الرئيسية / العدد التاسع والثلاثون / قضية إجتماعية : التحرش

قضية إجتماعية : التحرش

فاتن

فاتن علي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

مُنذ زمن بعيد، قُدم تقرير إلى رئيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا آنذاك. وجاء في التقرير أن التحرش الجنسي يُعدّ أحد القضايا الاجتماعية المختصة بين مساواة الجنسين. وقد أورد أن المرأة تتعرض ـــ وبصورة شائعة ــ إلى مُضايقات. وتوالت من بعده التقارير التي توضح فداحة التحرش حتى أنه أصبح إحدى القضايا مثار الاهتمام، نظراً لتعدد أسبابه وتكاثر مآلاتة. وهذا الاهتمام لا يخلو من جدل.

حتى وقت قريب، لم يعرف السودانيين التحرش الجنسي. وأشير هنا إلى أنني لا أستند في حديثي هذا إلى أيّ دراسة. ولكنه في الأونة الأخيرة أنتفت منه صفة الظاهرة، إذ أصبح يتكرر وبصورة تكاد أن تكون يومية.

يري الباحثون الاجتماعيون أن سلوك الأسرة المتبع في تنشئة أفرادها يلعب دور كبير في التحرش، واستدلوا في ذلك بأمثلة كثيرة، من بينها سلوك عميدّي الأسرة، الأب والأم، تجاه طفلهما. وتكون الإساءة أشنعها خاصة أن تكررت، فتُشكل له هاجس يتراكم خلال السنين. كما أن مطالبة الطفل بدرجات علمية، ربما تكون فوق مدي استيعابه ، تُعد سببي رئيسي تدفعه للتحرش حينما يكبر.

إضافة لذلك، يتولد في الطفل فضول، يدفعه ليتحسس عورات الآخرين حال تعنيفه وقت ملامسته لــ(مناطقه الجنسية)، فيصل عبرها لممارسة تلك العادة بتلذذ. وينصح علماء النفس الأبوين بأن يوضحوا للطفل، وبمنتهي اللطف، أن هناك ــ مناطق ــ يجب عليها عدم ملامستها، ولا يدعٍ آخر يلمسها له. ويمضوا إلى تعليمه خصوصية أجزاء الجسد أمر ضروري. وهذه اعتبروها المعضلة الأساسية في تنشئه الطفل.

ويتضاعف الخوف بخصوص تعلم خصوصية الجسد داخل الأسر الممتدة، التي كانت مثالاً يحتذي في التربية السوية، حيث يحمي الكبير الطفل، ويوجهه. ولكنها أصبحت الآن أقل حماية. وهي ليس بمعزل عن التغييرات الاجتماعية الكبيرة في المجتمع السوداني.

* لا أحد يحرك ساكناً :

يتذرع المتحرشون بالفتيات بذرائع يسميها السواد الأعظم بالواهية، وينفون صحتها. ومرجعهم في ذلك أن: الملابس الضيقة والقصيرة، إظهار الفتاة لمفاتنها، وطريقة تمايلها في المشي. لا تبيح لأحد ليتحرش، وهي ذات ذرائع المتحرشين.

البعض يصف تبريرات المتحرشين بالسذاجة، ويمضون إلى إثارة الفتاة شهوة المتحرش، حديث يخلو من منطق. ويبينون أن هذا المتحرش نفسه لا يتواني عن الاعتداء جنسياً على الأطفال. وربما يكون الحق بجانبهم إذ نظرنا إلى أن كبار السن والمنقبات لم يسلمن من التحرش.

فيما يرجع البعض الآخر التحرش الجنسي إلى غياب الوازع الديني، انحلال القيم الأخلاقية، وخلو المناهج الدراسية من الثقافية الجنسية. وبجانب ذلك يعتبرون أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي ساهم لحد كبير في تفشيه، مستندين لاستغلال، من يطلقون عليهم ضعاف النفس، لحاجة الفتيات المتحرش بهن إلى العمل، وتهديدين بالفصّل أو تشويه السمعة، ويضفون إليها الاتهامات الباطلة. وتلك الدعاوي تُضّر بأسرة المتحرش بها، مما يعرضها لضغط معنوي ومادي، فتفضل الصمت.

* وللانترنت والايدولوجيا نصيب :

الانفتاح الذي حدث للمجتمع بسبب الطفرة التكنولوجية وفر طرق إغواء جديدة من شاكلة: الفيديوهات الإباحية، ومن ثم محاولة تطبيقها. وضاعف من ذلك تطبيقات التواصل الاجتماعي، حيث يتبادل البعض هذه الفيديوهات ويعلقون عليها بصفاقة، مما يدخل داخل مشاهديها شعور بالكبت يدفعه للتحرش.

وساهمت الثقافات الدخيلة  في محاربة الدين واعتبروه أفيون الشعوب إضافةً إلى استهانتهم بقيم المجتمع الدينية والروحية والأخلاقية، وترجيح كفة القيم المادية عليها. كما أن إفشاءه حُرية التصرف المطلق جعل الأسر تقف متفرجة أمام هذا التيار العاصف. ورغم ذلك نجدها لا تدخر جهداً. وينصح المختصين الأسر بتكثيف الوعي أثناء فترة الإجازة المدرسية. ويدعونها لتلعب دور بارز في ذلك.

* اليسر مدعاة :

ثمة جانب لم يغفله المهتمين بمضار التحرش، وهو المتحرش من فئة الميسورين، ويعنون به الشخص الذي وفُرت له كل متع الحياة، وأحيانا ببذخ. ويقولون أن نشأته على استجابة مطالبة تجعل منه شخصاً مستبداً، فلا يتواني مع لعب دور سيء، وقد يستغل وضعه في إقصاء دونه. ويميل إلى الابتزاز في أقذر صوره، حينما يتحرش بفتاة أو طفل.

* ما وراء التعريفات :

يعود كثرة تعريفات التحرش إلى شناعته، وإن كان الاتفاق على أنه ظاهرة اجتماعية سيئة، وسلوك غير لائق تترجمه التصرفات والأفعال والألفاظ السيئة لمضايقة أحد. وبالنظر إلى المعجم العربي نجده مشتق من الفعل الثلاثي حرش، ويعني: إغراؤك لشخص ما ليقع بقرنه. والحرش يعني: أن تهيج الضب في جحره. فيما يعني الاحتراش : الجمع والكسب والخداع. بينما نقول حرش البعير بالعصا، أيّ:حك في غاربه ليمشي.

ويكون التحرش أكثر بذاءة إذا وقع على الأطفال. ويري مراقبين اجتماعيين أن التحرش الواقع على الأطفال عادة ما ينتج من سلوك تربية المتحرش.

* وتتعدد الأساليب :

يستغل المتحرش تواجد المتحرش به، أو المتحرش بها في عدّه أماكن، أهمها: العمل، المراكب العامة، الطريق، انتظار الأطفال علي ردهات الطريق، التتبع بالسيارة. والقائمة تطول. وتعدد أشكاله، وكذلك التعابير المستخدمة. ويكون التحرش بالاتصالات الهاتفية؛ وشرح طريقة الممارسات الجنسية، أيسر الطرق. وثانيها: النظر المتفحص لتفاصيل الجسد والتحديق في جزئية من أنحاءه. بجانب ذلك، يعد التتبع وراء شخص ما وإصدار بعض النداءات كالتصفير، إحدى الوسائل الأكثر استخداماً في التحرش. ويوازيها التلاصق بالجسد، ضمن ما يدل على الإيحاء الجنسي، وكذلك الإغراء من أجل التحرش. إضافة إلى التعدي الجنسي، ويكون الأطفال أكثر عرضة لهذا النوع.

كل ذلك ينتج آثار صحية ونفسية في نفس المتحرش به والمتحرش بها. وتتفاوت تلك الأضرار من شخص لآخر، طبقاً للفئة العمرية.

* وتتزايد الأضرار :

وقالت مختصة بعلم النفس الإكلينيكي في إحدى المحاضرات بجامعة العلوم والتقانة: أن التحرش على الأطفال، دون العاشرة، يدفعهم للعزلة والخوف المستمر. خاصة إذ طالبهم المتحرش بكتمان الأمر أو تخويفه بأن أخُبر والديه سوف يتعرّض لعقوبة ما. وقطعت بأن المتحرش غالباً ما يستخدم هذا الأسلوب، أيّ التهديد. لأنه المتحرش كثيراً ما يكون أحد أفراد الأسرة، أو فرد من الجيران، وربما أحد الأساتذة بالمدرسة، وقد يكون سائق الترحيل. ومضت إلى الطفل المتحرش به ربما يستحسن هذا التصرف فيميل للشذوذ الجنسي. ويظهر ذلك جلياً في اختلاسه النظر في عزلته وإدمان المشاهدات الإباحية.

ورسمت المختصة صورة قاتمة للمتحرش، بذهابها إلى فقدانه العقل والمنطق والإنسانية حينما يتحرش، فيظل في حالة لا وعي، وتحثه خلايا جسده بارتكاب جريمة التحرش بقلب ميت.

واستدلت في ذلك، بقصص من الواقع، كقصة الطفلة مرام. ويجدر بنا هنا إلى تذكير القارئ بأنه حينما وقعت تلك الجريمة لم يكن هناك قانون للتحرش، مما يعني أن التحرش جديد على الواقع السوداني. فعملت الحكومة بعد ذلك على سن قانون يجرم التحرش. وتظل قصة مرام عالقة في أذهان كل سوداني، ليس لأن الشاعر: حاتم حسن الدابي قد وثقها شعراً، وغناها فنان الطمبور : جعفر السقيد. ولكن لأنها جريمة مروعة لم يشاهدها الشارع من قبل.

وشددت المختصة في محاضراتها عن الآثار بالنسبة للبالغين، لكل الجنسين: تتمثل، وغالباً عن الفتيات بالإصابة بالعقد النفسية، الاضطرابات، القلق الدائم، الشرود، العزلة، الهروب من التجمعات الأسرية، عدم الرغبـة في مواصلة العمل أو الدراسة نظراً لتجنب نظرات الازدراء من قبل البعض، الإحساس بالنقص جراء هذا الفعل وسيطرته علي فكرها، مما يجعلها داخل منطقة مُظلمة لا سبيل للنور منها، و في كثير من الأحيان يؤدي ذلك ــ علي أقل تقديـر ــ للتفكير في الانتحار والتخّلص من الحياة. إضافة إلى الإحساس المستمر بتأنيب الضمير الذي يؤثر سلباً علي المـرأة إذا كانت متزوجة ويُشعرها بالخيـانة.

وذكرت أن الآثار الناجمة عن التحرش بالنسبة للأولاد: ربما يدفعه بشق طريق جديد، كبداية لحياة جديدة يفقد فيها ما تبقي من إنسانيته، إذ يصبح مدمناً لهذا السلوك، وقد يمتهِنُها كتوظيف مادي، أو فتح بيوت للدعارة المنظمة، وربما ارتياد الأماكن المشبوهة.

وعادت المختصة بعلم النفس إلى الآثار اللحظية للتحرش الواقع على الطفل، وقال أن الطفل المتحرش به يُصاب بنـزيف دموي داخل مؤخـرته، الأمر الذي يفقـده القُـدرة علي الإنجـاب مستقبلاً. كما تفقد الطفلة التي تتعرض لانتهاك جنسي غشاء بُكارتها. فتُجابه الحياة وهي ساخطة عليها، نظراً لفض عذريتها بطريقة شنيعة.

بعض من الحلـول لظاهرة التَحرُش الجنسي :

بما أن التربية الغير سوية تُعتبر سبب رئيسي في تفشىِ هذه الظاهرة علينا إذاً الاهتمام بتربية الأبناء و تكريس الوقت الكافي لمتُابعتِهم ، الحِرص الشديد و المتابعة خصوصاً في فترات ألفراغ و الإجازة .. كما يجب علي الأباء محاورة أطفالهم من حين لآخرو تشجيعهم علي أفكار جديدة و نشاطات يستفيدون منها وتقديم النصائح و الإرشادات و حَـث ألطفل علي إنه إنسان ناجـح  و التفاؤل له بمستقبل جيد ..

علي الأبـاء أيضاً أن يشعروا أبناءهم بأن لهم حُرية الحديث و أن كلمتهم مسموعة و يمكن مناقشتها ،  و من الجيد جداً إذا  عاملناهم  كأصدقاء و مُساعدتهم في تطوير ذاتهم و زرع الثقة بأنفسهم  ، إعطائهم الإحساس دائماً  بأن لهم دور فعّال على مُستوى  الأسرة و المُجتمع و أنهم قادرون علي صُنع حياة كريمة لهم و  للآخرين

غرس الصفات الحميدة و النبيلة في نِفوسِهم :

منع الأطفال من مُشاهدة الأفلام المُثيرة و الشاذة ، لأن هذا يُشكل سلباً في تفكير الطفل و يعتبر بدايةً للتفكير في سلوك غير حميد ، التوعية المستمرة من قبل الأسرة في كافة النواحي و تشديد الحِرص علي التوعية الصحية الجسدية

قد يكون التركيـز غالباً بصورة  أكبـر  علي الذكور دون ألإناث .. فكلاً بطبيعتها ـ فتأثير ألذكور  و انعكاسات مجمل هذه التربية و العوامل المُحيطة به تجعلهُ أكثر عُرضةً  للحرص و التشديد نسبة لطبيعة ما لديه شهوة النظر و التحديق والتي تؤثر عليه بشكل كبير .. خِـلاف الجنس الآخر

و لا ينفي هذا بأن كل ما يترتب علي الذكور  يترتب كذلك علي الإنـاث بِنفس المفهوم و القدر من  الحِرص وإن كان بنسبة أكبر عِنـد الذكور

البيئة الأسرية السليمة ، و الجوّ النقي في رحابة التعامل :

اللُطف و الحنو في تفاصيل التعامل مع الأشياء الصغيرة بين أفراد العائلـة  أنجع وسيلة قد تضمن سلامة الأبناء من التعرض لأي فعل غير سوىّ …

حَصر المُتحرشين بقدر الإمكان و  محاولة عُلاجهم بالطرق المناسبة و المتوفـرة بِمختلف فئاتهم العمرية و اختلافاتهم الجنسية  فذالك يُساعد  من تقليص المُقبلين عليه و علي بعض السلوكيات  الضارة بالمجتمع و وضع خُطط و إفادات تثقيفية علي مُستوى واسع ..

تنفيذ العقوبات الصارمة للمتحرشين و تطبيق القانون عليهم. من أجل حياة سليمة

من أجل جيل جديد بِفكر قويم

من أجل مستقبل زاخـر

من أجل مُجتمع نقى من شوائب السلوكيات ألغير سوية

من أجل وطن مُتشبع بالحب و السلام الداخلي

من أجل أمـةً  حافظة لتعاليم الدين و راسخة بالأخلاق الحميدة

من أجل حق الحياة الطبيعية ..

عن فاتن علي

mm
كاتبة من السودان أحاول أن أُحيل الرماد من عيون المجتمع .

اترك تعليقاً