الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / العقل بين فتح الله و آثار الآخر

العقل بين فتح الله و آثار الآخر

large (7)

فوزي بسام:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

أثناء مشاهدتي لشبه مناظرة بين شيخي فقه و حديث و أحد ما يمكن أن نطلق عليهم بـ : “المجددين في الدين” ، لاحظت تشبث الأخير بما يمكن أن نطلق عليه : “انفتاح العقل” ، و بغض النظر عن تقييمنا لمدى نجاعته في استعماله للشعار ، فإن هذا القول يذكرني بجدلية “العقل و النقل” الشهيرة ، و على وجه العموم جدلية : “التراث و التجديد”

إننا اليوم كأمة إسلامية متهمون بالجمود العقلي ، و تراثنا متهم بالانغلاق و الرجعية ، و لأجل هذا ، فإننا سنبدأ بالحديث من جهة المدعين ، أي أننا سنتحدث أولا عن “انفتاح العقل” …

و الذي نعني به : تقبل حجج المخالفين ، و بمعنى أوسع : تقبل العقل لمختلف الأفكار ، مهما كان مصدرها أو تيارها الفكري و الثقافي

و لا شك بأن هذا من خصائص العقل البديهية ، بوصفه آلة نفسية تعقل الأمور ، فحتى رده للأفكار المخالفة بحكم نموذجه الإدراكي الخاص ، و الذي يمكن أن نعتبره محكمة عقلية لمختلف الأفكار ، لا يعني إنكار وجودها ، و إنما يعني بأن العقل بنموذجه الإدراكي الخاص حكم عليها بالصواب أو الخطأ ، و لكن لم ينكر وجودها … فإن قيل بأن : هذه الحكمية هي الانغلاق التي نريد أن نحاربه ، قلنا بأن محاربته يعني إعدام العقل ! لأن العقل من حيث هو آلة نفسية تمسك ما تمسك و ترد ما ترد ، و من حيث ابتغاءها للوصول إلى الحق ، لابد أن تصدر حكمها بصواب أو خطأ الفكرة المعروضة عليه ، فإن لم يكن ذلك ، كان الكل صوب ، و بالتالي أدى ذلك حتما إلى اجتماع النقيضين و الحكم على كليهما بالصواب ! أو على الأقل ، و بناء على المنهج الشكي الما بعد حداثي (المنفلت في الإطلاق) ، كان الكل يحتمل التصويب و يحتمل التخطيء ، و بالتالي لم يكن للعقل قدرة على البناء ، و من ثمة عجز عن البناء ، لأن جمع النقيضين هدم ! … و كل هذا من مقتضيات الانتحار العقلي !

فإذا وجود العقل مرهون بقدرته على الحكم …

تبقى الإشكالية هنا ملخصة في قدرته على تقبل الأفكار التي يراها خطأ بحكم نموذجه الإدراكي الخاص ، و من الواضح أن الأمر ليس مرتبط بالحكم عليها عقليا ، بل بقدرة النفس على تقبل فكرة وجودها ، أي اتساع النفس لها ، و عدم تضايقها بها ، فبالأساس محاكمتها عقليا لا يمكن أن تتم إلا بتقبل وجودها ، فمن المنطقي بأنه لا يمكن محاكمة العدم !

فإذا ، الانفتاح العقلي هو في أصله إمكانية نفسية ، و ليس مجرد إمكانية عقلية ، فتلخيصه في كونه مجرد إمكانية عقلية ، يعدم العقل ، كما رأينا في سالف السطور …

فإن قيل : ماذا لو كان النموذج الادراكي في حد ذاته على ضلال ؟ قلنا بأن تشكل النموذج الادراكي لا يتم بالعقل بحد ذاته ، و إلا وقعنا في مغالطة منطقية ، مفادها أن العقل يشكل نفسه ، و الحال يصبح هنا كالآتي : محاكمة محكمة العقل  بمحكمة عقلية أعلى ، ثم محاكمة الأخيرة بمحكمة عقلية أعلى منها ….. و هكذا دواليك إلى ما لا نهاية ! و هذا محال … و إلا ، لم يكن هنالك إلا محكمة واحدة للعقل ، هي المحكمة العقلية العليا -أي في إطار العقل- ، و محاكمتها هنا ستتم لزوما بدون عقل ، و الحكم هنا حتما سيكون اعدام للعقل !

و لذلك سنؤجل الحديث عن أمر تطور النموذج الادراكي (إما صعودا أو نزولا) ، و لنكمل حديثنا عن انفتاح النفس

و لا يخفى على أحد ، بأن مجال تداول النفس هو الشخصيات ، أو بكلمة أدق : “الذوات” ، فتداولها إذا تخاطبي ، لأنه يخاطب الذوات ، فانفتاح النفس على الأفكار إذا يجعلها تخاطب الأفكار كذوات ، هي بالفعل ذات موجودة (بغض النظر عن الحكم عليها) ، و لا ينكر وجودها عاقل … كما لا يخفى على أحد أيضا ، أن تداول النفس لا يكون إلا قيميا ، أي بمعنى لا يكون إلا أخلاقي الطبيعة ، فكلما تأخلقت النفس أكثر كان حكمها قيما بشكل أكبر ، بغض النظر عن أي حكم عقلي عليها …

فإذا كان هذا ، تخلص الإنسان المعروض عليه الفكرة من أي خلفيات مسبقة عن الفكرة ، أو حامل الفكرة من الناس ، و اقتضى من ذلك الحكم العادل على الفكرة …

على أن الحكم العادل على الفكرة يقتضي بالضرورة متابعة مسلك انبناءها فكريا ، ما لم تكن بديهة ، فالأخيرة هي التي تدخل ضمن اطار النموذج الادراكي و الذي سنتحدث عنه لاحقا …

فإذا كان الأمر كذلك ، اقتضى أمر المحاكمة العقلية العادلة أن تتبع مسالك انبناء الفكرة المخالفة ، حتى يبلغ محاكمتها مبلغ العدل ، و هذا الأمر يوجب أن الانفتاح على الآخرين ، يقتضي الانفتاح على آثارهم ، وفق القاعدة الأخلاقية : اعذار الآخرين … و هو ما ينقص نسبة كبيرة جدا من محاكمي تراثنا الإسلامي –للأسف الشديد-

و الانفتاح على الآخر ، الذي قلنا عليه بأنه ذات –مهما كان نوعها- ، من حيث كونه عمل أخلاقي ، يقتضي بالضرورة عدم التمركز حول الذات ، فقد رأينا كيف أن الانفتاح يؤدي إلى قبول الآخر و جذوره الفكرية و الثقافية ، و من ثمة أمكن محاكمته عقليا وفق النموذج الإدراكي الذاتي ، فإن قبل أضيف ، و إلا رد ، و لم ينفي ذلك وجوده …

على أن الفكرة –ما لم تكن بديهة- ، لا ترد بكليتها و لا تقبل بكليتها ، بل فيها ما يرد و فيها ما يقبل …

أيا كان ، فإن رد الفكرة أو قبولها لا يتم إلا بإدراكها و أصولها الثقافية و الفكرية ، أي بمعرفة ظروف نشأتها التاريخية ، أي بمعنى معرفة كيف انبثقت في تاريخها ، و على مستوى جغرافيتها ، أي كيف كان تفاعلها مع الظروف الزمانية و المكانية المحيطة بها ، و هذا مبلغ الاعذار …

و الذي قلنا بأنه في أصله عمل نفسي أخلاقي ، و الذي جوهره و غايته : طلب الحقيقة ، و ليس نصرة الذات ، لأن كل الذوات في نهاية المطاف هي لله ، نحن مؤتمنون فيما نحن مكلفون بها فحسب (من وجهة نظر استخلافية) ، فبهذا العمل الأخلاقي يستوي السعي الأخلاقي ، أي بمعنى آخر تستوي المحاججة …

فعلى ضوء ما قلنا في الفقرة السابقة ، ليست غاية العملي العقل نصرة فكرة بعينها ، أو رد فكرة بعينها نصرة لأخرى ، تتمحور حولها الذات تعصبا ، رافضة لأي فكرة مخالفة لها ، بل هو طلب الحق مرضاة لله ، أي بمعنى : لوجه الله خالصا ، و لاشك بأن هذا العمل الأخلاقي هو أعلى مراتب العمل النفسي

من هنا يتبين بأن الفتح العقلي متعلق أول ما يكون بالجانب الغيبي أو تعاملنا معه ، فإن أنكرناه أضلنا الله ، و إن طلبناه فتح الله علينا في أنفسنا و في عقولنا تباعا ، بما في ذلك النموذج الادراكي

فالنموذج الادراكي هو في حقيقته جملة من البديهيات التي تحاكم الآخر ، فهي إما فطرية أو تاريخية ، و كلاهما بيد الله

و لا شك بأن درجة تعلقنا بالغيب ، أو بمعنى أصح : درجة استواء تعلقنا بالغيب ، تحدد درجة صحة منظومتنا القيمية أو الأخلاقية ، من ثمة تحدد تباعا درجة تقبلنا للآخر ، بين حدي “العصبية” و “الانفتاح” …

ذلك أن جملة الوجود يستحيل استيعابه عقليا ، إنما نحن نأخذ التفاصيل بالعقل ، و أما استواء الكليات في عقولنا ، و التي تمثل بديهيات النموذج الإدراكي ، و التي تحدد بدورها صحة سعينا الأخلاقي ، هي من فتح الله ، فاقتضى ذلك لأن تكون صحة عملنا العقلي من فتح الله علينا …

فالكليات تمثل القانون العام الذي يتناسق مع جملة الوجود ، فكلما كانت بديهيات العقل أو كلياته الخاصة ، أكثر تناسقا مع الوجود ، كلما اعتدل نموذجنا الإدراكي أكثر ، و بالتالي اعتدل سعينا العقلي أكثر ، و زاد قبولنا النفسي للآخر ، و من ثمة اعتدلت محاكمتنا له ، و العكس بالعكس أيضا صحيح …

فإذا ، انفتاحنا على الآخر ، سواء أكان ممن عاصرونا أو سبقونا ، سواء أكان من تاريخنا أو تاريخ غيرنا ، يتطلب أولا الانفتاح على الغيب ، لأن الانفتاح عليه يؤدي حتما إلى انفتاح النفس على الآخر ، هذا من جهة ، و من جهة أخرى يؤدي إلى استواء نموذجنا الادراكي و من ثمة اعتدال عملنا العقلي الحكمي على الفكرة الموضوعة للمحاكمة …

فتح الله علينا و عليكم …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

اترك تعليقاً