الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / المنهج: بين العلوم الطبيعية ودراسة الأدب ( 1 )

المنهج: بين العلوم الطبيعية ودراسة الأدب ( 1 )

f6rmEnglishLiterature

بقلم : رينيه ويلِك و وأوستن وارن

ترجمة خاصة : يس المك

للتواصل مع صفحة المترجم على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

بداية ينبغي علينا التمييز بين الأدب ودراسة الأدب، لأنهما نشاطين مختلفين تماماً: أحدهما نشاط إبداعي فني، والآخر هو نوع من التعليم أو المعرفة إن لم يكن علماً. بالطبع هناك محاولاتٌ لطمس هذا التمايز، كالنقاش القائل أن الفرد عاجزٌ عن فهم الأدب ما لم يكتبه، ولا يقدر، بل لا ينبغي له دراسة بوب (ألكسندر بوب: شاعر إنجليزي 1688-1744م) ما لم يحاول كتابة أشعاره الخاصة، أو دراسة المسرح الإليزابيثي (نسبة لعهد لملكة إليزابيت) دون محاولة كتابة مسرحيته.

ورغم أن تجربة خلق الأدب مفيدة لطالب دراسة الأدب إلا أن مهمته مختلفة تماماً، إذ يجب عليه ترجمة تجربته الأدبية في مصطلحاتِ ثقافية فكرية، واستيعابها في مخططٍ متماسك، يكون منطقياً، إذا أُريد لها أن تكون معرفة. ربما يبدو صحيحاً أن موضوع دراسته غير عقلاني، أو على الأقل يحتوي عناصر لا عقلانية، لذا لن يكون أكثر من مؤرخ للوحة أو قطعة موسيقية، أو محلل أو عالم نفس بالنسبة لموضوع دراسته.

من الواضح أن بعض المسائل المعقدة نشأت بفعل هذه العلاقة –علاقة الأدب بدراسة الآداب- وتعددت الحلول المقترحة لها، فبعض المنظرين ينكرون ببساطة أن الدراسة الأدبية هي “معرفة”، وينصحون بدلاً عن ذلك بمصطلح “خلق ثاني”، ونتائج هذا المقترح تبدو عديمة الفائدة في الوقت الحاضر، فوصف مثل الذي قدمه والتر بيتر (ناقد وكاتب بريطاني 1839-1894م) للوحة الموناليزا يعتبر نقداً مبدعاً، ولكنه استنساخ لا حاجة له، أو في أفضل الحالات هو ترجمة عمل فني في علم آخر، يكون دائماً أدنى مرتبة. مجموعة أخرى من المنظرين يرسمون من مباينتنا بين الأدب ودراسته خلاصات مشككة، فهم يجادلون: أنه لا يمكن دراسة الأدب على كل حال، يمكننا فقط قراءته وإمتاع أذهاننا، ثم تقديره، ولا يمكننا بعد ذلك غير جمع كل أنواع المعلومات حوله. في الواقع، إن مثل هذا التشكيك أكثر انتشاراً مما يظن المرء، وعند هؤلاء يظهر عند الممارسة في استسخاف كل المحاولات لتجاوزهم. إن التقدير، التذوق، والتفاعل متروكين للفرد كشيء لا يمكن تفاديه، وبالرغم من ذلك فهي هروب غير موفق من بساطة المعرفة الحقيقية. أما هذا الانفصام بين “معرفة” و “تقدير” فلا يشكل بنداً في دراسة الأدب الحقيقية، سواء أدبياً أو منهجياً.

المشكلة هي: كيف نتعامل فكرياً مع الفن، ومع الأدب تحديداً؟ هل يمكن فعل ذلك؟

إحدى الإجابات أنه يمكن فعل ذلك من خلال النظريات المطورة بواسطة العلوم الطبيعية، والتي لا تحتاج غير نقلها إلى مجال دراسة الأدب، ويمكن تمييز العديد من عمليات النقل هذه: واحدة منها هي محاولة محاكاة المُثُل العلمية العامة في الموضوعية، الحياد، واليقين .. محاولة في مجملها تدعم جمع حقائق محايدة. ومحاولة أخرى هي الجهود المبذولة لتقليد نظريات العلوم الطبيعية من خلال السوابق السببية ونشأة العمل. عملياً فإن “نظرية التوريث” هذه تبرر تتبع أي نوع من العلاقات ما دام أنها قائمة على الاتصالات الزمنية. وبتطبيق أكثر صرامة تُستخدم نظرية السببية العلمية لتفسير الظاهرة الأدبية لدواعي تحديد الأسباب للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. مرة أخرى فإن هناك تقديم للنظريات الكمية التي استخدمت بصورة مناسبة في العلوم مثل الإحصاء، المخططات، والرسوم البيانية. وأخيراً هناك محاولة لاستخدام مفاهيم علم الأحياء في تتبع تطور الأدب.

في الوقت الحاضر هناك تقريباً اعتراف عام أن محاولات النقل تلك لم تُرضِ التوقعات كما أُريد لها في الأساس. لقد أثبتت النظريات العلمية فعاليتها في بعض الأحيان في نطاق ضيق بصورة مقيدة، أو مع إمكانيات وتقنيات محدودة، مثل استخدام الإحصاءات في مناهج بعينها في نقد النصوص، لكن معظم المروجين لغزو النظريات العلمية لدراسة الأدب إما اعترفوا بالفشل وانتهوا إلى التشكيك، أو أراحوا أنفسهم بأوهام تتعلق بنجاحات مستقبلية لمناهج العلم. وهكذا كان إيفور آرمسترونغ ريتشاردز (ناقد أدبي وعالم بلاغي بريطاني 1893-1979م) يشير إلى الانتصارات المستقبلية لعلم الأعصاب، مؤكداً على الحلول لكل المشكلات الأدبية (الأدب ودراسته).

ينبغي علينا العودة لبعض المشكلات التي نشأت بسبب التطبيق الواسع للعلوم الطبيعية على الدراسة الأدبية، والتي لن تنصرف بسهولة. وبلا شك، فإن هناك مجال واسع لاتصال المنهجيتين أو حتى تداخلهما، فهناك مناهج أساسية مثل الاستقراء، الاستنباط، التحليل، التوليف، والمقارنة هي شائعة في كل أنواع المعرفة المنهجية. لكن الحل الآخر الذي يعلن عن نفسه بوضوح هو: أن المعرفة الأدبية لها مناهجها الفعالة، والتي ليست دائماً هي مناهج العلوم الطبيعية، ولكنها مناهج فكرية. إن المفهوم الضيق للحقيقة فقط هو الذي يستثني إنجازات العلوم الإنسانية من عالم المعرفة، فلوقتٍ طويل قبل التطور العلمي الحديث، أخرجت الفلسفة، والتاريخ، وعلم التشريع، واللاهوت، وحتى علم اللغة –أخرجت هذه العلوم مناهج معرفة فعالة، ربما تم حجب إنجازاتها بالانتصارات النظرية والتطبيقية للعلوم الفيزيائية الحديثة، ولكنها تظل حقيقية ودائمة، وفي بعض الأحيان يمكن بسهولة إنعاشها أو تجديدها ببعض التعديلات. وينبغي الاعتراف ببساطة أن هناك ذلك الفرق بين مناهج وأهداف العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

كيفية تحديد هذا الفرق لهو أمرٌ معقّد، ففي بواكير عام 1883م قام فلهلم دلتاي (فيلسوف وطبيب نفساني ألماني 1833-1911م) بالتفريق بين مناهج العلوم الطبيعية التاريخية من حيث تباين التفسير والاستيعاب، يقول دلتاي: أن اعتبارات العالِم للحدث تكون من حيث سوابقه السببية، بينما يحاول المؤرخ فهم معنى الحدث، هذا الفهم بالضرورة فردي وذاتي. بعد ذلك بعام هاجم فلهيلم فندلباند (ألماني، فيلسوف ومؤرخ للفلسفة 1848-1915م) الرؤية القائلة أن علماء التاريخ يجب أن يقلدوا مناهج علوم الطبيعة، فالعلوم الطبيعية تهدف لتأسيس قوانين عامة، بينما المؤرخون يحاولون فهم الحقائق الفريدة وغير المتكررة. هذه الرؤية استفاضت وتم تعديلها بواسطة هينريتش جون ريكرت (فيلسوف ألماني، وأحد قادة الكانطية الجديدة 1863-1936م) الذي رسم حداً بين مناهج التعميم والتفريد كما في العلوم الطبيعية والعلوم الثقافية، فهذه الأخيرة -كما يراها ريكرت- مهتمة بالفرد، ولكن هؤلاء الأفراد لا يمكن اكتشافهم وفهمهم إلا بالرجوع إلى مخططٍ من القيم، والذي هو مجرد تعبير آخر للثقافة. في فرنسا ميَّز ألكساندرو ديميتري زينوبول (1847-1920م) العلوم الطبيعية بوصفها مشغولة بحقائق “التكرار”، والتاريخ بوصفه مشغولاً بحقائق “التعاقب”. وفي إيطاليا بنى بينيديتو كروتشي فلسفته بالكامل على منهج تاريخي يختلف تماماً عن منهج العلوم الطبيعية.

الجدل المطوّل حول هذه المسائل من شأنه أن يتضمن قراراً حولها، كتقسيمات العلوم، فلسفة التاريخ، ونظرية المعرفة، ولكن حتى الآن هناك القليل من الأمثلة القوية التي على الأقل تبين أن هناك مشكلة حقيقية على طالب دراسة الأدب مواجهتها. لماذا ندرس شكسبير؟ من الواضح أننا لسنا مهتمين في المقام الأول بما يشاركه شكسبير مع كل الرجال، لأنه يمكننا حينها دراسة أي رجل آخر، ولسنا مهتمين بما يشاركه مع الرجال الإنجليز، أو كل رجال النهضة، كل أتباع إليزابيث، كل الشعراء، كل المسرحيين، أو حتى كل المسرحيين الإلزابيثيين، لأنه في تلك الحالة يمكننا أيضاً دراسة “ديكر” أو “هوليوود” .. نريد بالأحرى اكتشاف شكسبير بجانبه الغريب، ما الذي يجعل شكسبير شكسبير؟ وواضحٌ أن هذه مسألة قيمة وفردانية. وحتى عند دراسة فترة ما، أو حركة عامة، أو أدب قومي محدّد، فإن طالب الآداب يكون مهتماً بها كـ “فردانية” بصفات وقيم شخصية، هي ما يميّزها من المجموعات الأخرى.

يمكن تدعيم قضيّة الفردانية بنقاش آخر: فمحاولات إيجاد قوانين عامة في الأدب دائماً فاشلة. مثال ذلك قانون م.كازامين المُدعى للأدب الإنجليزي أن “تأرجحات إيقاع العقل القومي –بين قطبي الفكر والشعور- بمصاحبة التأكيد العميق أن هذه التأرجحات تتسارع كلما اقتربنا من العصر الحاضر” إما أنها تافهة أو خاطئة، فهي تتهاوى تماماً عند تطبيقها على الحقبة الفكتورية. إن معظم هذه القوانين تصبح بالكاد إتساقات نفسية كفعلٍ ورد فعل، أو اتفاق وتمرُّد، والتي حتى لو كانت مؤكّدة لا تستطيع إخبارنا أي شئ ذو أهمية حقيقية عن المراحل والعمليات الأدبية. بينما قد ترى الفيزياء أن أكبر انتصاراتها تنحصر في بعض النظريات العامة في الصيغة الكهربائية والحرارية، الجاذبية، والضوء. فلا يوجد قانون عام يمكن افتراضه لتحصيل الغرض من الدراسة الأدبية: فكلما كان عاماً كلما كان مجرداً، لذلك كلما سيبدو الأدب والدراسة الأدبية فارغين، كلما كان موضوع الفن تجريدياً وسيراوغ استيعابنا.

وهكذا فإن هناك حلين نهائيين لمسألتنا، أحدهما أصبح عصرياً بفضل هيبة العلوم الطبيعية، وهو يحدد المنهج العلمي والتاريخي، ويقود إما لمجوعة الحقائق المجردة أو إلى تأسيس قانون تاريخي شديد التعميم. الحل الآخر ينكر أن المعرفة الأدبية هي علم، ويؤكّد على الصفة الشخصية “للفهم” الأدبي و”الفردانية” وحتى “التفريد” لكل عمل أدبي، ولكن لهذا الحل المضاد للعلم في صيغته النهائية مخاطر واضحة، فربما يقود “الحدس” الشخصي لمجرد التقدير العاطفي، وللذاتية التامّة. لتقليل “فردانية” وحتى “تفريد” أي عمل أدبي –رغم نفعهما كردة فعل ضد التعميم المجاني- يجب نسيان أنه لا يوجد عمل فني يمكن أن يكون “فريداً” بالكامل، طالما أن ذلك العمل حينها سيكون غامض وغير قابل للفهم تماماً. صحيحٌ بالطبع أن هناك “هاملت” واحد أو حتى “أشجار” واحدة بواسطة جويس كيملر، لكن حتى كومة القمامة فريدة من حيث أن دقة نسبها، موقعها، ومكوناتها الكيميائية لا يمكن استنساخها بدقة، علاوة على ذلك فإن كل الكلمات في أي عمل أدبي “عامة” بطبيعتها المحضة وليست خاصة. إن المشادّة بين “العالمي” و “الخاص” قائمة منذ أن أعلن أرسطو أن الشعر أكثر عالمية، وبالتالي فلسفي أكثر من التاريخ الذي يتعلق فقط بالمُعيَّن. ومنذ أن أكّد د.جونسون “أن الشاعر لا ينبغي له حصر نفسه”. الرومانسيين والنقاد الأكثر عصرية لا يكلّون من حصر خصوصية الشعر، ونسيجه وواقعيته، لكن على المرء الاعتراف أن أي عمل أدبي هو عام وخاص –أو بصورة أحسن- عام وفردي في آن.

يمكن تمييز الفردانية من الخصوصية التامة والتفريد، مثل أي بشري، فإن لكل عمل أدبي خصائصه الفردية، لكنه أيضاً يشارك صفات مشتركة مع الأعمال الأدبية الأخرى، تماماً مثل رجل يشارك صفات من الإنسانية مع كل أفراد جنسه، قومه، طبقته وحرفته…إلخ. وهكذا يمكننا تعميم الأعمال المتعلقة بالفن، المسرح الإليزابيثي، وكل المسارح، والأدب والفن. إن النقد الأدبي والأدب التاريخي كلاهما يحاولان تمييز فردانية عمل ما، لكاتب ما، بحقبة أدبية، أو أدب قومي، لكن هذا التمييز لا يمكن إنجازه إلا بالشروط العالمية، بإتباع قواعد النظرية الأدبية، فالنظرية الأدبية، كمجموعة مناهج، هي أعظم حاجة للمعرفة الأدبية في يومنا هذا.

بالطبع هذه المثالية لا تُقلل من أهمية الفهم العاطفي والمتعة كشروط مسبقة لمعرفتنا، وكذلك تأملاتنا في الأدب، لكنها، فقط، شروط مسبقة. إن القول بأن الدراسة الأدبية تخدم فن القراءة فقط لهو إساءة لفهم مثالية المعرفة المنظمة، مهما كان هذا الفن مهماً ولا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لدارس الأدب. وبالرغم من أن “القراءة” مستخدمة بصورة واسعة حتى لتحتوي الفهم النقدي والعقلانية، إلا أن فن القراءة مثالي للتطوير الذاتي المحض. كما أن هذا الفن مرغوب بشكل كبير، ويستخدم كقاعدة للانتشار الواسع للثقافة الأدبية، وعلى كل حال لا يمكن للقراءة استبدال مفهوم “المعرفة الأدبية” محمولاً كتقليد شديد الذاتية.

يتبع …

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً