الرئيسية / العدد الأربعون / The Revenant : رحلة في أقاصي الإنسان .

The Revenant : رحلة في أقاصي الإنسان .

13316965_1305487189464654_5221130862007764596_o

**

بعد مشاهدة فيلم The Revenant للوهلة الأولى يمكن الخروج منه بسطرٍ واحد:

رجلٌ قتلوا ابنه، صارع للحياة ليصل إلى قاتله فينتقم منه، وفعل ذلك. هكذا قصة ككل قصص الانتقام الأخرى.

وفي المرة الثانية يمكننا أن نضيف سطراً آخر:

رجلٌ تعرض لإصابات مميتة، صارع للحياة في ظروفٍ قاسية جسدياً ونفسياً، وفعل ذلك. هكذا قصة ككل قصص النجاة الأخرى…

صحيح أنه يحوي قصتَي الانتقام والنجاة. ولكنه لا يحويهما فقط. ولا يقصدهما فقط. بل هما جزء من القصص والتجارب التي خاضها صاحبها، سنُضيف هنا طبقة -ثالثة- نتوقف عندها ببعض التفصيل:

العآئد هو رحلة جسدية وروحية وفكرية انتقل فيها Hugh Glass من معرفة عالم الشر الذي يعيش فيه، إلى اكتشاف عالم الخير الذي كان عليه هو ابتداءً، ومرجوٌّ حدوثه مجدداً.

هذه الرحلة حكاها المخرج Alejandro González Iñárritu في سلسلة تجارب عاشها Glass ترتبط ببعضها على جزئين متتالييَن ومتضاديَن، تجارب مع الإنسان والحيوان والطبيعة. مرآة يشهد بها على التوحُّش والشر الإنساني في الجزء الأول وعلى الرحمة والخير الإنساني في الجزء الثاني، ليعود منها عودة الميت إلى الحياة أو التائب إلى ربه أو الإنسان إلى ذاته أو الإنسانية إلى إنسانيتها.

أداة الحكي كانت بصرية بامتياز من المصور السينمائي Emmanuel Lubezki، فالتجارب لم تكن بحاجة لنقاشٍ مطوَّل ولا لراوٍ للتعليق على التجارب أثناء حدوثها ولا لشرحٍ لها في آخر الفيلم. ارتبطت الصورة بشكل متقن بالتجارب مع كل فكرة وكل معنى وكل إحساس، كل لقطة أشبه بنصٍ أدبيٍ رفيع أو مقطوعة موسيقية أخَّاذة، لتكون المحصلة مشاهد متسلسلة كالفصول تحكي كل منها تفاصيل عن العالميَن المتضادَين. ولتجعل الحديث عن الفيلم بدون الإشارة إلى بعض الصور فيه غير ذي جدوى، ولتجعل الكلام في حضرتها ينحصر لأقل القليل منه.

قبل بداية الجزأين مشهد افتتاحي لما كان عليه Glass، حالة انسجام تامة مع كل شيء.

1

2

. ثم يبدأ الجزء الأول بافتتاحية هي خلاصة لما عليها العالم الذي يعيش فيه Glass:

فوضى في كل العلاقات، الصراع على الأرض وعلى الموارد في أعنف صوره، بين صاحب الأرض وغازيه. لا توافق لا تصالح، إما أنا أو أنت!

3

الفصل الثاني عن ما عليه إنسان هذا العالم وعلاقاته مع البشر، عالم يتجسَّد في شخصية John Fitzgerald:

المصالح الشخصية هي ما تجمعنا وما تفرقنا. لا مكان لرابط آخر.

4.png

الفصل الثالث عن علاقة الإنسان مع الحيوانات والطبيعة:

الصراع  ليس بين البشر فقط بل مع كل الأحياء. الكل متوحش الكل يريد افتراس الآخر5.png

الفصل الرابع عن الخير الإنساني ووجوده:

الدافع الأساسي لفعل الخير هو الطمع اللامتناهي في المصلحة، وإنْ كان تحت قناع الخير.

6.png

7

الفصل الخامس عن سلطة القوة ولا أخلاقيتها:

أقتلك وأنهبك وأغتصبك وأشردك ثم أُملي عليك لوائح الشرف والأخلاق! وأجبرك بالخضوع لسلطتي. مَنْ يهدي الآخر ومن يرشده!

8.png

 قبل بداية الجزء الثاني، تسوق مياه النهر Glass إلى منطقة يشهد فيها قطيع الثيران يسقط أحدها أمامه في مشهد بديع بعد أن إيذاناً بإنقاذ جسده بالطعام وبداية رحلة إنسانية جديدة

9.png

10

. ثم يبدأ الجزء الثاني بتعرفه على Hikuc الذي سيعلِّمه عن العالم الجديد بأفعاله، فالدرس الأول هو أن الحياة مشاركة بين الجميع، لا فرق بيني وبينك، توافق وتصالح: أنا وأنت.

11.png

الدرس الثاني يبدأ فيه المعلم والطبيب بتشخيص مرض Glass حينما قال له:

”جسدك متعفن يحتاج للعلاج، فمن الممكن أن تموت”، لم ينطق طوال رحلته مع Glass إلا بهذه الكلمات، كلمات لا يقصد منها الموت الجسدي فقط، ولكن يقصد موت إنساني إذا استمرت الحالة على ما هي عليه.

12.png

الدرس الثالث عن ما يفترض أن يكون عليه الإنسان وتقوم به العلاقات بين البشر:

الحب والمتعة والعطف والرحمة هي ما تجمعنا.

13

الدرس الرابع عن الخير بين الإنسان وأخيه:

لا توجد أقنعة ولا مصالح، خيرٌ مطلق، بلا مقابل.

14.png

الدرس الخامس:

مَنْ منا الهمجي؟ومن منا يحتاج للإرشاد والأخلاق والوعود والقوانين؟

15.png

الدرس السادس:

الحب والتعاون والرحمة ليست بين البشر فقط، بل هي نظام للتصالح مع كل الأحياء.

16.jpg

العودة :

13320786_1305487376131302_1833686962442783409_o

وأخيراً: رؤية جديدة للانتقام:

أن تنتقم يعني أن تقتل الشر فيك وفي العالم.

17

هذه القرآءة (الصورية والمكتوبة) ذكرتُ فيها طبقة واحدة للفيلم وهي تجربة الشخصية الرئيسية في الانتقال بين عالمين. قرآءة باستخدام أحد أساسيات فن السينما : الصورة .

التفاصيل التي يتركب منها المعنى في الصورة والصفة الجمالية لها -مجتمعيَن- هما السبب في حصْد الفيلم لمعظم الجوآئز العالمية في التصوير السينمآئي، في تجسيد مثالي لهذا الجمع.

الصورة لغة السينمائي وأداته، تكتب نصاً بلا أحرف وتعزف موسيقى بلا وتر وجسر العبور باتجاه المعنى .

عن عدنان عوض

mm
طبيب وكاتب سوداني مهتم بالسينما

اترك تعليقاً