الرئيسية / العدد التاسع والثلاثون / مقاربات (2) : بين (نخلة على الجدول) و (عم عبدالرحيم)

مقاربات (2) : بين (نخلة على الجدول) و (عم عبدالرحيم)

حميد

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

حمِّيد ليس شاعراً بالمعنى الشائع للكلمة؛ فإن بعض أعماله هي ملاحم مكتملة الأجزاء، مثلاً: (الضو وجهجهة التساب، الجابرية، المصابيح، وعم عبد الرحيم) وهذه الأخيرة هي موضوع المقابلة مع قصة الطيب صالح القصيرة (نخلة على الجدول). مع أن مقابلة قصة مع قصيدة قد تبدو خارج المألوف لاختلاف الشكلين الفنيين؛ ولكن تلك ليست قصيدة فقط، وتلك القصة ليست قصة فقط.

• على مستوى الحكاية والانفعالات :
الطيب صالح روائي. حمَّيد قد يكون شيوعه بوصف (شاعر) سحب قليلاً من انتباه المتلقي لبراعته الحكائية لصالح شاعريته. ومن خلال النموذجين هنا فإن الانفعالات النفسية التي يصدرانها للمتلقي في غاية التوتر والعمق، تترك أثرها القوي في النفس فتروعها. هنا يحكي الطيب صالح في قصته: “وتمتم شيخ محجوب في صوت لا يكاد يسمع، شيء يشبه التوسل والابتهال: (يفتح الله) وزم شفتيه في عصبية …” إلى قوله: “ولولا تعلقه بزوجته لتزوج بنتاً بكراً يتهافت عليها خيرة شبان البلد”، مقطع آخر: “وأنزل محجوب غصة صعدت في حلقه، ثم مرر أصابع يده المعروقة بين شعيرات لحيته المتفرقة. ألا ما كان أبرك ذلك العام!” .. ويقول حميد:

السكة الحديد قدامك قطر ..

وسال الدم مطر ..

وطارت دمعتين ..

وانشايح وتر ..

يا طاحن الخبر

ما بين القضا ومرحاكة القدر ..

الشهدوا الدموم والدمع الهدر ..

إيدم في التراب والعين في القطر ..

عارفين الحصل، عارفين في حذر ..

الخبر اليقين، بوّح وانتشر .

إلى قوله:

جتق للتراب..

هذان مثالان لبراعة النصين في الحكي ونقل الانفعالات، رغم اختلاف الشكلين الفنيين. اختلفت خاتمتا النصين واتفقتا على السبب في تقارب للرؤى الإنسانية، فنهاية محجوب: الفرج الذي كان بيد غيره، ونهاية عم عبدالرحيم : صدمة قطر تشتت أجزاءه في صورة مأساوية، وأيضاً بيد غيره.

• اللغة والشعر:
هنا ينعكس الوضع قليلاً -بعد تجاوز عامية نص حميد ولغة نص الطيب الفصحى- فشاعرية حمّيد هي الشائعة وهي المسلم به، بينما شاعرية الطيب صالح عند المتلقي يتم تجاهلها -في الغالب- لصالح السرد بوصفه (روائي) ولكن بالطبع التفوق واضح لشاعرية حمّيد. وهذا لا يعني بحال تجاهل تجليات الطيب الشعرية، مثلاً يقول في قصته: “ولفّ ضبابُ الذكريات معالم الأشياء الممتدة أمام ناظري شيخ محجوب” ، “وعم القحط فأغرق الرخاء، وحبا الشيب فطفا على الشباب” هذا بعض ما ورد في القصة، وإذا توسعت في الأمثلة من بقية أعماله لتجلّى ما أعنيه. الرجلان مرهفي الحس، وفاكهة الصور الشعرية بين يديهما.

• التكوين النفسي :
بالطبع الكاتبين من أرض شمال السودان (حمّيد/نوري ، الطيب/كرمكول).
لكن التأثير على الإبداع قد يختلف. فالجو العام لقصة (نخلة على الجدول) والوصف الزماني والمكاني لعوالم الشخصيات يعطي صورة واضحة لتأثير البيئة والخلفية الثقافية للطيب صالح في هذه القصة، عبارات مثل: (النخلة، الأساسق، حمار حسين وسرجه، المركوب .. يفتح الله … إلخ) لها دلالة قوية على ارتباط وجدان الكاتب بتلك البيئة. ذات الحديث يقال عن حميد، فهذه العوامل صارخة في كل أعماله، أما في ملحمته هذه، نقرأ فيها عبارات مثل: “فتاح يا عليم رزاق يا كريم، السبحة، الحمار والغنم، الجريف، أمونة، التمر، عيشن كمّهو وديشن هان قدر” تعكس عمق وتجزر ذات العوامل في نفس حميد، وهنا يتفوق حميد -بطبيعة الشعر العامي- في استدعاء كثير من الألفاظ الضاربة في عمق العامية. فالرجلان يستقيان من ذات المشارب بالضبط، وأبديا إرهافاً وإنصاتاً عالي الحساسية لصوت الطبيعة فيهما، ورفد هذا الحس أدبهما بالكثير، وهكذا فإنهما يتشاركان كثيراً من الثيمات الإبداعية، ما جعلني أنتبه لتقارب عوالمهما. ولكن هذا فقط حول البيئة والتراث، ماذا عن الأيديولوجيات؟!

• الأيديولوجيا:
“عم عبدالرحيم يا حُر .. ماك حُر!
ياريت التمر، ياريت لو يشيل كل تلات اشر
ولا أيام زمان كانت ما تمر
كان ما جاك هوان، وما لاقاك ضر
كان لا ضيق يضيق، لا اتغرغر صبُر
لا شابيت غريق لا طوح فقر
كان ما كان .. كان أكسيكي در

حيكومات تجي، وحيكومات تغور
تحكم بالحجي، وبالدجل الكجور
ومرة العسكري: كسّار الجبور …”
إثبات الحرية الأولى بمبدأ الأصل، ونفيها كان بحسب واقع الحال: هذا نقد لوضع بغيض طرأ على حال الناس، هو النظام: سياسي، اقتصادي. إنها أيديولوجيا يسارية، مقاومة، صارخة، ليس فقط ضد حكومة ما في زمن ما،  فتوالي الحكومات، واستخدام عبارة (تغور) معها كلها بلا استثناء لهو موقف بعيد عن الرضى بإحداها، ويُخبر عن رؤية عميقة تتجاوز الانتماءات الضيقة، إنها أقرب لتوجهات الحزب الشيوعي لحظتها، ولكن على سبيل التضامن والمساندة، لا الاندراج والتماهي. وهناك مواقف فعلية لحميد تثبت ذلك، واحتكاكات كثيرة مع حكومة الإنقاذ وقبلها حكومة الصادق ونميري. كذلك بالمقابل فبعض أعماله محظورة باسم معايير النشر -حسب قرار لجنة المصنفات- هذا هو حمّيد اليساري وأيديولوجيته.

في (نخلة على الجدول) فإن حكاية التاجر وشيخ محجوب حول النخلة تعتبر نقداً صريحاً للرأسمالية. حيث صراع قوى المال والقيم التاريخية. الطيب صالح أيضاً يستخدم مقابلة الأزمان لفضح الحال المائل: فمحجوب يعود بذاكرته خمسة وعشرين عاماً إلى الوراء، ويتعجب من تقلبات الزمن، كان هانئاً راضياً رغد العيش، ثم طرأ طارئ دهور حاله -وحال البلد طبعاً- يقول الطيب صالح أنها شيخوخة شيخ محجوب، غير أنه يحشر التساؤل: “أتراها الخزانات التي أقاموها على النيل فحجزت الماء؟!” وهنا تجب القراءة في مستوى أعمق، مستوى رمزي للدقة؛ التغييرات -التي لم يفعلها الناس- هي السبب وراء البؤس والكدر. الآن اتضحت توجهات الطيب اليسارية أيضاً، إنما في حالته فهي لا تميل نحو أي تيار سياسي أو أيديولوجي معروف، إنما توجهات متذمرة ورافضة منقادة أكثر للحس الصوفي. في أعمال أخرى -موسم الهجرة إلى الشمال- يمكن تتبع هذا الخيط بوضوح أكثر. أما آراءه السياسية حول حكومة الإنقاذ وما سبقها فلا تعدو كونها تعبيراً مجرداً عن رأي محايد، ولا يمكن الجزم بانتمائه لأيدلوجيا معينة.

إن من أساسيات الإبداع الحرية، وهما تحللا من كل قيد، فبلغا من الإبداع مبلغا، وأي مبلغ!
ولقد خطر لي لوهلة أنني أقرأ لهما -أو أسمع في حالة حمّيد- أني أتلقى إبداعاً لشخص واحد، أدرك أن إبداعه لا تحويه شخصية واحدة فانقسم، ولو كانا مدركاً لقيمة إبداعه لانقسم في عدد سكان مدينة، أو وطن.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً