تَحليقْ

large (7)

مجاهد الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“شد عضلات جسمه الغض، لتصبح قامته ممشوقة تماماً وهو يقف على أمشاط قدميه، فيما هبوب الريح يُموج ملابسه بنعومة. ليبدو في حالته تلك وهو فاردٌ يديه كطائر على أهبة التحليق،كتمثال المسيح الذي يلقي بظلاله على فضاء تلك المدينة. ثم شهق بصوت شجي تفجر في مكامن ذاته وشعر بنفسه خفيفاً؛ بل دون وزن كذرة هواء. فها قد تمكن أخيراً – بعد معارك ضارية خاض غمارها لأكثر من شهر – من التغلب على تلك الرغبة ضاربة القدم في البقاء”..

هكذا كنت تنسج أحداث قصتك وأنت تقف على قمة مبنى الإذاعة شاهق الارتفاع ورحت تنسج ملامح المشهد التالي:”كل شيء تغير عصر ذلك اليوم .

فبعد نزوله بصعوبة بالغة من الباص المتكدس بالبشر، عدل من وضعية قميصه بحركة تنم عن امتعاضه من السائق الذي فوته محطة المنزل في محاولته البائسة للحاق بإشارة المرور الخضراء. شرع يفكر بغيظ بالمسافة التي يتوجب عليه قطعها، رائحة الباص الكريهة العطنة؛ العالقة بأنفه، ثرثرة الركاب وإزعاجهم. لكن كل هذه الأفكار تلاشت لحظة رفعه لرأسه واصطدام نظره بمشهد ذلك البعير. كان المشهد ليكون عادياً بالنسبة له حتى لو أخذنا في الاعتبار جسد البعير الهزيل والتقرحات التي تغطي مساحات واسعة من ظهره وبقية جسمه، أو حتى الطريقة التي يمضغ بها العلف اليابس الذي يتلقفه من الكيس المتدلي أسفل عنقه والتي تسبب القرف. لكن ما لم يجعله عادياً أن عيني البعير كانتا معصوبتين عن الرؤية بقطعة قماش حمراء فيما يتحرك في دائرة لا يتعدى قطرها الأربعة أمتار؛ موثوق إليها بجذع خشبي يمتد من إناء مجوف في مركز الدائرة. حينها انتابه دوار حاد، شعر بثقل في مؤخرة رأسه، وبشيء مثل الحنظل يندلق في تجويف حلقه، سمع قرير الدم الساخن يهدر داخله. أحس بالكره وتفاهة كل شيء من حوله. تسمر في مكانه غير قادر على الحركة، ظل مشدوهاً في وقفته تلك يرقب الحركة المتكررة واللانهائية للبعير. ولم يتحرك من مكانه إلا عند غروب الشمس حين حُلَ وثاق البعير وجمعت إنتاجية اليوم التي يبدو أنها كانت جيدة من الابتسامة التي تهلل بها وجه صاحب “معصرة الزيت”.

بالكاد كان يرى أمامه بعينين شبه مغمضتين وهو يزرع الشارع بخطوات متثاقلة، وصل البيت بصعوبة بالغة كان يشعر بالغثيان. دلف إلى غرفته دون أن يلقي تحية على أحد، ارتمى على السرير كجثة هامدة. وفي اليوم التالي تعمد أن ينزل من الحافلة في نفس المكان، ثم في اليوم الذي يليه. لاحظ أفراد أسرته بعض التغيرات التي اجتاحته: الملابس التي لم يعد يهتم بها، النظرة الذاهلة التي اكتست ملامحه، التأخر في الرد وصمت مطبق في أغلب الأحيان، مكوثه في غرفته لفترات طويلة يحدق خلالها في العتمة دون أن يفكر بشيء محدد؛ فقط هيجان عقلي حاد.

بعد أسبوع كان قد ترك العمل دون أن يخبر أحداً، وفي صبيحة اليوم التالي جمع في حقيبته ما يدخره من مال إضافة لبعض ملابسه وأشياء أخرى ك (…) و(…) التي نأخذها في السفر قبل تسلله من المنزل، الشيء الوحيد الذي تركه كان قصاصة ورق صغيرة كتب عليها: “وداعاً! “. سافر في رحلة تركها تنطلق كما اتفق، جاب مدناً كثيرة، سكر وترنح وبكى كطفل أضاع والدته في الزحام، خاض شجارات دون أسباب، صنع صداقات عابرة، تنقل من سرير امرأة إلى حضن أخرى، نام على الأرصفة وفي الخيران، حضر حفلات للزار وأخرى للذكر، رقص خلالهما وأغمي عليه. أربعة أشهر كاملة قضاها في خوض تجارب من هذا النوع، لا يعلم الهدف منها. وقبل ما يقارب الشهر تملكته هذه الرغبة العجيبة؛ أراد أن يجرب التحليق؛ شعور أن تكون ساقطاً من على الهاوية والنشوة التي تصاحب إدراك ذلك، ثم تفرقع العظام وتطاير الأشلاء في الفراغ لحظة الارتطام بقاعدة المبنى الأسمنتية.

شهر كامل من الأرق وعدم النوم، اللهفة والتي يعارضها الجسد برغبة البقاء. كان يصعد يومياً إلى قمة مبنى الإذاعة، واليوم فقط، في هذه اللحظة، تخلص من كل تلك الهواجس والقيود التي يفرضها الجسد بوعيه لحقيقة الفناء، ليقف على حافة المبني ثم….”

مهلاً! ماذا تفعل أنت أيها المجنون، لماذا تقف على حافة المبنى، تشد على عضلات جسمك الغض، لتصبح قامتك مشدودة تماماً، تطفر دمعة حارة من عينيك، يا إلهي! إنك تقفز.

الهوامش:

تحليق: هي آخر قصة كُتبت في المجموعة القصصية الموسومة ب”حيوات” لكاتبها (…) والذي دارت الكثير من الشكوك حول كيفية موته. حيث وُجد ميتاً في شقته وهو يجلس على كرسيه بينما كانت مسودة القصة ترقد في حجره وما زاد الحادثة غموضاً أن تحليل الطبيب الشرعي أقر بوجود نزيف داخلي وتهشم في العظام كنتيجة للسقوط من ارتفاع شاهق-الناشر

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

تعليق واحد

  1. Thank you for the sensible critique. Me & my neighbor were just preparing to do some research about this. We got a grab a book from our area library but I think I learned more from this post. I am very glad to see such great information being shared freely out there.

أضف تعليقاً