا موزعاً مع الوقت بين أكثر من عالم.

كيفية تعاطينا مع هذا الوجود هي ما يحدد عدد عوالمنا التي نملك لنعيش فيها.

البداهة أن اقل فرد قدرة على خلق العوالم_حتى من ليس يملك أي خيال_ له منها إثنان لا ثالث لهما.

بالنسبة له هو يختلف قليلاً عنا، لأن للجميع طرق (وعرة كانت أو معبدة) تربط بين عوالمه تلك المتعددة، إلا هو فعالميه منفصلين (بدرجة نقدر معها أن نقول إنفصال تام)، لولا فقط جسر موسمي ينبني بين عالميه، لحظة إعتلاء الماء صهوة التراب تُفتح بوابة تُدِخله (إجبارياً) إلي الواقع..

واقعه اللزج ..!

الألم المتربص به والذي يخرج من بين ثنايا الجسر الموسمي ليس له نهاية، الحزن المختزن في الطين لا يستطيع منه فكاك .إلا لو حالفه الحظ بأن تجلد الحرارة ظهر الطين، تفك إشتباك شفتي الماء والتراب بالتبخر .

إن لم يَنفك الإشتباك فلا مجال أمامه سوى الهروب..!

يجري بنفور حصان غير مروض مبتعداً بالقدر الذي يبعد خياشيم وعيه فلا تصل إليها الرائحة الطينية..!

الوعي يطلق صراح الذكرى الموجعة ، يدخله أتونها الزلق، يضعه وجهاً لوجه في مجابهة الحياة، مستسلم تماماً يكون مثل سجين سلبت سنوات الأسر الطويلة كل فرصه في أن يعيش تجربة حياتيه حقيقة يؤسس من خلالها معرفه تمكنه من الحياة خارج القضبان.

يقال والحق لا أحد يعرف القائل:

“ما تعيش من أحلام أو خيالات وأنت بكامل قواك العقلية هو عينه الذي تعيشه داخلياً منفصلاً وتائهاً عن الوقع إن أُصِبْتَ بالجنون”

لو سلمنا بصحة ما ورد على لسان القائل المجهول والذي ربما يكون أحد الناجين من براثن فقدان العقل، نجدنا مضطرين لتعقب بعضاً من خيالاتٍ و أحلام كان يعيشها قبل أن تمسسه نوائب الدهر.

شاعراً مرهفاً بديعاً تنسكب على الجموع أشعاره الرصينة، كمن لا يتدفق نطقه عن الهوى (كان) شعره، رسام فذ بريشة ترقص بين أصابعه بنعومة ويسر يُنجب لوحاته.

قبل خمسة أعوام تصاعد غاز الهجرة إلى عقله، تكاثف فالوقت كان زمن الهروب الكبير، مع ازدهار حديث السفر وسيطرته علي جلسات الشباب، تلك الساعات التي كانت تنفق بسخاء في اجترار ذكريات أيام المراهقة الصاخبة، نظر إلى موهبته للمرة الأولى على أنها قد تمثل سلماً يصعده للخروج من هذه البئر (وطنه).

بدأ عالماً متكاملاً وباهياً يتخلق داخله مع كل خطوة يخطوها.

شقة واسعة في مدينة لشبونه بشارع “لوس دورادوس”* كان يعيش بها كلما تفكر بالموضع الذي يليق بموهبته ويُقَدَرُ فيه.

ثلاث سنوات سخرها لتعلم اللغة البرتغالية،بعدها أي قبل عامين أعتمد جواز سفره من قِبل سفارة البرتغال في بلده ومُنح تأشيرة سفر إلي هناك حيث يُقدر حق قدره، مسروراً راقص القلب، صافح كل من في طريق الخروج من حرم السفارة، محتضناً جوازه بين يديه توجه إلى “حي السلمة” استقل سيارة أجرة لأول مرة في حياته لأنها كانت تمثل مظهر برجوازي على الأقل بالنسبة له، قبل أن يوقفها حدث قلبه : رغبة في حمل البشارة بأسرع ما يمكن لا بأس في كسر بعض القواعد لمرة فقط.

ازدحام الطريق وفاء لأسلاف قدماء بالغي السوء من عدم التنظيم جعله يتشاغل عن مشواره، غرق أكثر في الأحلام، فأثمر خياله، النقاد يولون نصوصه الجديدة إهتماماً لم يقابل بمثله من قبل، ابتسامة إرتسمت على  شفتاه عندما خُيل له انه يجلس إلى طاولة بيسوا نفسها في المقهي القديم يتناول من المجلات الأدبية أخبار ومقالات كتبت عنه بعنوان (قراءات في إبداعات سردية لكاتب مهاجر ).

مرآة سيارة الأجرة عكست جانباً باهتاً من إبتسامته تلك فأظهرت وجهاً تكسوه مسحة من بلاهة.

نواح محركات السيارات مصحوباً بصفير الأبواق ولد لديه شعور بالإختناق، ثمة ما هو غامض بدأ يتآكله، قاومه وبموجة من خيالات جميلة كسره. شفافة ولامعة كصفحة ماء كانت نكهة مساءات لشبونة أشعرته بخدر لذيذ، انفرجت شفتاه، ارتجفت بتشنج جراء المتعة التي تلقى دفقه منها عبر أحلام يقظته، خياله الخصب هذا بدأ يُشكِل عالماً مكتمل التفاصيل داخل روحه.

الساعة مجهدة هد عقاربها الضجيج ، إحتكاك إطارات العربات بالإسفلت أرق السابلة، لتنطلق موجة من الزعيق والشتائم المتبادلة بين رواد الطريق، توترت نبضات قلبه رغم ذلك ما تزال على حالها راكضه خلف الوقت وتنبه به، تشير ساعة تبلون التاكسي إلى السابعة وخمسة وعشرون دقيقة مساء.

إنسدال جفن اليوم جعله منزعجاً أكثر من ذي قبل طلب من السائق التوقف عند ناصية الشارع قرر الوصول إلي بيت مخطوبته عدواً ، لسبب مجهول تملكه ضيق وعدم احتمال للإنتظار، نسي أن يدفع الأجرة، السائق الحانق علي كل شيء لفت انتباهه بشتيمة بذيئة، عند وصوله كان ما لم يكن يتوقعه، المساحة الكبيرة أمام المنزل متوشحة بأنوار الزينة والشرائط زاهية الألوان،شميم ريح خفيف تأرجح سُحب مضمخة ببشارات الخريف امتزج بالزغاريد، أغنيات البنات متعانقة والسماء تحجب ما عداها من أصوات.

” مؤكد انه خير” هذا أول ما تبادر إلى ذهنه ، تقديم حسن النية كانت عادة ورثها عن أمه.

قال في نفسه: ربما تكون مناسبة للجيران.

قرر الدخول وهو يشجع نفسه بترديد أغنية محبوبته المفضلة المحببة إلى قلبها:

” ومشيت معاك كل الخطاوي الممكنة وبقدر عليها وب…”

صوت غاضب قطع إيقاعاته الداخلية يحذره من الدخول للمنزل، التفت إلى مصدر الصوت كان والد مخطوبته، ربت على كتفه وخاطبه بحزم، لكن حزمه هذه المرة كان مطرزاً بالرجاء تجنباً للفضائح :

“يا ولدي أحسن تمشي من هنا، ما ح يسرك البحصل جوة، وكفاية جداً عشرة سنوات أنت واقف حال البنت لا قادر تكمل ولا عارف تسيبها في حالها”..؟

بملامح تمثال قديم كان يسمع رجاء الوالد. دون رد فعل طأطأ رأسه لحظه، كمن يبحث عن ثمرة عرديب في الليل ثبت عينيه بالأرض، بطريقه ما حاول إقناع نفسه بأن ما يسمعه مجرد تسرب صوت من كابوس مريض يعاني الحمى إلى واقع يعيشه، أعيدت الجملة على مسامعه لم ينبث سوى

ضحكة مجل….جل…ة انطلقت من حنجرته، زغرد .. رقص رقصة رقبة الحمام هدل كما حمامة سعيدة، تشنج عضلات جسمه بلا إستثناء صورة كمن يؤدي شعائر جنائزية صارمة.

مزق جواز السفر، أشعل فيه النار ،على ضوء اللهب الخافت برزت عيون الجميع المتابعة لشعائره حذرة، بعدها فرك أصابعه بالرماد ومسح به جميع أرجاء جسده.

أطلق ساقيه للريح.

قبل أعوام عدة حدث ذلك، بمرور الوقت نسي ما لا يُنسى، تجاوز حزنه بأن واصل الحياة في الحلم الذي بناه خياله منذ سنين، قطع كل صله مع ما أطلق عليه الناس خيانة عظمى.

إنقطع عن كل ما من شأنه أن يدخل ألماً إلى قلبه، بصورة تليق به وتجعله فخوراً أمام ذاته المبدعة عاش.

الحسرة على شبابه الضائع هي ما تجعل النسوة تضربن يداً بيد كلما نظرن إليه، ولأنه أغلق كل منفذ يدخل إلى دنياه الألم، والحزن والأمنيات فما يزال يواصل إبداعه، يُخرج كل يوم عشرات اللوحات الباهية.

داخل شقته المطلة على شارع “لوس دورادوس” ينظم أشعاره الرصينة، يُطرب بها مساءات المدينة.

كل يوم ينطفئ يزداد فيه الواقع قتامه ،يصبح خانقاً أكثر ، أما هو فما يزال يُطَعِمُ صباحاته يجعلها باهية ندية بالتحديق في بيسوا في تمام السابعة صباحاً بينما بيسوا يجلس على مقعده المفضل.

الواقع فائح الجنبات بالعفونة كان يكسرها بمعطر هواء يعبق شقته الواسعة برائحة القرنفل، بطريقته أوجد العرش الذي يبث منه فنونه، أقامه مجاوراً للمقهى حيث يجلس كاتبه المفضل.

ساعة كاملة من كل صباح يقضيها يتأمل ملامح بيسوا حتى ينهض متوجها إلى حيث لا يعلم _لكن بيسوا حتماً يعلم، أو ربما لا، لأنه مؤخراً كان يسير بلا وجهة_ حين إنعطف كاتبه أراد الذهاب عن النافذة إلا أن تلوي وردة بالرقص خلف الزجاج علي إيقاع ريح خفيف منعته، شدته ألوانها المتناسقة، بعض من المؤمنين قد يذهبون إلى أن القدر هو ما دفعه إلى إزالة قطعة القماش الكبيرة تلك المتسخة التي كانت تغطي أنفه _يغطي انفه كلما عبر بجانب طين حديث ولادة_ بينما يتنفس بصعوبة عبر الفم. هو يراها نافذة زجاجية بشقته أراد تأمل الوردة الراقصة ففتحها.

هذا التوقيت بالذات كان ميلاد المطر (لو انه تأخر قليلاً؟ لكنه الحظ..!)

الماء المنسكب قَبل سطح تراب مزهرية خياله ، في البدء فاحت رائحة ماتعة ، تحفزت أنوف السابلة تلطقت الرائحه ويهمهمون (دُعاش) همهماتهم بدأت تطرق آذانه من عالم بعيد حيث ترك خيباته وراءه.

شُيد الجسر الموسمي بين عالمِيه وانفتحت بوابة للعبور، حان وقت أن تُرد إليه ذاكرته تلك الموحشة التي تركها برغبة كاملة في يوم مماثل الطقس، تساقطت حبات أمطاره على تراب حمصه الهجير، ألقى بها طواعية في الأرض بعد أن رقص وزغرد ، غرقت في الطين ،اختزنها سنيناً بين طياته، وباتفاق لم يبرم كان الطين يردها إليه مرة كل دورة تتعاقب فيها الفصول …

منجاته من أن يُرد إليه ألمه والوحشة في نقض عهد غير ملزم بالركض هرباً من مجال الرائحة، لذا حمل المزهرية هَم يضرب بها الأرض ، لكنه ومع كل دفقه ماء كان يرى ما يحصل حقيقة، مع ذلك لم يستطع منع نفسه من تحطيم رأس احد المشردين..؟

جموع الناس تحلقت حوله، شعوره مضطرب وعاطفته تتأجج تبعاً لتواتر انهمار المطار، كان ينظر إليهم بعيون تشع بالفزع، تارة يجدهم متطفلين مزعجين يحاولون تعكير الصفو في شقته، وتارة أخرى يجدهم مشفقين عليه وهو يطفو في بحر من النفايات، تدمع عيناه حسرة على لوحاته المتوزعة

لوحاته الموزعة على جدران الأزقة حوله.

الباحثين عن قصص إثارة تعينهم على الانزلاق من تحقيقات زوجاتهم عن خيانات قاموا بها بالسوق هاتفوا الشرطة، هبت مسرعة سياراتهم، نشرت رعباً أكثر من الحادثة نفسها.

مع ارتفاع الصياح ترك رأس الفتى بعد أن سحقه جزئياً ، بيدين مخضبتان بالدماء وقلق جرى معربداً يجوب الأزقة المزدحمة.

مزابل السوق الكثيرة الموزعة بعدل أمام جميع المحال، نفثت أبخرة خانقة، فانتشرت عفونة طغت على رائحة الطين، إنقفلت البوابة ، تحطم الجسر الموسمي.

هدوء وخدر غامض تسرب أوصاله وهو يختبأ داخل دكان مهجور عند طرف السوق، عاد إلى شقته في شارع لوس دورادوس يتأمل بيسوا كل صباح بعد أن يكون قد سهر الليل كاملاً يقرأ ما كُتِب في الإصدارات الثقافية عن لوحات لتشكيلي مهاجر.

جموع رواد السوق فهموا طبعه، أصبحوا يقدمون الطعام له ،قليلون فقط من يعطونه طعاماً لم تعبث فيه أصابعهم، البعض سماه ‘مجنون المطر..؟’

من يسمع قصته لأول مرة يجده ضحية الحب، بعض العابرين بالمدينة يضرب كفاً بكف و يردد :

“سبحان الله من الحب ما قتل”.

أغلب الشباب ينسج قصصاً أسطورية وإشاعات في الحب كانا معاً فيها بطلان.

مجنون المطر كما سماه الناس، أو الكاتب المهاجر كما تسميه المجلات الأدبية في لشبونة فكان يرى يشعر انه بخير. وطالما الماء لا يقبل شفاه التراب فهو يواصل حياته بالسهر مطالعاً ما تكتب الصحف عن نضوج وتطور تجربته، في اليوم التالي يصحو باكراً ليبدد ساعة متأملاً وداعة ملامح بيسوا ليجمل به الصباحات في لشبونة.

عند حلول المساء ينهمك في رسم لوحاته إستعداداً لتلبية دعوات قدمت له للمشاركة في أفخم المعارض العالمية.

بهمة لا تماثلها همة. يُستقبل في معارض العالم بالتصفيق لجمال وعمق لوحاته، تلك التي ومع أول التقاء للماء مع التراب يجدها معروضةً للجميع في الهواء الطلق على جدران الأرصفة القذرة، ف دوران الفصول في احد انحناءاته يحمل معه الرائحة الأولي، تقدح ثقاب الماء في التراب، تُفتح بوابة للعبور بين عالميه بتكون الطين وبرائحته يبصق الألم بين ضلوعه، يُعيد إليه

ذا

ك

ر

ته

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان

3 تعليقات

  1. De todas as opções analisadas Dieng me parece a melhor. Precisamos de um Center e o rapaz parece ter bom desempenho. Está pronto para contribuir de imediato. Achei o jogo dele mais parecido com o do Tyson Chandler. Ótimo para nós. Dos jogos que acompanhei vi o Pumlee como outra boa opção para nosso garrafão.

  2. I have read some excellent stuff here. Certainly price bookmarking for revisiting. I surprise how a lot attempt you put to create the sort of magnificent informative website.

اترك تعليقاً