الرئيسية / العدد الأربعون / الثورة السودانية بين مطرقة الاستبداد السياسي وسندان الخوف من التغيير

الثورة السودانية بين مطرقة الاستبداد السياسي وسندان الخوف من التغيير

فورن-بولسي

محمد عمر جادين:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

***

منذ أن نجحت حركة التحرر الوطنية السودانية ـ وبعد كفاح استمر لسنوات ـ في إجبار المستعمر البريطاني على الاعتراف بقيام دولة سودانية مستقلة لها حكم ذاتي، ومن ثم مغادرته لأراضيها في العام 1956 واجه السودانيون تحديات كبيرة جدا في بناء هذه الدولة. متمثلة في من سيحكم؟, وكيف يحكم؟، وماهي المرجعية التي يجب اعتمادها في سن القوانين والتشريعات اللازمة لتسير دواليب العمل في مؤسسات الدولة؟، وذلك باعتبار وجود تنظيمات سياسية لها مرجعيات أيدولوجية مختلفة عن بعضها تماما.

بالإضافة إلى أنه حتى ذلك الوقت لم يتم إرساء مفاهيم مهمة كالهوية الوطنية والديمقراطية والمواطنة لدى عموم الشعب السوداني، وتظل هذه المفاهيم غائبة عن شريحة كبيرة من السودانيين حتى اليوم ، مما خلق حالة من النزاع والصراع الخفي بين تلك التنظيمات التي كانت تطمح في الوصول إلى السلطة، وقد تمركز هذا الصراع بين قوى اليمين المتمثلة في الحزب الاتحادي الذي تشكل طائفة الختمية القاعدة الجماهرية له وحزب الأمة القومي الذي تمثل طائفة الأنصار القاعدة الجماهيرية له وقوى اليسار التي كان يمثلها الحزب الشيوعي السوداني، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأحزاب اليمينية واليسارية التي تكونت في فترة لاحقة ولحقت بركب هذا الصراع، وقد خاضت هذه الأحزاب أول تجربة ديمقراطية لتشكيل حكومة سودانية بعد خروج المستعمر مباشرة، حيث تمخضت عن هذه التجربة حكومة سودانية كاملة لأول مرة في تاريخ السودان الحديث برئاسة إسماعيل الأزهري, ولكن التحدي ظل ماثلا أمام هذه الحكومة في إرساء قواعد العملية الديمقراطية عن طريق وضع دستور سوداني خالص يقوم على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، ومن ثم وضع تشريعات قانونية تتوافق مع هذا الدستور. ولكن نسبة لحداثة تجربة هذه الأحزاب في العمل السياسي واعتماد الأحزاب اليمينية على الطائفية فقد فشلت هذه التنظيمات في إدارة الدولة السودانية، ولم تنجح في الوصول إلى صيغة توافقية لحكم السودان، كما وأنها فشلت في وضع دستور دائم للسودان وبالتالي لم يتم الفصل في النواحي التشريعية والقانونية، وتركت إدارة الكثير من المناطق للإدارات الأهلية التي خلفها المستعمر البريطاني، وفي خضم ذلك كان الوضع الاقتصادي في تدهور مستمر، مما أثار حالة من السخط العام على الحكومة في أوساط المثقفين والطبقة المستنيرة، فأدى ذلك لتدخل المؤسسة العسكرية التي قامت بأول انقلاب عسكري في تاريخ السودان وكان ذلك في العام 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود، وقد مثل هذا الانقلاب أول ضربة لنظام التعددية الحزبية في السودان، ومقدمة لسلسة طويلة من الانقلابات العسكرية التي عقبته وشكلت أكبر عائق في سبيل استمرار العملية الديمقراطية، وقد شكل الحكم العسكري حكومة مدنية من التكنوقراط حاولت التصدي للمشاكل التي تواجه البلاد والتي تمثلت في المشكلة الدستورية والمشكلة الاقتصادية ومشكلة الجنوب.
تعتبر المشكلة الدستورية من أعقد المشاكل الني واجهت الحكومات العسكرية والمدنية التي تعاقبت على حكم السودان على حد سواء، فحتى الآن لم يتم التوصل لدستور دائم للسودان يقوم على أساس المواطنة ويضمن التساوي في الحقوق والواجبات لكل السودانيين بدون تميز ديني أو عرقي أو أثني، وذلك باعتبار السودان دولة تحظى بتنوع كبير جدا من حيث التركيبة الدينية والعرقية والأثنية، لذلك لابد من وضع دستور يكفل لكل المواطنين المساواة التامة أمام القانون. وقد ساهم غياب وجود دستور حقيقي في ظهور الفساد والمحسوبية على أساس الولاء السياسي قبل الكفاءة المهنية، مما أدى للتردي في كافة مناحي الحياة داخل الدولة السودانية.
مع نهاية الاستعمار الإنجليزي وخروجه نهائيا من السودان برزت للسطح مشكلة الجنوب، حيث ساهم الاستعمار في تفاقمها بإعلان الجنوب منطقة مغلقة، فحرمها من التواصل الطبيعي بينها وبين باقي السودان، مما أدى لظهور النزعة الانفصالية لدى إنسان الجنوب والذي عظم بداخله إحساس التميز والإقصاء، فكان ظهور أول حركة مسلحة تطالب بحقوق الجنوبيين كمواطنين سودانيين وهي الأنيانيا 1 ثم تبعتها الأنيانيا 2 ثم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقد اتبعت كلها أسلوب حرب العصابات في مواجهة الجيش الشمالي في مناطق واسعة من الحدود الشمالية الجنوبية، مما أدى لتدهور مريع في الوضع الأمني لتلك المناطق، حيث أستمرت الحرب الأهلية حتى العام 2005 تاريخ توقيع اتفاقية السلام الشامل، والتي ترتب عليها انفصال الجنوب بعد أن منح حقق تقرير المصير بموجب تلك الاتفاقية.
بالإضافة لمشكلة الدستور ومشكلة الجنوب كان هنالك مشكلة أعظم وأشد خطرا وهي المشكلة الاقتصادية، فقد حاولت حكومة الفريق إبراهيم عبود المواصلة في تطوير المشاريع التنموية الاقتصادية التي أسسها الحكم الإنجليزي ولكن نسبة للتخبط السياسي وعدم وضوح الرؤية الاقتصادية بالإضافة لشح الخبرات والكفاءات فقد تعثرت عملية التنمية ولم تسر كما هو مطلوب، مما وضع الحكومة في وضع حرج جدا هيأ الشارع لأول انتفاضة شعبية في العام 1964.
لم تكن انتفاضة أكتوبر 1964 ثورة بالمعنى الكامل، ولكنها كانت عبارة عن حركة تغيير سياسي تضامنت فيها الأحزاب السياسية التي انقلب عليها الفريق إبراهيم عبود مع الطلاب في الجامعات والمعاهد العليا، واتفقوا جميعهم على إسقاط الحكم العسكري، وتصحيح مسار العملية السياسية داخل البلاد؛ بتكوين حكومة انتقالية يعقبها حكومة منتخبة بعد أن فشل الحكم العسكري في تحقيق أي من الأهداف التي كان يسعى لها، فبدأت الانتفاضة من داخل جامعة الخرطوم، بعد مقتل الطالب القرشي برصاص الشرطة، وسرعان ما انتظمت المظاهرات وشملت باقي الجامعات والمدن السودانية، فتنحى على إثرها الفريق إبراهيم عبود، واستقالت حكومته وتم حل المجلس العسكري، وتكونت حكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة، ثم انتخبت حكومة ديمقراطية ثانية مكونة من حزب الأمة والحزب الاتحادي والحزب الشيوعي السوداني ومؤتمر البجا واتحاد جبال النوبة وبعض العناصر الجنوبية، ولكن حتى هذه الحكومة لم تستطع إنجاز العملية الديمقراطية بشكل كامل، فقد كان أول خرق لها للعملية الديمقراطية متمثلة في حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، بعد ان اتهم أحد نوابه بالإساءة للدين الإسلامي، وهذا القرار يتنافى مع قيم الحرية والديمقراطية.
عجزت انتفاضة أكتوبر 1964 عن تحقيق التغيير الديمقراطي المطلوب؛ وذلك لأنها قامت بإسقاط الحكم العسكري للفريق إبراهيم عبود ولكن لم يسبقها أو يلازمها حركة وعي كافية تقوم بنشر قيم الحرية والديمقراطية بين المواطنين، ولم توضح لهم أهمية وجود نظام سياسي مدني، كما وأنها فشلت في وضع دستور يقوم على أساس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وذلك لأنها كانت مدعومة من الأحزاب الطائفية التي تتبنى سياسية التغييب والتجهيل والطاعة العمياء لزعمائها من قبل أتباعهم، مما خلق حالة من التوهان والتخبط السياسي مع استمرار تفاقم الأزمات وتردي الأوضاع داخل الدولة السودانية.
إن كل الأوضاع المتأزمة التي خلفتها الحكومة المنتخبة بعد انتفاضة أكتوبر 1964 كانت كفيلة تماما بأن لا يعاد انتخابها مرة أخرى، حيث أثبتت فشلها التام في القدرة على الوصول بالدولة السودانية لبر الأمان، ولكن لأننا كشعوب لم ندرك بعد معنى الديمقراطية الحقيقي، ولم نعرف كيف تدار اللعبة السياسية بحنكة ودراية، فقد تم استعجال عملية التغيير، وكسرت حلقة التغيير الديمقراطي عن طريق انقلاب عسكري للمرة الثانية بقيادة العقيد جعفر محمد نميري في العام 1969، حيث سيطرت المؤسسة العسكرية مرة أخرى على الحكم في السودان، ولكن هذه المرة بالتعاون مع عناصر من الحزب الشيوعي السوداني، والذين تحالفوا مع العقيد جعفر محمد نميري لكي يصلوا للسلطة ويردوا لنفسهم الاعتبارية بعد أن حل الحزب وطرد نوابه من البرلمان، ولكنهم سرعان ما دبروا محاولة انقلابية على حكومة العقيد نميري باءت بالفشل، وقام العقيد جعفر نميري بإعدام كل العناصر المشاركة في الانقلاب والتي كان لها مواقع مؤثرة في قيادة الحزب، مما وجهة ضربة قاسية للحزب لم يستطع الشفاء منها حتى الآن.
بالرغم من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في ذلك الوقت، كانت هنالك أحزاب أخرى في طور التشكل، وسيكون لها دور مؤثر في مسيرة السياسة السودانية، ومن أهمها الحزب الجمهوري برئاسة الأستاذ محمود محمد طه وجبهة الميثاق الإسلامي برئاسة د. حسن عبد الله الترابي، وبالرغم من أن مرجعية كلا الحزبين هي الدين الإسلامي، لكن كان لكل واحد منها توجهات مختلفة عن الآخر تماما تكاد تصل لحد التناقض، فالحزب الجمهوري لم يكن معنيا بتحقيق مكاسب سياسية له بقدر ما أنه كان معنيا بنشر الوعي والاستنارة بين المواطنين السودانيين وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، بينما كانت جبهة الميثاق تسعى بشراسة لخوض الصراع السياسي وأستغل مؤسسها الخلاف بين العقيد جعفر نميري والشيوعين ليتقرب إليه، وقد كان ثمرة هذا التقرب إعلان أول دستور دائم للدولة السودانية تكون مرجعيته التشريعية هي الدين الإسلامي، ومن ثم اشتد أزر الإسلامين وقويت شوكتهم نتيجة لتحالفهم مع السلطة الحاكمة، وبدأوا في محاولة التغلغل أكثر وأكثر داخل الدولة، ولكن حد من انتشارهم وجود نقابات عمالية فاعلة كنقابة المعلمين والسكة حديد ومشروع الجزيرة، فأضمروا لها العداء حتى تمكنوا منها وفككوها بمجرد وصلهم إلى السلطة في العام 1989 بعد انقلاب الجبهة الإسلامية على الديمقراطية الثالثة.
بالرقم من المجهودات التي بذلها العقيد جعفر نميري لينهض بالدولة السودانية سياسيا واقتصاديا، فقد اتسمت سياساته بالتخبط وعدم التخطيط الواضح في ظل غياب تام للاستراتيجيات اللازمة، مما أدى لأن تصبح كثيرا من تلك المجهودات هباءا منثورا وضاعت فيها الكثير من الموارد هدرا، وذلك لأن العقيد جعفر نميري لم يكن رجل دولة وانما رجل جيش، فلم يكن يتمتع بالحنكة والدراية السياسية، مما ممكن السياسيين من استغلاله لتحقيق مآربهم الحزبية، وبذلك خسر السودان أكثر من 27 عاما دون أن يصل للنهضة والاستقرار المطلوبين. وقد أدى تفاقم الأوضاع في عهد جعفر نميري إلى سخط شعبي عام وخصوصا بعد تطبيق قوانين الشريعة المشوهة والمجحفة تماما في حق المواطنين السودانيين، والتي عرفت بقوانين سبتمبر، وهيأ ذلك البلاد لانتفاضة ثانية كان حدوثها في العام 1985 بعد عامين فقط من تطبيق تلك القوانين.
