الرئيسية / العدد الأربعون / نعوم تشومسكي : العالم العربي والاسلامي يمتلك تاريخا طويلا مع الديموقراطية

نعوم تشومسكي : العالم العربي والاسلامي يمتلك تاريخا طويلا مع الديموقراطية

chomskynoam

ترجمة خاصة لجيل جديد :

2011 : السموءل شمس الدين :

للتواصل مع صفحة المترجم على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

2013 : مريم محمد :

للتواصل مع صفحة المترجمة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

 

تنويه : أسئلة هذا الحوار طرحت عن نتائج الربيع العربي على نعوم تشوموسكي ( 7 يسمبر 1928 ) أستاذ اللسانيات والفيلسوف الأمريكي المعروف في العامين 2011 و 2013 ونشرناها هنا لنتعرف على رأيه فيما ما آل إليه الربيع العربي حينها .

 

( 2011 )

س : يعتقد الكثيرون أن الديموقراطية لا تصلح للعالم العربي، هل تعتقد أن التطورات الأخيرة تكذب هذا الاعتقاد ؟

ج : لا يوجد أي أساس لهذه الفرضية على الإطلاق، فالعالم العربي والاسلامي يمتلك تاريخا طويلا مع الديموقراطية، التي يتم سحقها بصورة منتظمة من قبل القوى الغربية. ففي العام 1953، كانت إيران تمتلك نظاما برلمانيا، أطاحت به الولايات المتحدة وبريطانيا، كانت هناك أيضا ثورة في العراق في العام 1958، ولا نعلم إلى أين كانت من الممكن أن تؤدي، لكنها كانت من الممكن أن تشكل بداية للديموقراطية هناك، سوى أن الولايات المتحدة قامت بتنظيم انقلاب عسكري.

في مباحثات داخلية.. في العام 1958، تم الكشف عنها مؤخرا، تحدث الرئيس (آيزنهاور) عن حملة كراهية ضدنا في العالم العربي، ليست من الحكومات وإنما من الشعوب، وأصدر مجلس الأمن القومي مذكرة – يمكنك الحصول على فحواها من الانترنت حاليا – وفيها يشرحون هذه الحملة، ذكروا أن الانطباع السائد في الوطن العربي يقضي بأن الولايات المتحدة تقوم بقمع التطور و الحركات الديموقراطية، وتساند الديكتاتوريات المتشددة، ونحن نفعل ذلك كي نسيطر على نفطهم، ذكرت المذكرة أن هذا الانطباع غير بعيد عن الواقع، وأن هذا هو بالضبط ما يفترض أن نقوم به.

س : هذا يعني أن الديموقراطيات الغربية قد منعت بزوغ فجر الديموقراطية في العالم العربي؟

ج : لن أتحدث بإسهاب عن ذلك، ولكن.. نعم.. توجد هناك العديد من الحركات الديموقراطية المتصاعدة والمستمرة، ولكن يتم سحقها بواسطة الديكتاتوريات التي نقوم نحن – بشكل رئيسي الولايات المتحدة، بريطانيا، وفرنسا- نقوم بدعمها، إذا بالطبع، لا توجد ديموقراطية هناك لأننا قمنا بسحقها، ومن الممكن أن ينطبق ذلك أيضا على أمريكا اللاتينية، التي مرت عليها سلسلة طويلة من الديكتاتوريين والقتلة الجبارين، ولكن طالما أن الولايات المتحدة تتحكم في المنطقة، أو أوروبا قبلها، لا يمكن أن يقوم نظام ديموقراطي، إذ سيتم سحقه.

س : إذا لم تفاجئك ثورات الربيع العربي؟

ج : حسنا.. لا أستطيع القول أنني قد توقعتها، ولكن هناك تاريخ طويل يسندها، فلنأخذ مصر على سبيل المثال، ستلاحظ أن الشباب الذين قاموا بتنظيم الاحتجاجات في الخامس عشر من يناير قد أطلقوا على أنفسهم اسم حركة 6 أبريل، وهناك سبب لذلك، إذ كان ينبغي أن تقوم حركة عمالية كبيرة في السادس من أبريل في العام 2008، وذلك في مجمع غزل المحلة، المركز الصناعي الضخم، تتضمن إضرابات مصحوبة باحتجاجات مساندة لها حول البلاد، لكن تم سحقها تماما بواسطة النظام الديكتاتوري، ونحن في الغرب لا نولي أدنى اهتمام مادامت الحكومات الديكتاتورية تتحكم في الشعوب، فما الذي سيقلقنا؟ لكن في مصر، ما زالوا يذكرون ذلك، وهذه حركة واحدة فقط ضمن سلسلة من النشاطات المعارضة الأخرى، حققت بعضها النجاح، وهناك بعض الدراسات الجيدة عن ذلك، على سبيل المثال، قام الباحث الأمريكي (جويل باينن) من جامعة ستانفورد، قام بالعديد من البحوث فيما يختص بالحركة العمالية المصرية، ولديه مقالات حديثة وأخرى قديمة عن هذا الشأن، ناقش من خلالها نضال  العمال المستمر منذ زمان طويل، وهذا يعتبر مجهودا لخلق نظام ديموقراطي.

س : ادعى الرئيس السابق جورج دبليو بوش أنه تسبب في إحداث سلسلة متعاقبة من الحركات التحررية، من خلال سياسته المسماة (الشرق الأوسط الجديد)، هل توجد صلة بين الثورات الصاعدة في العالم العربي وسياسة جورج بوش؟

ج : الإطار الرئيسي للتاريخ الحديث في مرحلة ما قبل الحروب.. هو ما يمسى بقطع الدومينو، كما حدث في كوبا، البرازيل، فيتنام، شبهه هنري كيسنجر بالفيروس الذي يهدد بنشر عدواه. حينما كان هو ونيكسون يخططان للإطاحة بالرئيس المنتخب ديموقراطيا في شيلي (أليندي) – بحوزتنا الآن جميع المواد الخاصة بتلك المحادثات الخاصة – قال كيسينجر تحديدا: أن الفيروس التشيلي قد يؤثر على دول أخرى ويتفشى بنفس الطريقة التي انتشر بها في أوروبا. وفي الحقيقة وافقه على ذلك (بريزنيف)، حيث كان كلاهما خائفا من الديموقراطية، وقال كيسينجر: علينا أن نقضي على هذا الفيروس.

وهذا هو بالضبط ما قاموا به.

الوضع مماثل الآن، بوش وأوباما كلاهما خائفان من الربيع العربي، وذلك نظرا لسبب حساس جدا، هو أنهما لا يريدان الديموقراطية في الوطن العربي، لأن الرأي العام العربي إن حظي بأي قيمة سياسية، سيتم طرد الولايات المتحدة وبريطانيا من الشرق الأوسط، لذلك، هما مرعوبان تماما من قيام أي نظام ديموقراطي في المنطقة.

س : أوضح المراسل البريطاني المعروف بالشرق الأوسط (روبرت فريسك) مؤخرا أنه لا دخل لأوباما وسياسته بالتطورات الحالية بالشرق الأوسط.

ج : لقد قرأت مقالته، إنها جيدة للغاية، (روبرت فريسك) صحفي ممتاز، وهو على دراية شاملة بالمنطقة، وأظن أن ما رمى إليه تحديدا هو أن نشطاء حركة السادس من أبريل لا يهتمون بالولايات المتحدة، لقد يئسوا تماما منها، هم يعلمون أنها عدوتهم، الحقيقة أن 90% من الرأي العام المصري مؤخرا يعتقد أن الولايات المتحدة هي أسوأ تهديد يواجههم ، على هذا الأساس، بالتأكيد لا علاقة مطلقا للولايات المتحدة بما حدث، هي فقط حركة تحررية أقوى من أن تهزم.

 

س : ينتقد البعض المثقفين العرب ويرميهم بجريرة الصمت والخنوع، ما الدور  المنوط بالمثقفين العرب في ظل الأوضاع الحالية؟

ج : بالطبع هنالك مسئولية خاصة تقع على عاتق المثقفين العرب، نحن نطلق عليهم اسم (مثقفين) لأن لديهم بعض الحظوة، وليس لأنهم أذكى من الآخرين، ولكن، في حال أن لديك بعض الحظوة، والمكانة الاجتماعية، والبلاغة اللغوية وما شابه، يطلق عليك اسم (مثقف). هذا هو الوضع في العالم العربي، وفي كل أنحاء الدنيا .

Noam Chompsky, U.S linguist and political critic, gestures during a talk at the press club in Geneva, Switzerland, Friday, July 26, 2013. Chomsky has become well known for his critiques of U.S. foreign policy, state capitalism and the mainstream news media. (AP Photo/Anja Niedringhaus)

(2013 )

س : مرت ثلاث سنوات على بداية الثورات العربية، شهدت فيها المنطقة أطياف من التطورات الدرامية تراوحت ما بين انتخابات حرة إلى القمع العنيف للتغيير. كيف تصف الربيع العربي اليوم؟

ج : في الماضي كنت قد وصفته بأنه ”عمل قيد الإنجاز” ، أما الآن، وللأسف، فإن عبارة “عمل قيد التقهقر” ستكون أكثر ملائمةً. ديكتاتوريات النفط أصبحت قادرة على قمع معظم الجهود حتى على مستوى الإصلاح البسيط ، سوريا تندفع للانتحار ، وعلى الأرجح، الانقسام، يتعرض اليمن لحملة أوباما العالمية بالطائرات دون طيار ضد الإرهاب ، تونس منسية نوعاً ما، ليبيا تفتقر لحكومة قادرة على السيطرة على المليشيات، وفي مصر، أهم دولة في الربيع العربي، تصرف الجيش بوحشية مفرطة – والداعمين الشعبيين والذي أرى أنهم لا ينبغي لهم فعل ذلك – فيما يبدو أنها محاولة لاستعادة سيطرتهم السياسية القاسية والمحافظة على إمبراطورتيهم الاقتصادية، بينما يقضون على بعض من أهم المكاسب في الفترة السابقة كحرية واستقلالية الصحافة. العلامات لا تبدو جيدة.

بالإضافة لذلك، فإن الصراع السني الشيعي والذي هيَّجه العدوان الأمريكي-البريطاني في العراق، هذا الصراع يمزق البلاد إلى أشلاء ويمتد بشكل مشؤوم للمنطقة بأكملها.

توجد منطقتين في العالم العربي لا تزالان تحت الاستعمار: الصحراء الغربية حيث تم قمع التظاهرات الديمقراطية في أواخر العام 2010 ، وكفاح الصحراويين من أجل الحرية تم نسيانه تقريباً. وفلسطين بالطبع، حيث المفاوضات تجري وفقاً لشرطين مسبقيَن أساسيين من الطرف الأمريكي-الإسرائيلي: لا حدود للتوسع غير الشرعي للمستوطنات. وأن تقود الولايات المتحدة المفاوضات، والتي هي مساهم في الصراع (تقف مع الجانب الإسرائيلي) وقامت بمنع الإجماع الدولي الساحق على التسوية السياسية منذ العام 1976، عندما استخدمت حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن داعية لشروطها الأساسية مع استثناءات مؤقتة نادرة. إن المفاوضات في ظل هذه الشروط المسبقة من المرجح ألا تكون أكثر من تغطية لإسرائيل للمواصلة في برامجها في ادماج ما تعتبره ذو قيمة من الضفة الغربية إليها، بما في ذلك قليل من السكان العرب لتجنب “المشكلة السكانية”، مع استمرار دعم الولايات المتحدة، وفصل الضفة الغربية من غزة في انتهاك لاتفاق أوسلو، مع الحفاظ على الحصار الوحشي. ليست لحظة مشرقة ولكن الشرارات التي أشعلها الربيع العربي من المحتمل أن تندلع إلى نيران مرة أخرى .

س : الآمال الأولية لمسار خطي تجاه التمكين والديمقراطية اختفت من مدة طويلة، هل كانت النشوة في غير محلها؟ أين ومتى ساءت الأمور؟

ج : كان ينبغي ألا تكون هناك آمال لمسار خطي ابتداءاً. الربيع العربي كان تطوراً ذو أهمية تاريخية، هدد العديد من المصالح القوية. فالسلطة لم تقل “شكراً لكم على تفكيكنا” ثم سارت بعيداً بهدوء .

 

س :  ردّات الفعل الغربية تراوحت من التدخلات العسكرية إلى عدم التدخل كما يبدو في الدول الخليجية، هل ترى النمط الأساسي هنا؟

ج : النمط الأساسي مألوف: اِدعم الدكتاتور المفضل لديك لأطول فترة ممكنة، وإذا أصبح ذلك مستحيلاً بسبب أن رجال الأعمال أو الجيش انقلبوا عليه لسببٍ ما، قم بإرساله خارجاً إلى مكانٍ ما، أكثر من التصريحات الرنانة عن حبك للديمقراطية، وحاول استعادة النظام القديم بشكل كامل قدر الإمكان. لقد حدث ذلك مراراً وتكراراً على سبيل المثال لا الحصر: سوموزا، ماركوس، دوفالير، سوهارتو، موبوتو…

إنها سياسة طبيعية في القوة الاستبدادية ، من هنا فهي مألوفة جداً. وطبيعي كذلك أن يتم إهمال الصورة أو كبتها، مهمة المجتمعات الفكرية أن تدعم القوة وتبررها لا أن تقوضها -على الرغم من كسر البعض للقواعد.

 

س : واحدة من العديد من خطوط التصدع في المنطقة هي الصدام بين القوى العلمانية والدينية، هل ترى أنه من الممكن التعامل مع هذا الانقسام بشكل بنّاء؟ ما الدور الذي على الحكومات الغربية أن تلعبه؟

ج : لا التاريخ ولا المنطق ولا التحليل السياسي ولا أي مصدر بعيداً عن الهالة الإعلامية يعطينا أي سبب لأن نتوقع من أنظمة القوّة أن تلعب دوراً بنّاءاً، إلا إذا كان ذلك ضمن مصلحتها. وخصوصاً الأنظمة الغربية .

في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، قامت القوى الكبرى -بريطانيا ثم الولايات المتحدة- وبشكلٍ مستمر بدعم الإسلام المتطرف كمضاد للعلمانية القومية. والمملكة العربية السعودية هي المفضلة، الدولة الإسلامية المتشددة الأكثر تطرفاً، والدولة التبشيرية التي تنشر العقائد الوهابية-السلفية في المنطقة بأجمعها .

س : هناك دارسات أكاديمية ممتازة ودقيقة عن سياسة أمريكا في (تعزيز الديمقراطية)، بواسطة أبرز مناصريها، والذين اعترفوا، على مضض، بأن الحكومة تدعم الديمقراطية فقط في حالة موافقتها للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، كما يتوقع ذلك أي شخص متعقل. ما هو الدور الذي عليهم لعبه؟

ج : الأمر سهل. عليهم دعم الحرية، العدالة، حقول الإنسان والديمقراطية. يمكننا قول الشيء نفسه عن روسيا والصين. تستطيع القوى الشعبية المنظمة، لحدٍ ما، أن تدفع الحكومات لهذا الاتجاه . ولعدة أسباب هناك مؤشر صغير لذلك اليوم .

 

س : على مستوى آخر فإن التوترات بين الطوائف الدينية تبدو في تزايد. ففي العام 2004 تحدث ملك الأردن -الملك عبدالله- عن (الهلال الشيعي) هل مفهوم الحرب السنية-الشيعة بالوكالة هو العدسة المناسبة لفهم الصراع الحالي في المنطقة ؟

ج : لا التاريخ ولا المنطق ولا التحليل السياسي ولا أي مصدر بعيداً عن الهالة الإعلامية يعطينا أي سبب لأن نتوقع من أنظمة القوّة أن تلعب دوراً بنآءاً، إلا إذا كان ذلك ضمن مصلحتها. وخصوصاً الأنظمة الغربية .

في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، قامت القوى الكبرى -بريطانيا ثم الولايات المتحدة- وبشكلٍ مستمر بدعم الإسلام المتطرف كمضاد للعلمانية القومية. والمملكة العربية السعودية هي المفضلة، الدولة الإسلامية المتشددة الأكثر تطرفاً، والدولة التبشيرية التي تنشر العقآئد الوهابية-السلفية في المنطقة بأجمعها.

 أحد التبعات المقلقة للعدوان الأمريكي-البريطاني في العراق هو استثارة الصراعات السنية الشيعية، والتي تمَّ احتواؤها سابقاً، تقود لقصة الرعب التي تمزق العراق وتمتد للمنطقة مع آثار فظيعة لا تُحمد عقباها .

وبصراحة سيقودنا هذا لاستدعاء قرار نورنبرغ، أحد أُسس القانون الدولي الحديث. العدوان كان من المقرر له أن يكون :

الجريمة الدولية العظمى، وهي تختلف عن جرائم الحرب الأخرى فقط في أنها تحوي بداخلها الشر المتراكم من الكل ”  ، تشمل في هذه الحالة، الصراعات الطائفية من بين جرائم أخرى عدة وبصراحة -أيضاً- سيقودنا هذا لاستدعاء الإنذار الذي قدمه القاضي روبرت جاكسون للمحكمة :

 ( نحن نسلِّم هؤلاء المتهمين “كأساً مسمومة” وإذا ارتكبنا نفس الجرائم فإن علينا أن نعاني من نفس التبعات. وإلا أصبحت هذه المحكمة مهزلة؛ مجرد عدالة المنتصر. أحد المقاييس للفجوة بين الثقافة الأخلاقية-الفكرية الغربية والحضارة هو مدى الإصغاء لهذه الكلمات . )

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً