الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / بريد القراء: لماذا نكتب؟

بريد القراء: لماذا نكتب؟

large (1).jpg

المقداد عبد الله:

**

كثيرا ما سألت نفسي هذا السؤال – أثناء قبضي متلبسا بفعل الكتابة – “بتكتب ليه؟” ، قد يكون الرد كما رددت على نفسي الآن “وأنت بتسأل ليه؟” كنوع من الإلتفاف الخبيث والإجابة على السؤال بسؤال ،ولكن ليس ضروريا الهرب من سؤال إجابته منه ، فالسؤال عن الكتابة ستكون إجابته بالكتابة أيضا ، ولربما الرد الأنسب :”بسأل عن الكتابة عشان اكتب الإجابة”.

الكتابة نوع من التعبير في شكل تدوين وتسطير ، تهدف لحفظ خبرات الكاتب الحياتية من مشاعر وأفكار -أفراح وآلام مقترحات وآراء حجج ونظريات وذكريات وحتى “خستكات” – وقدمت هنا المشاعر على الأفكار عن قصد ، لعلمي أن معظم ما يكتب لا يخرج عن دائرة التعبير عن المشاعر وان ظهرت بمظهر المنطق ، فالمنطق أكثر ما يستخدم للتعبير وتبرير التصرفات العاطفية غير العقلانية وكأنما انسب تعريف للإنسان انه “حيوان فاقد حنان” ، وبالنظر لثرثرته “الإنسان حيوان طويل اللسان”.

وأذيع لك سرا عزيزي القارئ أن التعريف أعلاه لم يذكر جزافا وإنما كتبته هكذا بصورته الرسمية الرتيبة لعلمي انه سيذكرك بأيام الدراسة والحفظ والجلد أيضا ، وبذلك أكون أيضا انتقلت لنقطة أخرى من أغراض الكتابة فهي ليست وسيلة للحفظ فقط بل وللنقل أيضا ، نقل ما أحس وأفكر فيه من داخل كياني المحدود إلى داخل رؤوسكم وقلوبكم وربما جلودكم ، هل هذا يشير أدنى إشارة إلى أنكم -القراء- الهدف المنشود والحبيب المقصود من الكتابة ، لا وكلا وحاشا و…، الكتابة في الأصل فعل أناني محض تنطلق من الأنا وموضوعها الأنا وجمهورها لي أنا –لم تفهم ؟ قرب أذنيك اقصد عينيك – الكاتب عندما يكتب –سواء علم أم لم يعلم- موضوعه الجوهري الوحيد هو نفسه وحوله ، آلامه أحلامه نجاحاته إخفاقاته ذكرياته هو هو هو ، وأين قراؤه ؟ أنت قلتها بنفسك هم قراء هو!

قد تصف الكتاب بالأوغاد – كم أود وضع كلمة انجليزية هنا بذات المعنى ، لأدرجها لأثبت لكم براءتي منها – ولكن تمهل ، صحيح أن الكاتب يكتب لنفسه وعن نفسه في المقام الأول ولكن هذا لا ينفي انه أيضا يعنى بأن تنتقل كلماته إلى الآخرين ليشاركهم كلماته التي تمثل حياته إثراء له ولهم ، فاحتفاظ المبدع بكتابته خنق لها في مهدها ، أما نشرها فاحتمال لاستمراريتها ،تماما كما يقول اللغز “البايخ” ما الشيء الذي يخصك ويستخدمه غيرك أكثر منك؟ أكيد كتابتك . لا زلت منزعجا ، حسنا أي علاقة سوية قائمة على النفع المتبادل ، فالقارئ إن لم يجد ما ينفعه في ما تكتب –يضحكه ، يبكيه ، يعلمه ، يدغدغه و…- لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تجبره على القراءة “خاصة إذا كان طويلا كمقال احدهم”.

إذا لامس المبدع الكتابي قلوب وعقول القراء بقوة –إرضاء لغروركم- سيظل العمل حاضرا خالدا ما دامت الكلمات تجد من يعي معانيها ، صحيح انه قد يكتب احدهم ولا يجد من يقرأ ، وصحيح أيضا انه قد يكتب ويتساءل عن جدوى ما يكتب بل ويستخف ويستهزأ هو نفسه من كل ما كتب ، ولكن أليست الكتابة تعبير عن الحياة ؟ ألست عندما تصف ما كتبته في الماضي بالتفاهة –مثل وصفي لما اكتب الآن- دليل على تجاوزك لمفاهيمك وأوهامك السابقة وبالتالي نموك ، أو ليست الحياة نمو ، انتقل أيها الكاتب من وهم لوهم ولكن لا تفقد حماستك للكتابة ، لربما تتردد صدى كلماتك بعد وفاتك ، أو ليست تلك أقصى أمانيك؟

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً