الرئيسية / العدد الأربعون / متاهات المثقف الشاب !

متاهات المثقف الشاب !

FB_IMG_14446805856728955.jpg

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

****

المثقف الشاب

المثقف الشاب هنا هو الكاتب والباحث والمهتم بالعمل الثقافي ليس كمتلقي فقط لكن كمنتج أيضاً ومشارك فيه .                    

المثقف الشاب هو المتحمس الذي لازال يؤمن بالدور الذي يقوم به في نشر الوعي ، واضعاً نُصب عينيه أمثلة على شاكلة إيميل زولا الكاتب الفرنسي الشهير ومرافعاته العظيمة ” أنا أتهم ” يناير 1898 ،والتي تبنى فيها الأديب الفرنسي موقف الدفاع عن الضابط دريفوس ( ضابط ينتمي لعائلة يهودية ثرية ، أعتقل وحوكم ظلماً سنة 1894 بتهمة التخابر مع العدو الألماني ،وقد أحدثت هذه القضية انقساما في الرأي العام الفرنسي ) .                                 

زولا الذي لم يكن عابئاً بالموضوع حتى ذلك الوقت ، كان يعيش أفضل أيام سطوعه الأدبي حيث توج بوسام فارس سنة 1888 ، ثم وسام جوقة الشرف 1893 ، فرئيساً لجمعية الأدباء ، ومرشحاً لعضوية الأكاديمية الفرنسية ، أي أنه رجل تتهدده مساوئ المال والجاه كما وصفه المؤرخ هنري غليمان ، لكن الرجل تنازل عن هذا الرأسمال الوهمي مفضلاً عليه سرمدية المبادئ من خلال الدخول في مواجهة المفكرين التقليديين للمرحلة .                                       

ومنذ ذلك الحين كان مصير الرجل قد تحدد وقد دفع ثمن ذلك ، حيث نفي إلى لندن لمدة تقارب السنة  ، ثم مات مخنوقاً في شقته الباريسية عام 1902 ، بفعل إجرامي على الأرجح ، لكنه انتصر لمبادئه وقال جملته المشهورة مزهواً بشجاعته أمام قضاته :        ’’ ستشكرني فرنسا ذات يوم لأنني انقذت شرفها ’’

المثقف الشاب هو الذي يجزم بأنه لولا أفكار وكتابات مفكرين مثل فولتير ومونتسكيو، ما كان للثورة الفرنسية أن تقوم ، رغم ما حدث بعد ذلك من حلول ديكتاتورية المال محل استبداد الملوك والأمراء ، إذ يكفيه أن يدرك الجميع أن أفكار الحرية والمساواة والإخاء ساهمت إلى حد ما، بلا شك، في إشعال حماسة بعض الناس الذين قاموا بالثورة، واستمرت، ولاتزال، تثير آمال الناس وتطلعاتهم إلى مستقبل أفضل ، حيث أن هذه النظريات والأفكار التي يطرحها المثقف لا تقوم بالحرث في الماء ولا يوجد بينها وبين الطبيعة الإنسانية ذلك البون الشاسع المتخيل . 

                                                                   

 مطرقة الانحياز التأكيدي:

 

أقيمت في الولايات المتحدة دراسة على 30 شخص ، نصفهم جمهوريون متعصبون، والنصف الآخر ديمقراطيون متعصبون أيضاً ، وفي هذه الدراسة قام العلماء بعمل مسح للمخ أثناء التجربة، وكانت التجربة كالتالي، قُدم لكل طرف كلمات تلفظ بها كل من جورج دبليو بوش (الجمهوري)، وجون كيري (الديمقراطي) (كانت هذه في انتخابات سنة 2004)، وكانت الكلمات متناقضة مع موقف المرشح ذاته، وبعد أن عرضت هذه الكلمات على الـ 30 شخصا، لاحظ العلماء أن الجمهوريون تركوا المرشح بوش وشأنه دون أي انتقاد، وانتقدوا كيري، والديمقراطيون انتقدوا بوش وتركوا كيري .                                        

المهم في هذه التجربة ما لاحظوه في مسح المخ، وهو أن النشاط في الأجزاء المسؤولة عن التفكير والتحليل والمنطقي كانت هادئة، بينما تلك الأجزاء من المخ المسؤولة عن العاطفة كانت نشطة جداً ، أي أنه حينما تواجه الشخص أفكار متناقضة فإنه يفكر بها عاطفياً ، ويحاول عقلنة تلك الأمور التي تتحدى ما يؤمن به مسبقاً ، الجمهوري لا يحب أن يكون جورج بوش متناقضا مع نفسه، فتنطلق العاطفة لتبرر هذه التناقض، لتشعر الشخص بارتياح .                            

ما حدث هنا يسمى الانحياز التأكيدي ، وهو عبارة عن نوع من الانحياز المعرفي الذي يهتم بكيفية البحث و التفسير وتذكر المعلومة التي تدعم ما نؤمن به ونعتنقه من أفكار ورؤية للعالم مع تجاهل تام لكل الأفكار والمعتقدات المضادة لها وهذه المشكلة هي واحدة من أبرز المشاكل التي تواجه المثقف الشاب خاصة حين يكون من المعجبين بالمفكر ” س ” أو الباحث ” ص ” وبالمرتبة التي وصل إليها من العلم وتسجيل المواقف المشهودة ، فيغدو الانحياز التأكيدي هو معالجته في التعامل مع ما يطرحه هذا المفكر أو الباحث دون الأخذ في الاعتبار أن هذا المفكر أو الباحث قد يكون طرحهُ خدمة لمصالحه الشخصية أو معتقداته ، وهذا ما يترتب عليه انتاج بما يسمى سيكولوجية القطيع وهي سلوك أشخاص في الجماعة التي ينتمون اليها أو منضمين تحت لوائها دون تفكير أو تخطيط أو انتباه، ومن هنا تنهار الشعوب ؛ لأن المثقف ينبغي عليه أن يكون خط الدفاع الأخير الذي يحمي المجتمع من الانقياد خلف وعي جمعي سخيف ، فالجنون نادر في الأفراد لكن في المجموعات والأحزاب والدول والعصور هو القاعدة كما يقول نيتشه ، خاصة بعد الفشل الذريع للمؤسسات التعليمية في القيام بهذا الدور ، بعد أن تحولت من ” أداة لتعليم الناشئة العلوم والمعرفة، وترسيخ قيم الحرية والعقلانية إلى وسيلة لفرض الانضباط وحجب الاختلاف بحجة الحفاظ على النظام الاجتماعي الموحد و تحولت مناهجها إلى طريقة لإخضاع الجميع لشكلي التفكير . والحياة”نصف قرن من الدراسات أثبتت أن الانحياز التأكيدي هو من أسهل الفِخاخ التي تقع فيها عقولنا. في العلوم، تقترب للحقيقة عندما تبحث عن أدلة تنفي افتراضاتك، لماذا إذا لا نستخدم هذه الطريقة في تبني الآراء الخاصة بنا ؟!        

 سندان النخبة الفاضلة:

 في حوار مع صحيفة ما قال الكاتب الراحل إمبرتو إيكو : ” إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء ” .                                                                 

ورغم ما يبدو من ظاهر قلق وخوف يبديه الروائي الإيطالي على المشهد العام ، إلا أن فيه كذلك ما لا يمكن اخفاؤه من استعلائية النخبة ، والإحساس بالوصاية على الجميع .

هذه الاستعلائية كثيراً ما يعاني منها المثقف الشاب خاصة عندما يتحول ذلك المثقف المستعلي من مثقف نظري إلى مثقف مؤدلج لتنفيذ برامج المتنفذين وأصحاب المصالح ، أياً كانت الجهة التي يقف عليها هؤلاء الأشخاص ، لكن الأكيد أنها في الغالب تكون مصالح غير شعبية أو وطنية ، وإنما ذاتية تحت اسم الإصلاح والبناء .                                                                

أما حين يتحول هذا المثقف المستعلي إلى مثقف سلطة، تحت إلحاح مصالحه، فيدخل في دور مزدوج، براغماتي، يحلل ” من كلمة حلال ” ممارسات السلطات التي كان ينتقدها من موقعه السابق ، هنا يوضع المثقف الشاب في أمام أحد خيارين ، إما العزلة أو الاندماج في الفعل الثقافي المشروط والممهور بطبائع رغبات المؤسسات الثقافية. وهنا ندخل في أشكال الرقابة، وأخطرها ، رقابة النخبة المثقفة، الرقابة سيئة النية، لو جاز لنا استعارة تعبير سارتر بـ المومس الفاضلة، حيث تتحول النخبة ” الفاضلة ” إلى ممارسة بعض من أشكال الرقابة المشروعة، وفق مهارات نقدية ولفظية .                                                     

ومجدداً كما في الانحياز الذاتي يجد المثقف الشاب ميزانه متأرجح بين العاطفة المتمثلة في الصفقات الشخصية بسبب المخاوف أعلاه وبين المنطق والموضوعية إذ أن شروط الانخراط في الفعل الثقافي أصبحت مرهونة بالانضمام إلى ” قطيع ” المؤسسات .                                                                    

وأمام هذه الحيرة التي يتخبط فيها المثقف الشاب يأتي پيير بورديو (1 أغسطس 1930 – 23 يناير 2002) عالم الاجتماع الفرنسي ليخبره عن مهام المثقف في هذه الحالة فيقول :  

” ليس من مهامّه أن يقدّم دروسا كما كان يفعل بعض المثقّفين العضويين الّذين، بسبب عجزهم عن فرض بضاعتهم في السّوق العلميّة حيث تستعر المنافسة، كانوا يؤدّون مهنة المثقّف لدى غير المثقّفين، قائلين في الآن نفسه بأنّه لا وجود للمثقّف. ليس الباحث رسولا ولا معلّما للتّفكير. عليه أن يبتكر دورا جديدا وعسيرا جدّا: عليه أن يصغي، عليه أن يبحث ويبدع: عليه أن يحاول مساعدة المنظّمات – الّتي مع الأسف يزداد ضعفها يوما بعد يوم بما فيها النّقابات- على الصّمود في وجه السّياسة اللّيبراليّة الجديدة، عليه أن يكلّف نفسه بمهمّة مآزرتها من خلال مدّها بالأدوات. خصوصا منها الأدوات المضادّة للتّأثير الرّمزيّ الّذي يمارسه «الخبراء» الملتزمون بخدمة كبرى المؤسّسات متعدّدة الجنسيات .                 

 ما يعول عليه المثقف الشاب:

 

الوعي التام بأن معظم مشكلات العالم وصراعاته الحضارية التي تحدث الآن وحتى ثوراته بسبب عوامل ثقافية ؛ لأن الإنسان كائن ثقافي بالدرجة الأولى ، وكل هذا يتطلب من المثقف الشاب إظهار قدرات عالية في الثقافة و إدراك للمجتمع و تطوره و ميكانزماته ، وأن يكون مثقفاً قادراً علي استخدام أدوات التكنولوجيا و توظيفها توظيفا إبداعيا لمناصرة مشروعه الثقافي والسياسي ، مثقف مؤمن بقضية التحول الديمقراطي و الحداثة، مثقف ليس باحثا عن السلطة، قنوع بدوره، لذلك يقدم أعلى درجات العمل الإبداعي و الثقافي، قادر علي التعبئة و التحريض، لا يكتفي بالتنظير، إنما يتبعه بنشاطات مختلفة من خلال المسرح و الشعر و القصة و كل وسائل الإبداع وسط الجمهور .                                     

لنحصل في النهاية على النموذج الذي نريده فعلاً من المثقف والذي أطلق عليه الدكتور المغربي أحمد شراك ” المثقف التأسيساتي ” الذي يجمع بين دور المثقف التقليدي و نهاية المثقف ، و تبديل وصف غرامشي المثقف العضوي أو المثقف الملتزم عند جان بول سارتر، إلي المثقف الشامل الفاعل، الذي لا يتقيد فقط  بتقديم الرؤى و طرح الأسئلة، من أبراجه العاجية كما يقول الدكتور علي حرب، إنما المثقف الذي يستطيع أن يوظف وسائل الاتصال الاجتماعي في خلق حوارات في موضوعات شتي لخلق ثقافة التغيير، و هذه الحوارات يشارك فيها كل المستخدمين لوسائل الاتصال كل بإبداعاته، و لا يصبح هناك زعيما أو قائدا إنما الكل يقدم عطائه و يسهم في عملية الوعي الجماهيري، هذا هو التحدي في تغيير وسائل التعاطي مع عملية التغيير .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً