الدجاجة المجنونة

chicken

طلال الطيب:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

خروجها من البيضة كان أمراً اعتيادياً،أظن أن لكل الكائنات طفولتها حتى السواسيو وأظن بأن لهذه الكلمة علاقة بكلمة سواسية ومساواة .؟

لا تبتسم ولا تضحك فأنا لا أقصد أبداً أن أكون مهرجاً أو مصدراً للتسلية ؛لهذا سأتخيل بأنك طفل صغير وأني أكتب قصة للأطفال .

مخيف أن أتخيلك إنساناً أتعب عيناه بالقراءة و ذراعاه بحمل الكتب وفمه بالتحدث في القضايا الكبرى؛ حتى يموت أكثر علماً !..

لكن لنفترض بأنك طه حسين أو إدوارد سعيد أنا لا أهتم، تعلمت أن لا أشعر بالمهابة والانبهار ،لأن المهابة تجعلك تابعاً للسيد وأنا أفضل أن أكون تلميذاَ للأساتذة ولو كانت نملة صغيرة تعلمني أن أحطم حبة القمح حتى لا تنمو .

ماذا كنت أقول ؟ نعم ،خرجت الدجاجة من البيضة مثل كل دجاج هذا العالم ،ربما في مجرة أخرى هناك دجاج يخرج مشوياً من شجرة ، تخيل شجرة تثمر دجاج مشوي أو مقلي ،أليس هذا رائعاً؟ وفي مجرة أخرى نحل يخرج من بيض تبيضه دجاجة .

المهم هذه الدجاجة كانت سوسيوا أي دجاجة كانت من قبل سوسيوا بإمكانك أن تسأل أي دجاجة حية بجوارك ،هل كنت من قبل سوسيوا ؟وستجيبك “كاااك كوك ” لا تظن بأني أفهم لغة الدجاج ،لكني أحاول أن أفهمك بأن أي دجاجة في هذا العالم كانت سوسيوا من قبل ؟

لأني أعرف أن الدعايات جعلتك تظن بأن كل الدجاج مشوي وكل الدجاج سمين .

عندما كانت هذه الدجاجة سوسيوا خطفها قط ،نعم إن القطط التي لها معجبين ومحبين رائعين وطيبين تتصرف دائمًا بوحشية ،أعرف قطاً يلعب بالفأر مثل النرد قبل أن يأكله ،أنا أجد الفأر مخلوق في حاله فهو دائم الهرب والحذر إنه يذكرني بنفسي ،أعيش بحذر من كل شيء من مجتمعي ومن حكومتي حيث يمكنها أن تكون مؤذية وقاتلة .

وعندما تراقب القطط العصافير تشتهي أن يغفل العصفور عنها ولو للحظة حتى تنقض عليه ،العصفور وقتها يبدو مغرور مثل كاتب شاب يترفع عن النقاد الذين يشتهون أن يسقط ولو لحظة حتى ينقضوا عليه بأقلامهم فلا ينهض مجدداً.

أنا أعتبر النقاد لطفاء فحتى الآن لم يتناولني أحدهم بالنقد أظنهم ينتظرون أن أموت أو أفوز بجائزة كبيرة ،وكل شيء خلا الكتابة محض هراء ،إلا المال فهو ليس هراء بالنسبة لي بعد وبعض الجوائز لها قيمة مالية كبيرة ،بحيث لو فزت بواحدة منها أستطيع أن أشتري بدلة وكرافتة وستبدو على وجهي مظاهر الغنى والرفاهية، وحينها سيتحلق حولي النقاد الذين ألهبتهم حرارة الشمس يلتمسون شيئا من أضواء الشهرة الباردة مثل الثلج في نهارات أبريل.

ووقتها سيصب النقاد كل العسل الذي في خلايا ألسنتهم على نصوصي ،والنقاد ليسوا فئة معينة أو أشخاص بعينهم ،بل حتى بعض الكتاب الذين تعرضت ساق الإبداع عندهم لجرح أو إصابة خطيرة يمكن أن يصبحوا مثل السمك الصغير الذي يجده الصيادون في الشبكة بجوار الحوت ؛إنهم لا يحبون أن يكونوا بعيداً عن أي حدث كبير .!

خطف القط السوسيو أو سرقه ومثل كل اللصوص هرب بغنيمته ،كان يقفز من حائط لحائط حتى وصل إلى حوش بيتي ،حيث كنت أتأمل الجدار ،وكان الوقت ليلاً ،وعلى ضوء النيون رأيته وفي فمه سوسيو ،وأقول لكم : لم أكترث به ،وجدت المنظر عاديا وبالطبع ما كنت سأساعد السوسيو والذي كان يسوسيو ويصدر صوتا خافتا ويحرك رجليه داخل فم القط ،أنا أحترم الطبيعة فلو رأيت كلباً يأكل أرنباً أبيضاً لطيفاً لا أعترض وأراقب المشهد بحياد ،ولو رأيت أسداً يأكل رجلاً لن أتدخل فلا بد بأنه كان رجلا بائسا على كل حال .

لكن القط الغبي أكترث بي ،وأظنه رأى حذائي المهترئ الضخم وظن بأني سأقذفه به .

شعرت بخوفه مني وتمنيت وقتها لو أني أعرف لغة القطط حتى أقول له : أتمنى لك عشاءً طيبا . فهو كان نحيلا ولا عجب فأهل الحي الذي أسكنه يمصمصون العظم حتى يصبح مثل الورق ،ولهذا تغير النظام الغذائي للحيوانات وأصبح منظر كلب وهو يأكل خيارة خضراء أمرا عاديا ،و ذات مرة رأيت قطا يأكل العدس ،طبعا طردته من كومة حساء العدس لأن ذلك العدس كان غدائي .

كان القط النحيل يشعر بالخوف مثل فلاح ضبط وهو يسرق من بستان الأمير .

وأظن بأن القط المغفل حاول أن يصدر مواء لطيفا يستعطفني أن أتركه وشأنه فحرك فمه فسقط السوسيو على الأرض .

لن أنسى علامات الحسرة والمسكنة التي غمرت وجهه في تلك اللحظة ،حتى أنا أشفقت عليه فنهضت حتى أحمل السوسيو وأرجعه له ،لكنه للأسف هرب .

غضبت منه لأنه ظن بأني كنت سأمنعه من أكل السوسيو ،لقد ظن بي شرا مرتين ؛مرة عندما ظن هدوئي هو استعداد لقذفه بالحذاء ومرة الثانية عندما ظن نهوضي من فراشي حتى أرجع له السيوسيو هو من أجل أن أخذ السيوسيو الصغير مثل لقمة لنفسي .

لقد أهانني القط التافه ،على كل حال رأيت السيوسيو يركض نحو المطبخ ،رايته يأكل حبات البندورة الصغيرة وكأنه في بيته ،وكأنه لم يكن بين فكي قط قبل لحظات .

إحترمت إرادة الحياة التي يتمتع بها وتركته وشأنه .

كبر السيوسيو وأصبحت دجاجة كبيرة سمينة مزعجة لا تنام أبدا ولا تحب الديوك وتتأمل الجدار دائما ،وكما يقول علماء النفس بأن ما يحدث في طفولتنا يؤثر علينا عندما نكبر ؛لهذا أظن بأن هذه الدجاجة مجنونة ،فهي تأكل بشراهة تأكل ولا تنام أبدا ،حتى أنها لا تنام إلا عندما تسقط صريعة من أثر السهر المستمر ،وعندما تحس بوجود قط تهرب إلى المطبخ وتغلق الباب عليها ،نعم إنها تعرف كيف تغلق وتفتح باب المطبخ .

أنا جائع لا أكترث بكونها مجنونة أو لا،وهي ضخمة مثل ديك تركي، لكني لا أشعر بأنها ملكي ؛ لا زلت أنظر إلى الحائط أنتظر ذلك القط حتى يأتي ويأخذها وإن لم يستطع نأكلها معا .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

اترك تعليقاً