جاءت انتفاضة أبريل 1985 كتعبير عن الغضب الشعبي تجاه نظام جعفر نميري والذي ولد حالة من السخط في نفوس المواطنين نتيجة للتخبط والتدهور والبطش الذي حدث في عهده، وقد انحاز الجيش للشعب في هذه الانتفاضة بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، ولكن كررت هذه الانتفاضة نفس الأخطاء السابقة التي حدثت في انتفاضة 1964 حيث لم يكن الوعي أحد ركائزها وقد قامت فقط بإسقاط النظام الحاكم لتأتي بنفس القوى التقليدية للحكم مرة أخرى بعد انتهاء الفترة الانتقالية والتي شكلت خمس حكومات ائتلافية في أربعة سنوات فقط، مما يؤكد غياب الوعي السياسي وعدم اكتمال العملية الديمقراطية، وقد فشلت الحكومة المنتخبة في إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، فأزداد التدهور الاقتصادي وأرتفع معدل التضخم وأصبح هنالك ندرة في السلع الاستهلاكية، كما وأن الحرب الأهلية في الجنوب كانت في تصاعد مستمر، وقد أدى ذلك لتدهور العلاقة بين الجيش والمؤسسة السياسية، واستغلت جبهة الميثاق الإسلامي التي كانت تتصدر المعارضة هذه الأوضاع ليقوم زعيمها د. حسن عبدالله الترابي بالتحالف مع الجيش ويدبر الانقلاب الثالث على الديمقراطية في 1989، حيث جاءت إلى السلطة بعد أن نجح هذا الانقلاب وأطاح بحكومة الصادق المهدي المنتخبة، ليعيش السودان بعدها أطول فترة حكم استبدادي شمولي منذ العام 1989 وحتى الآن.
منذ أن استولى الإسلاميون على السلطة بدأوا بتنفيذ مخطط السيطرة التامة على مفاصل الدولة، فأعلنوا حالة الطوارئ التي ترتب عليها التضيق على حرية المواطنين، وقاموا بحظر النشاط السياسي للأحزاب المعارضة، وحلوا النقابات والاتحادات، وأحالوا الكثير جدا من الخبرات والكفاءات للصالح العام تحت بند التمكين، وقاموا باستبدالهم بشخصيات موالية لهم حتى ولو لم تكن تمتلك الكفاءة اللازمة ليضمنوا انصياعهم التام لأهدافهم، وحتى الذين لم تطالهم الإحالة للصالح العام فضلوا الهجرة على العمل في ظل هذا النظام بعد أن أدركوا ما يسعى إليه، مما أدى لتدهور حاد في إدارة الدولة وبدأت الخدمة المدنية بالانهيار، وعطلوا مسيرة التنمية الاقتصادية بتفكيك الكثير من المؤسسات الاقتصادية الوطنية مما أدى لظهور البرجوازية الطفيلية التي سيطرت على قطاع الإنتاج شيئا فشيئا بعد إتباعهم سياسة السوق الحر، كما وانهم أعلنوا السودان كدولة إسلامية يحكمها دستور إسلامي وذلك يعتبر انتهاكا وإقصاءا لغير المسلمين والذين كانوا يمثلون أكثر من ثلث سكان السودان، وأعلنوا الجهاد على الجنوبين باعتبار أنهم كفار وأعداء للدين الإسلامي بحسب فكرهم المتطرف، فتحولت الحرب في الجنوب من حرب أهلية إلى حرب عقائدية، وحصدت هذه الحرب الآلاف من أرواح الأبرياء من الشمالين والجنوبين على حد سواء، وتحول المجتمع السوداني إلى مجتمع يعيش حالة من الاستنفار والتأهب الدائم للحرب، كما وأنهم سعوا لتجنيد كل المواطنين تحت ما عرف بقوات الدفاع الشعبي.
استمر نظام الإنقاذ او الحركة الإسلامية في تدميره للدولة السودانية بعد تكوينه لحزب المؤتمر الوطني الذي ظل حاكما منذ انقلاب 1989 وحتى الآن، والذي ضم تحت لوائه كل أصحاب المصالح والنفعيين والمتسلقين من معدومي الضمير وأصحاب النفوس المريضة، وقد فرض هذا النظام سلطته عن طريق إحكام القبضة الأمنية على الشعب السوداني، وجند أبناء الشعب السوداني ضد بعضهم، واشاع روح التخوين بينهم، مما خلق حالة من الصراع الدموي العنيف بينه وبين المعارضين، الذين استبيحت دمائهم وراحت أرواح الكثير منهم هدرا, وقد ولد كل ذلك حالة من الرفض التام لهذا النظام وسياسته الغير وطنية من قبل الشعب السوداني بمختلف قطاعاته، حيث اتضحت لهم حقيقته وسقطت كل تلك الشعارات التي كان ينادي بها في بداية حكمه، وقد إستمرأ حزب المؤتمر الوطني بقائه في السلطة فلم يسمح بقيام انتخابات رئاسية إلا بعد عشرين عام من وصوله للسلطة، ولم تكن هذه الانتخابات سوى مسرحية هزيلة ولعبة أخرى من ألاعيب النظام حتى يشرعن بقائه في السلطة، فلم ترقى تلك الانتخابات لمستوى الشفافية المطلوب ولم تلبي أدنى طموحات الشعب السوداني بتحقيق التغيير الديمقراطي المطلوب، فقد قام النظام من خلالها بإعادة انتخاب نفسه مرة أخرى بعد ان زيف إرادة الشعب السوداني وحرمه من حقه الطبيعي في ممارسة الديمقراطية، وقد أعقب هذه الانتخابات احتجاجات واسعة على كافة الأصعدة، وذلك للتدهور الاقتصادي المريع الذي حدث بعدها والتي حاول النظام أن يسوقها تحت مسمى الإصلاح الاقتصادي، مما زاد من حدة الغضب الشعبي وأدى لانتفاضة شعبية في سبتمبر 2013 تم قمعها باستخدام القوة المفرطة وسقط فيها أكثر من 200 شهيد من مختلف المدن السودانية وبذلك فقد النظام ما تبقى له من مساندة شعبية ضئيلة وأصبح عاريا من كل شرعية.
أدت كل الظروف والأحوال المتردية المذكورة اعلاه إلى استشعار كل المواطنين لضرورة قيام الثورة، ولكن لم يتشكل لديهم الوعي الثوري الكافي بعد، فهم ما زلوا يتخوفون من بطش النظام وقوته الفتاكة التي أزهقت أرواح الكثيرين بعد خروجهم إلى الشارع لتعبيرهم عن رفضهم التام لهذا النظام، وكذلك ما زال في أذهانهم سؤال ملح وهو من سيأتي إلى الحكم إذا ذهب هذا النظام؟!، وذلك لأن الشعب السوداني قد فقد الثقة في كل القوى السياسية التقليدية التي اختبرها على مدى 60 عام منذ الاستقلال وحتى الآن، ولكن كل ذلك لابد من تجاوزه في إطار أن الثورة لابد ان تحدث، وأن على الشعب ان يعي تماما أن لكل تغيير ثمن، ولابد أن يدفع الثمن، خصوصا إذا كانت هذه الثورة ضد نظام ديكتاتوري كنظام الإنقاذ، ولابد أن ينخرط الشعب كله في عملية التغيير التي لا بد أن تسبقها حركة وعي شاملة وسوف يحدث تصعيد طبيعي للذين سيتولون حكم السودان بعد هذا النظام، فحواء السودانية ما زالت قادرة على إنجاب من يستطيع أن يحكم السودان بكل تجرد ونزاهة، فليس هنالك عائق بيننا وبين التغيير الديمقراطي وتحقيق النهضة الشاملة سوى هذا النظام، فبذهابه سيستعيد السودان عافيته وسينعم أبناءه بالاستقرار والرفاهية المطلوبة بعد إحداث التنمية المتوازنة، ولكن هذا النظام لن يتخلى عن السلطة بسهولة وسيستميت من أجل بقائه فيها لأنها تحقق له مصالحه، لذلك لابد من المواجهة الحقيقية له بكل صمود، ومن ثم اقتلاعه تماما، لكي يشفى السودان من سرطان إستفشى فيه لأكثر من 26 عاما، ومن ثم يستعيد عافيته ويعود لسابق عهده.

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .

أضف تعليقاً