وجهُها والقهوة

523437272

دهب تلبو :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

“١”

القهوة طلتها

محبوبتي ممشوقة..

مصقولة مثل إبريق الطين

خدها زيتونة

نمت في فيض ماء

مثل جلسة هادئة

تسكنها ضحكات الرضاء

“٢”

القهوة …. حياة وموت في جلباب النشوى … والنشوى هي الخيط الفاصل بين حشرجة خروج الروح وطيرانها داخل مدار الحياة …

لذلك كانت تعني القَدَر فيما سبق ذلك التراكم لساعات الظهيرة قبيل دخول (توت امون) صحراء البجراويه ليبني صروح البقاء ، كان الزمان محض رشفة والجلسة كثير (حرق- دق – غلي) لذلك كانت سوداوية الحياة هي ما يضفي عليها بريق السعادة وليس كما في هذا الزمن المبيض بالأكاذيب.

“3”

القهوة بقاء الذات وذهابها إذا ما فارقت الزنجبيل ، القهوة فرح اسود وجنون وديع ، سكون ، بهجة بلون الفرح الحلو ، وحُبيبات سُّكر ، القهوة كساء الكلمة المفضوحة إذا ما فلتت من رقيب الحياء ، ودثار الفضائح إذا ما لفظتها الألسن في حين غفلة ، كانت الدنيا محض عدم قبيل طمر حواء لحبيبات البن على تلال الأرض التي اختارها حام بن نوح ، فنبتت هذه الزهرة المباركة وأضفت بريقها الذي لمع فألبس الحياة ثوباً من جمال الرشفة الأولى ، كانت تتمشى على الثرى ، بعيد نزولها من الأعالي لتعلّم الأرض عادة الاخضرار ، تتخير مواضع كل زرع ، زرعت عود الصندل في جزيرة الهند ، الزيتون عند مولد الأنبياء المعرفين، الزهرات في مغارب الأرض ثم ادخرت هذه النبتة السحرية لتهديها لأرض الأديم التي تشبه محبوبها السماوي أبداً ، كأن -أمنا حواء- تتنبأ بالمساكن ، وتنحاز حين تضع أثمن ما حملت ، جعلتها هناك حول الهضبة ، ووزعت منها قليل في بلاد فارس ، ثم ارض الترك والرومان ، ثم رجعت تزيد الدفق عند قلب الأرض السوداء هناك حيث المدينة التي سميت أخيراً ( بانقي) ارض (البندا والمانديغا) وأختها ذات الامزون، كان الدفق كثيرا والأيدي سخية في الطمر ، نجابة البذور ، وغزارتها التي تشبه تدفق جريان نهري (أوأوبانغي و شاري) ،جعتها قويه كقلب مروضي النمور من فرسان (ياكوما)في بلدة (سام ) المكدسة بصيد البرية ، هنا من تحت أشجار المانجو العتيقة يتنسم الزوار سحر هذا الدواء ، القهوة بهاء الروح القهوة جمال ابتسام من ميسم سمراء ، القهوة بخور.

“4”

كوش نبي الأنبياء الذي أضاعه تواطؤ الحروف وحنق “السوام” … كان منقوشاً على جدار الزمن الصادق كنقوش آيات الحق على جُدر المعابد … صلداً، وقوراً كما ابنه “دكتور جون” … سمحاً ، مسامحاً كما أطيار السُمبر… مؤمن .. محب ، أغرقته فيضانات القهوة البهية في حضرة السمراوات وشموخ الآلهة ، كان يجلس القرفصاء تقديراً للقهوة ، والبنيات الجميلات يضربن دلوكتهن على أنغام “سيرة العريس” ،لا تخرجه الزغرودة من وقار القهوة البكريه ، ولا من سحر (التنية ) ، فقط عند الثالوث ينتصب قائماً ليَعرِض ، -نعم يَعرِض كما يعرض ذلك الجمع الملتف حول عريس ملطخ بطين البحر في جرف ما من أجراف النيل الطويل -، إلى أن يوشك على نسيان قهوته ، ولكن هل ينسى معشوق جميل ابتسامة محبوبته !، شموخ الحضارات لا تكسره حوافر خيل هكذا كانت وصيته لصغار الكهنة وهم يتأهبون لتدوين ملاحظاتهم على صفحات الأهرامات بعد تلك الجلسة.

سمر وحب أسمر في تلك الليالي المقمرة والمليئة بالأنبياء الدُهُم – في هذا التيه – تتخلله فناجين الطين المليئة بالبُن اللامع وكثير بخور ، لابد من أن مملكة إكسوم استلهمت حب القهوة من رشفات الأنبياء داخل تلك المعابد.

“5”

بعانجي أيضاً كان يحب القهوة فشُدُه شوهاء الرماد هذه لم تزله إلا ستِ فناجين -منّجمة- من بكر – الشرخرخ- بعدها أعطى أوامره للسحرة بان تعلموا من سحر هذه السمراء وأعطوها مكان في المملكة، من هناك اتخذت القهوة قداسة الكنداكات

“6”

قمرية الروح وبلبل دائم الشدو على سيسبان الوتين مارسا الثرثرة بعد كاسات القهوة “البكرية” عن بهاء وجهك الليلي يا معشوقة الليالي بأقمارها المحروقة بجمر السهاد ومطمورة في رماد بينك ، تناغما ودندنا طويلاً بما تبقى من صدى لصوتكِ كان عالق على باب الأُذين فتراقصت فسائل العشق العطشى إلا من دم النوى وابتهجت كريات الوجد البنفسجية الباكيات لفقدك كراهبات في أسبوع القيامة يا خاتمة رسولات الجوى ، صوتك نشيد الحناجر الذهبية المشبعة بنشوة القهوة ، ناي في فم راعي ، قيثارة سماوية، بل هو صوت الصفاء ، للقهوة سلطان دائم على اجترار الجمال الذي هو أنتِ ،لها إحاطة بنواميس العشق الذي فوضكِ نبيته الوحيدة ولها تيار عاصف يجرف الأمنيات ، فبعد أن تجرع بلبل السيسبان ما تبقى من الفنجان السابع صدح بأنه مقتول فيك مثلما مسكنه الذي ماج لذكركِ.

“7”

الرشفة الأولى كالنسمة تسري بك نحو عوالم لا تدري كُنهها إلا أختها بنت الشفاه الآتية ، … من تلك العوالم التي ستُرمى فيها ما روت حبة “قرنفل” ضلت طريقها إلى ساحات “الزنجبيل” في جلسة للسلطان ملنقديت .. حكت عن عرس المراكب وطقوس الكجور في أدغال ملكال …رقصٌ… وطربٌ وشيءٌ من مقاهي على ضفاف الأزرق قبيل نشوء ممالك الشُلك ببُنٍ كثير، روت عن تضافر الزاندي لزراعة الباباي وعن قداسة الملح عندما يصير جوزٌ للقهوةِ ، تكلمت عن صرامة (ملنقديت) في حضرة القهوة ، حرفته في إعدادها لحظة غربته في الأدغال مخاطباً الأسلاف.

سحر الخضرة يهون عند ملامسة هذه السوداء للشفاه ، كهوان العقوبة عند من يلاعب دعجاء.

“8”

ثمة من يظن إن ليس للقهوة نشوى إذا ما فُصلت عن زنجبيلها أو إن الزنجبيل هو سر عبقها يتمطقه الإحساس من تحت اللسان ولكن ليس الأمر كذلك البتة فجميل القهوة باقي ببقاء الصدف المطمور بين طين الشواطئ ،لا يمنع لمعانه لصق الطين ولا يزيده شرف أو بؤس بيد أن للطين فضيلة فهو يلاصقه في رغبة صادقة للحماية ، يصل معه إلى أيدي المنقبين فتجلوه غصباً -رغم التشبث- ليذهب ويبقى الصدف.

و هي قصة القهوة والتوابل فهي ما يحفظ بهاء القهوة ويلف النشوة بدثار الإثارة لتخرج بنت السواد لذيذه إلى لذتها وطازجة بقدر البهجة ، قد تختلط الغايات والوسائل إلى درجة التبادل ولكن تبقى الغاية غاية والوسيلة كذلك في مرحلة الفصل

ويبقى وجهها قَهَويٌ بنضارة الأبنوس.

“9”

وقهوة مثل مسلك الأرض طيبا، تتلألأ نجوم البهاء في سُخامها الموحل حباً وحنين ، لها عبق النشوى وطعم المسرّات العلوية ، فضاءها يشده العقول برحابته ذات بساتين الفرحة التي لم تعدم ثمر الوضاءة قط ، وبنيات القُرنفل السمراوات مثل جميلات “تُلس*” عندما طغى شوق ابن انياس الكولخي* الى حبيبه من تحت ظل شجرة “باباي” عتيقة لم يسكّنه سوى رشفة من سواد بنت البُن التي بقدسية وجهها و”ربة الأرض ” عند “الإيبو*” ، بعدها سدر في غي القوافي فجادت قريحته بأولى قطرات المدح الذي امتدت بحوره لست دواوين تُتلى في كل محفل بوجد الدراويش وحليب بسمتها الممزوج بليل القهوة.

وما زالت الأرض في حيرتها الأبدية في أن كيف لمحروق بالنار أن يرتقي لعوالم السماء

———-

إبراهيم إنياس الكولخي: صاحب الدواوين الست في مدح المصطفى (ص)

تلس: منطقة بغرب السودان

الايبو : قبيلة نيجيرية

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان

أضف تعليقاً