الرئيسية / العدد الأربعون / الخوف من الثورة

الخوف من الثورة

arton13032.jpg

سانديوس كودي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لو أن الظلم وسوء الأوضاع هما المحركان الأساسيان للثورة فإن الخوف يعتبر الكابح الرئيسي لأي ثورة أو أي عملية تغيير اجتماعية ، وترجع المخاوف من الثورة لخصائص المجتمعات في الخوف من عملية التغيير بغض النظر عن نوعه بالإضافة للمخاوف التي تنشأ نتاج بعض التساؤلات التي تطرح عن مرحلة ما بعد الثورة ، وهذا ما يجعل عامل الخوف هو الوتر الرئيسي الذي تعزف عليه السلطات والقوى المقاومة للتغيير وذلك باللعب على خاصية الخوف من التغيير باعتبار أن الراهن أفضل في كل حال من المجهول و وأن الثبات أفضل القفز في الظلام ( جنا تعرفوا ولا جنا ما بتعرفوا )،..

أو عن طريق بث المزيد من المخاوف من ما هو قادم وذلك بعقد مقارنات مع نماذج محيطة وربطها مع الواقع بأساليب ومغالطات مخلة مع وضع نماذج قياس واعتبارها مثالا لأي ثورة قادمة ( النموذج الليبي، النموذج المصري، النموذج السوري… الخ ) دون الوضع في الاعتبار حقيقة أن التجارب الإنسانية غير قابلة للتكرار الكربوني كما أنها غير قابلة للتوقع أو التجريب ، ودون استصحاب حقائق أخرى مهمة مثل أن بعض النماذج التي يتم الاستدلال بها تمثل نماذج لثورات وعمليات تغيير في مراحل نضجها أو في مراحلها الانتقالية والتي رغم أنها من أهم مراحل الثورة إلا أنها أيضاً تعتبر من أمرّ المراحل حيث يحدث فيها الانتقال بين مرحلة قديمة بكل تعقيداتها إلى أخرى ، وطالما لا يمكن الحكم على أي ثورة وهي لم تبلغ كامل نضجها بعد فإن اعتبار كل نماذج الثورات المحيطة فاشلة لهو تجني على الثورات ومجهودات الشعوب في سبيل نيل تحررها من نير الدكتاتوريات .

الخوف من البديل :

ومن المخاوف المهمة أيضا الخوف من أن يكون البديل عن السلطة القائمة أسوأ منها ، ورغم أن التخوف هذا حقيقي إلا أنه يتم تضخيمه بحيث يصبح الشاغل الأول لأي راغب في التغيير، ونسبة لاستحالة إعطاء ضمانات حقيقية عن البديل القادم فان الشعوب يتم تخديرها بإغراقها في مزيد من التساؤلات يكون نتيجتها أنها تذهب في سبات عميق في انتظار البديل الأسطوري الذي باستطاعته تغيير الوضع من أسود إلى أبيض بإشارة واحدة منه، والتساؤل عن البديل رغم أهميته إلا أنه يمثل مهرباً مناسباً وإفراغاً للثورة من قيمتها الذاتية، فوجود تغيير – بغض النظر عن اتجاهه – لهو مؤشر بأن الأوضاع ستتحول إلى أفضل حتى وأن بدت سيئة في البداية، فالثورة تبعث بالحياة إلى حالة الركود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وترفع من قيمة التغيير بذاته، والتغيير هو الضمان الوحيد لتحول الأوضاع إلى أفضل حتى وإن أخذ التغيير في البداية اتجاها سالباً. ما هو مهم أيضاَ هو أن التساؤل الملح عن البديل ينم عن تشكك في مقدرات ومكتسبات الشعوب بحيث يتم تصويرها عاجزة عن الإتيان بالبديل القائم وذلك بتضخيم السلطة القائمة واعتبارها أعلى ما يستطيع المجتمع الإتيان به، مع ممارسة القتل المعنوي لكل من يحتمل أن يكون بديلاً باستخدام كل الوسائل المتاحة بأقذر ما يمكن حيث يتم شيطنة وتخوين الأفراد المعارضين وتكفير كل الأفكار التي تدعو للتغيير، بل أن السلطات أحياناً تلجأ إلى ما هو أسوأ باللعب على وتر العصبيات الدينية والجهوية بتصوير الآخرين المختلفين معها في أذهان متبعيها بكل ما هو منفر بل والعمل على بث روح العداء بين الجماعات الدينية والمجموعات القبلية وتقريب بعضاً منها إليها ودعمها ثم تحويلها إلى قوى صد تحارب أي عملية تغيير لان في التغيير فقدان لبعض المراكز الاجتماعية والسياسية التي تم اكتسابها دون وجه حق .

خوف أصحاب المصالح :

ويضاف إلى مجموعة المخاوف الخوف من فقدان بعض المكتسبات الاقتصادية التي تم جنيها من خلال التعايش مع السلطة القائمة، والخوف هذا هو سمة أغلب الانتهازيين الذين ارتضوا التعايش مع شروط السلطة القائمة مقابل إعطاءهم تسهيلات تساعد في تنامي أنشطتهم الاقتصادية وتتضمن هذه الشريحة الكثير من التجار وأصحاب المهن الاقتصادية المهمة، ويرتبط الأمر في الأغلب بالخوف من المنافسة الشريفة بحيث أن بعض التجار والمهنيين ممن لا يملكون المقدرة على المنافسة في سوق عمل شريف يخافون فقدان مكاسبهم لصالح آخرين هم أكفأ واقدر وبالتالي أحق منهم بالمكاسب، ولهذا فإن هؤلاء لا يخاطرون بمكاسبهم الذاتية مقابل أي عملية تغيير حتى وان قادت لوضع أفضل على المستوى العام .

خوف الطبقة المثقفة :

ويضاف إلى المخاوف خوف الطبقة المثقفة والمستنيرة من أن المجتمع لا يصلح لتبني قيم التغيير المختلفة، ويبان هذا الخوف في شكل قلق على ما بعد الثورة وتردد في المشاركة الفاعلة في صنع الثورة وقد يصل الأمر أحيانا إلى الانكفاء والانعزال عن المشاركة في العمليات السياسية .

الثورة انتصار على الخوف :

الخوف من ما بعد الثورة يقود إلى مقاومة عملية التغيير إيجاباً بالتحريض ضد كل من يدعوا للقيام بالثورة والوقوف في وجه أي عملية ذات طابع ثوري، وقد تتخذ وجها سلبيا بالانكفاء على الذات وعدم دعم الثورة بأي شكل وهذا بالطبع يؤدي إلى تأخير قيامها ولكن لان الثورة لحظة انفجارية تحدث عند وصول الأوضاع إلى مستوى حرج ولأنها في الأغلب تنشأ لفعل لا إرادي وتتطور بنشاطات جماهيرية لا واعية نتاج الانفجار فإنه مهما تسبب الخوف في تعطيل انطلاقها فان للثورة لحظتها وتلك اللحظة تمثل لحظة الانتصار على الخوف والتحرر من كل المخاوف .

 

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً