أوان الكلام

900x450_uploads,2016,02,20,05c107ab19

إسلام أحمد منير: 

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

***

450 مليون شخص حول العالم يعانون من اضطراب عقلي أو سلوكي…

150 مليون شخص مصاب بالاكتئاب في العالم…

25 مليوناً مصابون بالفصام…

90 مليوناً مصابون باضطرابات تعزى لأسباب الإدمان والمخدرات

مليون شخص يقدمون على الانتحار كل عام!!

وأيضاً من بين كل أربعة أسر حول العالم هناك أسرة تحوي فرداً مصاباً بمرض نفسي….

وفي كل عام هناك شخص ما من كل أربعة أشخاص يصاب بنوبة من المرض العقلي قد تكون عابرة أو مستمرة…

بهذا فالمرض النفسي مع الأمراض العصبية يصبح بتعداده أكثر الأمراض شيوعاً…

آآآآآه نقطة كبييييرة….سطر جديد…دعونا فقط نتحدث يا جماعة…نتحدث عن غولٍ اسمه المرض النفسي ..غولٌ صنعناه بسكوتنا…نتحاشاه طوال الوقت ويهدمنا سواء أن أبينا أم رضينا…..

أولاً: المرض النفسي هو (مرض)!!

العقبة الأولى التي تواجه المرضى النفسيين هي الحديث…تخيل مواجهتك لشيء لا تعرفه…ثم منعك من التعبير عن ثقل هذا الشيء أو مناقشة ماهيته…تخيل أن تكون حبيسا لأفكارك فتعوث فيك فسادا…تخيل أن تكون في معركة أنت فيها كل جيشك…

المرض العقلي معركة…معركة شرسة وليست بالهدوء الذي تبدو عليه…

العقل الجمعي للبشرية تعود أن يشعر بالذعر من منظر الدم وألم الذبحة القلبية وضيق التنفس…لكن معظم البشر لن يهتموا بذات القدر حين تبثهم شكواك عن الإكتئاب أو الضيق أو الوسواس القهري الذي يطبق على صدرك…وستسمع كثيرا تلك الجملة القاتلة:

– “يا زول ما ترجل!!”

حسناً لا أعتقد بأن مريض السكر يسترجل فقط ليطرد عنه المرض ولا مريض إرتفاع ضغط الدم ولا مريض الملاريا أو إلتهاب الشعب الهوائية…فحين إصابتك بأيّ من هذه الأمراض فأنت تتوجه للطبيب وتبثه شكواك…ولا أحد سيلومك أو يطالبك بالإسترجال…سيكتب لك طبيبك وصفة طبية محترمة بنوعين أو ثلاثة من العقاقير المحترمة…ولن تجد خجلا أبداً في إبتياعها من الصيدلية أو تعاطيها أمام معارفك…هذا الأمر لا يتأتى لمريض نفسي…فالدوامة تبدأ منذ أعراض الإصابة الأولى…فالإنسان حتى اليوم وفي القرن الواحد والعشرين من عمر البشرية مقيد بالصمت وممنوع بتعليماتٍ غير منطوقة من شكواه من عدم الإرتياح مثلاً…أو إرتفاع مستوى الكآبة…أو القلق…أو رؤيته للخيالات…أو شكه في كينونته…لا أحد سيود أن يستمع لك إن أخبرته بأنك تعاني من ألمٍ في قلبك أو زيادةٍ في مستوى الحزن مثلاً أوشكوت له حال الكثير من ليالي السهر الطويل…أو تجرأت وأفصحت عن وساوسك….

إنهم لن يعطونك الفرصة قط لتحكي عن شيء ربما تافه وربما غير مقبول هو التعبير عن حالك الوجدانية حتى ولو أدنتك من الإنتحار… لكن صدقني الجميع سيصغي لك عندما تحكي عن الإلتهاب المريع الذي أصاب إصبع قدمك الصغير نتيجةً لمرض النقرس!!

ثانياً: المرض العقلي غير معدي!!

بالرغم من بداهة الجملة أعلاه إلا أن جميع تصرفاتنا في المجتمع تدل على غير ذلك…فكم من مرةٍ نذكر تنبيه أمهاتنا بأن نبتعد عن فلان أو علان لأن عقله (ما تمام) أو وصايا جدةٍ ما بأن لا نزور دار فلان أو علان لأن لديهم أخ أو أخت مريض بمرض نفسي…إن التحذير المتكرر والمنع البات من مخالطة المرضى النفسيين يجعل الواحد يجزم أنه ربما ستنتقل إليه لابد عدوى أمراضهم كأنها طاعون أو جرب…

لذا نقطة نظام: تذكروا أن المرض العقلي غير معدٍ…على الأقل ليس بالمعنى المتعارف عليه

ثالثاً: القاعدة هي أن المريض النفسي غير مؤذي:

يدعي البعض بأن معدل العنف عند المرضى  ذوي الإضطرابات العقلية أعلى في مستواه من غيرهم…حسناً هاكم المفاجاة: طبقا للدراسات الحديثة فإن نسبة العنف في شريحة المرضى النفسيين مساوية تماماً في مجملهم لغيرهم من أفراد المجتمع الأسوياء…بل على العكس تماماً فأصحاب الإضطرابات العقلية هم أكثر البشر خوفاً وإنطواء…ربما لهذا لا زلت حتى اليوم أذكر نظرة نهى أول مريضة فصام ألتقيها…فقد ظلت نظرتها مطبوعة في ذاكرتي كأوضح دليل على ليونة هذه الشريحة وإنكسارها…نهى السيدة الثلاثينية تبدو في أغلب الوقت تماماً كطفل أبعد من أمه ووضع وسط الغرباء رغما عن وجودها وسط أسرتها…إن الخوف وقلة الحيلة المصاحبة للمرضى النفسيين تجعلهم من أكثر الفئات تعرضا للإستغلال والتحرش والمضايقات والتي يمتصها فقط صمتهم وخوفهم من كل شيء فيزيد من محنتهم…

تذكروا المريض النفسي ليس كائناً مفترساً

رابعاً:خرافة “كان يمكن تفادي ذلك!!”

خطأ في أغلب حالات الإصابة بالمرض العقلي لم يكن أبداً من الممكن تفادي ذلك…إن الأمر في بعض الأحيان شبيه بمسار قطار محدد سلفاً…لبعض الأشخاص قابلية عالية لفقدان التوازن وهم معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بالإضطرابات العقلية والأمر في أحيان كثيرة يكون ناتجا عن تداخل عدة عوامل مع بعضها وليس باباً وحيدا نحرسه لكيلا يدخل الوحش…إن السؤال الأهم هو ما الذي نفعله إن دخل الوحش.

ثم إن اللوم الذي يصبه الأهل والمريض نفسه على عواتقهم لا أساس له من التبرير الصائب قط في الكثير جداً من الحالات…ولا يزيد الأمر إلا سوءاً…

إن الأمر شبيه جداً بضربة البرق…خبرني كيف بإمكان أحدهم قط أن يمنع البرق من الحدوث؟!!…

خامساً: السبب الرئيس لحالك هو الإبتعاد عن ربك…

حسناً لا أعتقد بأن أحداً أخبر صديقتي حين إكتشفت إصابتها بمرض السكر أن السبب قد يكون إبتعادها عن ربها…لا أحد أخبرني حين لويت كاحلي بأن إنزلاقي من السلم كان فقط بسبب أنني لم أقرأ أذكاري لذلك الصباح…لا أحد أخبر والدتي حين تفاجأنا بإصابتها بالجلطة أن الحل يكمن في المزيد من الصلاة والصوم فقط…ولم يحمل لنا أحدهم قط مصحفا ليسرع من شفائها…في الحقيقة لقد توالت علينا النصائح بعناوين الأطباء ووصفات العلاج في داخل البلاد وخارجها -كل ذلك مع الدعاء وليس بالدعاء وحده-…

إن من غير المنطقي بتاتاً أن نصنف الأمراض العضوية في كفة الإبتلاءات التي تصيب الأخيار ونجعل المرض النفسي في كفة اللعنة وغضب الرب…لذا للمرة المليون بعد الألف أعيدها المرض النفسي (مرض)…ويحتاج للطبيب وللدواء…وللمراجعة…ولفترة راحة

وهذا المرض ليس حكراً على فئةٍ بعينها قط…فهو قد يصيب…الجد والجدة…والفتى والكهل…العاهرة…والطفل…السكير والورِع….مؤذن المسجد…وخطيبه…القسيس والمغني…راهبة الدير وزارعة الحقل…وكل من يمشي على قدمين…ولديه عقل!!

أخيراً: لماذا أزعجكم بهذا الحديث؟!!

حسناً كجوابٍ مختصر فإنه وإن كان من شيء أفضِلُ ترديده طوال الوقت فهو هذه العبارة: “ليس من المهم كم سنعيش من الوقت…المهم هو كيف سنعيش ما قد كتب لنا من حياة…حتى ولو كانت يوماً واحداً…”

إن المرض النفسي يشكل عبئاً على المصاب به لا يمكن وصفه…بل ويتعداه لمن حوله من أبوين وإخوة وشريك وأبناء وزملاء عمل…بل وحتى لإنتاجية الدولة نفسها….ثم إن اللعنات التي تنصب على المرض النفسي تكاد تكون لا نهائية وذلك فقط لجهل الناس به وخوفهم منه…فكقاعدة: الإنسان بطبعه يخاف ما يجهله…قليلٌ فقط هو من له دراية بماهية المرض النفسي…والأقل أكثر هو من يملك المعرفة الصحيحة للتعامل مع هذا الإضطراب…

كنت قد عزمتُ قبل ما يقرب العام على الكتابة في هذا الشأن دونما توقف…ولكن كبلتني الأشياء…وأثنت عزمي مشاغل الحياة…

إن أول الطرق لفهم المرض النفسي..هي الحديث عنه

وأول الطرق للعلاج من المرض النفسي…هي الحديث عنه

وأول الطرق لإكتشاف طرق الوقاية منه في المستقبل…هي الحديث عنه

 

هوامــــــــش:

* حاولت أن لا أفزع الكثيرين بالأرقام والإحصائيات المخيفة عن خطر البشرية المحدق بها في عهد ما بعد الوبائيات المعدية (عهد الأمراض النفسية)…وتجاهل الحكومات والإدارات الصحية لهذا الخطر…لكن لمن أراد الإستزادة فعلية بموقع الــ WHO وإصداراتها الخاصة بآخر الإحصائيات خصوصاً منشوري:
– Investing Mental Health

– Mental Health Atlas 214

ويمكن الإطلاع عليهما من العنوان التالي:

http://www.who.int/mental_health/publications/en/

** من نماذج الدراسات التي بحثت في العنف في مجتمع المرض النفسيين عدة دراسات ومقارنات أرفق عناوينها فيما يلي لأهمية الإطلاع عليها…

http://psychcentral.com/archives/violence.htm

http://www.bbc.com/future/story/20150723-the-myth-of-mental-illness-and-violence

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/

PMC1525086/

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً