الرئيسية / العدد الأربعون / روائع بودابست ألف حكاية وحكاية !

روائع بودابست ألف حكاية وحكاية !

المرأة مع الطائر.jpg

نوف العصيمي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على تويتر إضغط : هنا 

****

العين لا تسر بالرائعة الفنية بل تغرق فيها 

الرائعة الفنية توقظ الروح وتنير النفس البشرية في كل زمان ومكان

إن الانسان يرى ويحمل بين جنبيْة المرئي واللامرئي” [1]

هل هذا ممكن !

في هذا الصباح الذي بدأ بعتبة مكسورة وإذا بها تخفي نورا ! بدأ بحكاية ما كانت أبدا عادية !

معرض واحد ومعان متعددة،كون واحد وإنسان متغير.

“روائع بودابست” تحكي حكاية بصرية، والرواييد الفنان التي تنسجُ بدأب ما هو كامن مستتر وما هو ظاهر جلي، والزائر هو الشاهد والمشهود…

معرض لروائع فنية من متحف الفنون الجميلة في بودابست العاصمة الهنغارية ، كانت في الأصل لنبلاء وهواة برجوازيين في ظل النظام الملكي النمساوي المجري.

تعرض حاليا في متحف يخبئ نفسه خلف حديقة بديعة عريقة هي”حديقة اللوكسمبورغ” في باريس.

تمثل اللوحات فترات زمنية متتابعة من نهاية العصور الوسطى إلى العصر الحديث تاريخ طويل من التيارات الفكرية والسياسية والعقائدية،امبراطوريات تأفل وأخرى تبرز وثورات وأنظمة، متداخلة مع الاتجاهات الفنية من الفن المسيحي،إلى عصر النهضة، إلى فن الباروك، مرورا بالانطباعية وما بعد الانطباعية وحتى الرمزية والتعبيرية.

حكاية يرويها “أبناء النور”[2] فمن خلال النور يتغير مسار الفن والزمن.

القسم الأول ” نهاية العصور الوسطى ” :

في غرفة صغيرة محدودة لعلها تشير إلى المحدود في ذلك الزمان البعيد . الفن بموضوعاته الدينية ووقار رسومه والعيون المفتوحة على اتساعها تقول هذا هو المجتمع والإنسان وما هو معني به .

يلي ذلك باب يفتح على زمان مختلف ، لوحات تمثل “النهضة الألمانية”و “البرخت دورر” مبشرا بمسارجديد من خلال رسوماته التي تصف بدقة وبراعة الحيوان والنبات والإنسان، وكل ما مر تحت ناظرية كان مهما من حركة يد، إلى رفة جناح، إلى عشبة معلقة بقليل من تراب. كل شيء كان موضوعا للمعرفة والفهم، كأنه يقول من هنا تكون الاستمرارية.

القسم الثالث” القرن السادس عشر ” :

لوحات من الفن الإيطالي في عصر النهضة، يد الفنان ترسم ورؤاه تُبدي ما هو محصور في الذهن من أفكار وتخيلات والمدى الذي تصل إليه حريته. الرسم بالظل والنور، أساطير وموضوعات دينية، إنها تقول إن هذا الكمال موجود فيك أيها الإنسان !

القسم الرابع ” عصر ديني جديد”:

وهنا كان “الجريكو” ، الرسام اليوناني الذي عاش في اسبانيا واتخذ مسارا في الفن عُرف ب ” المانِرِزم

الجريكو.jpg

هل هذا ممكن أن أتقابل مع الجريكو !

كان مفاجأة ذلك النهار !

ألف حكاية وحكاية ! 

الشخوص تتبدل لم تعد تشبه تلك التي رسمها “ليوناردو دا فينشي” ولا تلك التي أبدعها “دورر” إنها تتطاول ،حتى بالكاد تُمسك، إنها تحلِّق نشوى بين السماء والارض، تسعى لأن تكون كالاشجار، كالسحاب، وما هذه الضربات التي تتحرك كالريح من الأسفل من الأعلى، لليمين ولليسار ، أهي ريح مسالمة تخفي قوة أم قوة تخفي سلاما !

والسماء بحيرة ماء تناثرت عليها أوراق الحياة شفافة، المعنى يشّعُ بمسحة صوفية غارقة في النورانية، والروح تمتزج في اللوحة وتتشكل بألوانها بتحليقها وبالضياء الذي يسطع ويرّن !

والمشهد يصف اللحظة التي تسبق الحدث ، أما فن “الباروك” فهو في لحظة الحدث ، وعند عصر النهضة المشهد تماما ما بعد الحدث .

نافذة واحدة ومسارات متعددة .

ما الذي اختلف !

ما الدافع لأن يمضى الإنسان قدما !

إنه لا يقف حيث وقته بل يسابق الزمن للذي يليه! منذ تلك الرسوم على جدران الكهوف حتى هذه اللحظة النفس الانسانية مستمرة تتدفق أبدا!

وتستمر الحكاية بعد هذه المسحة الخلابة يأتي فن الباروك المسرحي بلوحات تمثله ، لكن النفس قد لانت ولم تعد تستطيع أن تستوعب هذه الدراما وهذا الواقع !

وتستمر الحكاية ، حكاية ترويها حركة الفرشاة على سطح اللوحة ، ومقدار النور والظل .

يا لهذه القدرة العجيبة لنور والظل على رواية حكاية !

والخطوات وئيدة ماضية إلى ” العصر الذهبي الهولندي ” حيث الواقعية والحياة اليومية والطبيعة الصامتة!

 لكن النفس ما زالت مشبعة بالجريكو !

فتمضى وئيدة إلى حيث سيزان وتفاحاته ومونيه وقواربه وجوجان ومانيه، تتبدى الدهشة فضربات الفرشاة هي حكاية الإنسان مع ذاته، ما يستكين وما يجيش في نفسه، مع حواسه وما يراه وما يسمعه، وكيف يتبدل عبر العصور ذلك الذي كان بالغ الأهمية ويصير من خلفه ليأتي آخر يحتل كامل الصورة ، لقد أختلفت الإنسانية نضجت وكبرت وتريد أن تفهم أكثر .

وتمضى الخطوات للقسم الاخير ، للمعرفة الأخيرة ، التعبيرية والرمزية !

ولوحة “حجاب فيرونكا” لرسام النمساوي “أوسكار كوكوشكا

حجاب فيرونيكا

الحكاية عن إمرأة مسحت وجه السيد المسيح بمنديلها وعندما عادت إلى بيتها ظهر وجهه في المنديل وهو يحمل ألامه .

لكن هناك أيضا حكاية أخرى عن الرسام وحبه الأبدي لامرأة وحيدة هجرته فعمل لها دميه حملها معه سنوات وسنوات حتى حطمها ذات ليلة في سورة غضب،وقطعة قماش منها تحمل بعض دمها قال : إنها طفله الوحيد.

اللوحة صارخة قلقة وآلام تنتهي لتبدأ من جديد ! والمرأة خالية من كل الحياة ، تحمل بقايا الروح منها وذلك اللون الاحمر ينبعث من صدرها عن ماذا يحكي؟

اللوحة بأكملها تشبه العاصفة ! تشبه من نجا من حرب مدوية ! الرماد الجفاف مثل غابة محترقة !

كل اللوحة ميتة إلا من مزقة القماش التي تحملها المرأة، إلا هذه القطعة البيضاء والوجه المتحرك، أما حاجبي المراة ونظرة عينيها تبدو احتضار ثم احتضار !

وتستمر الخطوات متتابعة والحكاية الأخيرة !

والتي كانت على ملصق الإعلان للمعرض تحتل كل واجهة المتحف

تحفة الرسام الهنغاري  “جوزيف ربل-روناي” “المرأة والطائر في القفص”

اللوحة كبيرة تملأ المكان والقلب بزرقتها الخضراء المشبعة غموضا ورؤى !

إمرأة بثوب طويل وقبعة غير مبررة وطائر صغير أصفر وقفص أخضر وأريكة ساكنة أبدية ومقعد خال وحيد .

هذا ما يظهر على السطح ، اللوحة رمزية ، الأفكار والخيالات والمعاني هي رموز ، لماذا لا يقول الفنان ما يريد مباشرة ! أختلف الزمان والمكان وكذلك الفنان وأساليبه تشبه عصره،” استخدام الرموز تتعلق بنمط جديد من الذكاء ومن الخيال الرمزي فالإنسان لم يعد يعيش في العالم الملموس بل في كون رمزي، وبدل أن يدخل الإنسان في علاقة مباشرة مع الأشياء نفسها، غلف نفسه برموز فنية وأسطورية” [3]

إذن الحكاية حكاية النفس الانسانية من رسوم كهف اللتراميرا  إلى هذه المرأة وثوبها الطويل المتدفق بلون الأرض تنثني بعيدا والطائر الصغير يدير رأسه بعيدا.

تكوين طولي ومزاج هادئ حزين في بعض منه ، مغمضة العينين وأصابع مرتخية وظهر منثني للوراء يوازن القفص ويعطي شعورا بالتوتر وعدم اليقين ، تبتعد برأسها عن قفصها ، والطائر الصغير يدير رأسه بعيدا عنها وعن قفصه، عتمة غارقة في الفيروز وضياء اصطناعي على الوجه واليدين وبعض الطائر السجين.

والمرأة تمر عابرة لا تبالي بالأريكة الخالية ولا بالمقعد الساكن.

ثوبها الطويل بلون الأرض كأنه جذع شجرة ، أتراها قد استحالت شجرة تمد جذورها بعيدا يقينا ، والطائر الصغير يرقب معلق بها وبما تريد ، يداها طائرين صغيرين ووجهها طائر صغير! أربعة طيور في اللوحة!

والمقعد ينظر بعيدًا، والاريكة تريد أن تمنع المشهد من الاكتمال، والمرأة في طريقها للخروج خارج الصورة ومن خلفها أزمان بعيدة معلقة بذيول ثوبها عوالم جوجان وضربات مونيه وجرأة مانيه وكينونة سيزان وعبقرية دافنشي وصوفية الجريكو.

إنها تبتعد عنا نحن من نشاهد هذا الانعتاق من نترقب أن تفيض حرية أو أن تسالم واقعا .

كأنها تأتي من الضوء لكي تختفي في العتمة اللازوردية. هل آن لها أن تتحرر من قيود متخيلة وتنسج عالما اخضرا .

كل الاحتمالات ممكنة والمستحيل ضرب من الممكن.

 

[1]آفاق الفن، الكسندر اليوت

[2]أفاق الفن، الكسندر اليوت

[3]الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة                                                                                                                      

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً