الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / عن بورخيس والأفلام 

عن بورخيس والأفلام 

 screenshot_2016-10-20-01-48-00-1-1

لكي نتحدث عن بورخيس علينا دوما أن نلجأ الى بورخيس ، أن نصفه من خلال أفكاره ومفرداته ؛  في قصته  ” الألف ” يعثر أحدهم على النقطة التي تحوي كافة النقاط ، تشتمل على كل أزمنة وأمكنة الكون ، وحين يطلع عليها تصبح جميع الأشياء التي يراها في الواقع مألوفة بالنسبة اليه ، عندها يخشى أن يفقد الدهشة فقد رأى كل شيء في تلك النقطة .  يمكن أن يكون بورخيس هو تلك النقطة معرفيا بالنسبة لنا ، ” الألف ” الأدبي والفلسفي لزماننا . 

لقد ابتكر بورخيس  أفكارا فنتازيا ، خلق يوتوبيات مثالية ، منح أفكارا فلسفية سيرورة وحركية القصة ، بأسلوب محكم وعبر حبكات أقرب الى القصص البوليسية والمغامرات  . مستخدما تلك الأمثولات لمقاربة تصورات عن : الله ، عملية الخلق – للكاتب أو الرب الذي هو كاتب أيضا – ، ما يكوننا ويمحونا : الزمن ،   فوضى العالم التي هي شكل آخر لنظامه ، وعن نهر طويل ومتشعب من الأفكار المتعلقة بإدراك الانسان للوجود والأشياء ، تكوينه الذهني  ، وفي كل قصصه وأمثولاته يلوح ظل ممتد لبؤس الانسان وعبثية وجوده . يُعلل بورخيس عدم كتابته الرواية  – وبسخرية دوما – لكونه كسولا ولأسباب جمالية تتعلق برفضه لخصائص النوع الروائي – الطول الذي يضعف الحبكة  ، الوصف المفرط للواقع ، والنزعة المتطرفة لتفسير الشخصيات سيكولوجيا –  يمكننا أن نضيف سببا آخر ، موضوعي ربما : قدرية شخصيات  قصصه ، تقبلهم وخضوعهم  لمصائرهم ، وبالتالي انتفاء موضوعة أساسية  للرواية : صراع الخير والشر .

بورخيس ، الناقد السينمائي :

عندما كان مُبصرا ، كتب بورخيس عن الأفلام التي شاهدها بذات الأسلوب المحكم ، الساخر و المُوحي لبقية كتاباته . و بعد أن أصيب بالعمى الكامل استمر بالذهاب الى السينما بين الحين والآخر ، مستمعا للأصوات ومكونا للصور عبر ذاكرته ومخيلته الخلاقة .  ان تلك الصفحات القليلة التي كتبها عن السينما تبين تذوقه الجيد لذلك الفن ومعرفته بتاريخه ، كما أنها تصلح كنموذج مثالي لما ينبغي للنقد السينمائي أن يكون عليه :  أبدى اعجابا عظيما بفيلم أورسون ويلز  ” Citizen Kane _1941″ المليء بثيمات بورخيسية  : الهبات التي تتحول الى كوارث – عندما كان صغيرا حلت ثروة مفاجئة على تشارلز فوستر كين وأُخذ من بيته ليعيش بالمدينة ، وعندما مات كانت آخر كلمة تفوه بها -rosebud- اسم لعبة له وتعني : الطفولة السعيدة ؛ ما فقده – ، رجل يجمع كل الأشياء : قصور ، تماثيل … ، فوضى السرد الشبيهة بمتاهة  لقصة حياة  كين وعرضها من خلال بحث أحد الصحفيين عن معنى آخر كلمة تفوه بها والتقاءه بمن عرفوه عن قرب ، يقول بورخيس :  ” الحبكة الثانية أكثر تفوقا ، انها تربط كويهلث الى عدمي آخر ؛ فرانز كافكا ، نوع من القصص البوليسية الماورائية ( نفسيا ورمزيا ) ، الاستكشاف للذات الداخلية لرجل ما عبر أعماله ، الكلمات التي قالها ، الحيوات التي دمرها . بإبهار لانهائي يعرض أورسون ويلز فتات حياة شارلز فوستر كين ويدعونا للحاق به واعادة ترتيبها ” ، ” الفيلم قيم لاتساع موضوعه ولعمق التصوير السينمائي ، أشرع بنبوءة :  على الرغم من ذلك ، هذا الفيلم سوف يعتبر ذا قيمة تاريخية غير مشكوك فيها ، لكن لا أحد سوف يهتم بمشاهدته لاحقا “

وفي ” صنعة الشعر ” ناقش بورخيس التأثير الذي تركته السينما على مخيلتنا وتفاعلنا مع الأدب ، عبر شرحه لأبيات دانتي غابرييل روزيتي :

( أي رجل انحنى على وجه ابنه ليفكر ، كيف سينحني هذا الوجه ، هذا المحيا ، عليه وهو ميت ؟

أو فكر ، حين قبلت أمه عينيه ،

في ما كانت عليه قبلتها حين كان أبوه يغازلها ؟ )

” ربما تبدو هذه الأبيات اليوم ، حسب اعتقادي ، أكثر زخما مما كانت عليه ، عندما كُتِبت قبل نحو ثمانين سنة لأن السينما دربتنا على متابعة مشاهد سريعة من الصور البصرية ، في البيت الاول نجد الأب منحنيا على وجه الطفل النائم . وعلى الفور ، في البيت الثاني كما في فيلم جيد ، نجد الصورة نفسها مقلوبة : نرى الابن منحنيا على وجه هذا الرجل الميت ، وجه أبيه . وربما كانت دراستنا قريبة العهد لعلم النفس قد جعلتا البيتين الأخيرين أكثر حساسية ” .

***

من الصعوبة بمكان تحويل تهويمات بورخيس الحلمية الفانتازية ، أفكاره الذهنية المجردة الى صور مرئية مادية ؛ كمال الفكرة واتساقها وتناقض تجسدها المادي . ويمكننا أن نتذكر الرب هاهنا ، فنحن لا نعرف ما كان تصوره الاول أو تصوراته العديدة عن الكون ، ربما يرجع ذلك الى قدرته العظيمة على  الخلق والابتكار  كما تخبرنا تلك النكتة التي تروي أن أحدهم شاهد تمثالا لطائر الفلامينغو لأول مرة فقال : لم يكن هذا أبدا تصوري عن شكل الفلامينغو . فأجابه هنري مادوكس فورد : ولكنه بالتأكيد تصور الرب عن الفلامينغو .

بالتأكيد تختلف آلية الإبداع الفني وتلقيه – في الشكل والغرض –  بين النصوص والأفلام ، فالأولى تعمل على الايهام بواقع معين عبر عملية التخييل – الرموز المشتركة للغة بين الكاتب وقارئه ، استدعاء وتركيب ،  تحويل الكلمات والعبارات الى صور ، مشاهد ، وشخوص – بينما تشكل الصورة الأداة الرئيسية للسينما  : عرض الواقع واخضاعه لتقنياتها المتعددة . وعبر الزمن استفادت كل منهما من الأخرى لكي تتطور .

وسأحاول هاهنا أن أتتبع بعض الأفكار التي تم اقتباسها من قصص بورخيس –  بشكل أو بآخر –  وتحويلها الى أفلام ، ولا غرض لهذا الاستقصاء سوى دراسة الامكانيات الجمالية والمعرفية لتلك الأفلام :

button220090123

“The curious case of Benjamin button ” : 

في قصة ” دراسة لأعمال هربرت كوين ”  : يناقش الراوي تكنيك احدى روايات كوين ” April March ” –  الراوي وروايته من اختراع بورخيس – : السرد التراجعي للقصة والمتفرع بالتالي الى قصص أخرى  ” العالم المقلوب عند برادلي ، حيث يسبق الموت الميلاد ، والندبة الجرح والجرح الطعنة ( الظاهر والواقع 1897 ص 215 ) والعوالم التي توحي بها ‘ أبريل مارس ‘  ليست هي التراجعية وانما طريقة سردها ” وفي الهامش يضيف بورخيس : ” كان أحد المتحدثين في السياسي لأفلاطون قد وصف تراجعا مشابها : تراجع ‘ أبناء الأرض ‘ أو ‘ السكان الأصليين ‘ الخاضعين لتأثير دوران عكسي للكون . فينتقلون من مراحل النضج الى الطفولة ومن الطفولة الى الفناء والعدم . وأيضا تيوبومبوس في philippica يتحدث عن بعض الفاكهة الشمالية التي تسبب لمن يأكلها نفس الأعراض التراجعية ، ومن الأمتع تصور زمن مقلوب : حالة نتذكر فيها المستقبل ونجهل أو لا نكاد نستشعر الماضي ” 

أما  الفيلم فيحاول أن يحقق تلك الفكرة ، فيروي قصة طفل أنجب تحت ظرف زمني معين – تغير اتجاه عقارب ساعة المكان الذي ولد فيه – فصارت حياته تراجعية زمنيا  منذ الشيخوخة وحتى الطفولة ومن ثم الموت – للوصول الى الفكرة الغرائبية والمدهشة يمكن استخدام حيل كهذه ، عند بورخيس يسقط فونيس من على ظهر فرس ليُمنح ذاكرة لا نهائية ، وعبر اتصال هاتفي يحصل هيرمان سورجل على ذاكرة شكسبير ، بينما عند كافكا يكفي الاستيقاظ من النوم لتحدث كل الأشياء العجيبة ‘ كفقدان لانسان لحريته ‘  ليصير بعدها أسيرا لآراء وانطباعات الآخرين عنه ، لمخاوفه وهواجسه ،  لمؤسسات تتحكم في مصيره كما في ” المحاكمة ” ، أو حبيس جسد كما في ” المسخ ” ، واذا كان السبب الأساسي لمعظم مصائب البشر يكمن في كونهم غير قادرين على البقاء مرتاحين في غرفهم كما يخبرنا باسكال ، فربما كانت هذه الغرفة المريحة عند كافكا هي النوم ،  ما لم تكن مليئة بالكوابيس بالطبع .

لكن هذا التغير والانقلاب ليس سوى خارجيا ، جسديا فقط ، فوعي بنجامين بوتون  وادراكه للأشياء يتكونان طبيعيا و يتلاشيان  كذلك ، لم يحدث تغيير سوى في تسمية المراحل الزمنية ، مجرد انقلاب بسيط .. هذا الاختلاف  لم يكن الانتباه اليه بصورة مستمرة  ممكنا سوى بوجود – نقيض –   حبيبته التي تمضي حياتها بصورة طبيعية وتتحول في النهاية الى مربية له ، اكتفى الفيلم بمناقشة الفكرة وعرضها انسانيا وتحويلها الى قالب لقصة حب أخرى .

adaline_fb_image

فيلم آخر اكتفى بذلك أيضا ” The age of adaline ” : تفقد آدالين قابليتها للفناء اثر حادث في ليلة ممطرة ، وخلال قرن من الخلود تتعلم أشياء كثيرة وتغير هويتها باستمرار وتتحول الهبة الى كارثة : لا تستطيع الدخول في علاقات طبيعية مع الآخرين لأنهم سيلحظون أبديتها ، ثم ينقلب كل ذلك عندما تقع في حب أحدهم  لتكتشف بعد لقاءها لأبيه بأنها أحبته أيضا في زمن آخر ، في النهاية تستعيد فناءها عبر ذات الظروف : انقلاب عربتها في ليلة ممطرة وتقضي حياتها في سعادة . يمكن للزمن أن يحتفظ بكل هذه المعارف ، الأحداث ولكن بإمكان ذهن الانسان فقط أن يصنع منها شيئا باهرا ، مفارقة : السخرية  وهذا ما لم نشاهده في هذا الفيلم . على العكس من ذلك هي قصة ” الخالد ” حيث يسخر بورخيس من فكرة الخلود ، لا جدوى البحث عن الكمال ، ويناقش آلية التذكر والنسيان ، نظرية المعرفة ، والفرق بين الواقع وتمثيله لغويا ، عبر بناء سردي متشابك : يبحث قائد روماني عن مدينة الخالدين ، عن النهر الذي يهب الأبدية ، و يجدها بعد أن يقطع أقاليما وصحارى ويقمع تمردات الجنود المرافقين له ، يتوه في تلك المدينة ذات البناء الغريب وعندما يخرج من تلك المتاهة يكتشف أنها قد خُربت من قبل القوم الذين يسكنون بجانب النهر ، الخالدون – يعيشون في الفكر ، في التأمل الخالص ، نصبوا بناءهم ونسوه ، وذهبوا ليسكنوا في الكهوف ، ومستغرقين في الفكر ، كادوا لا يدركون العالم المادي – ، يدرك أيضا أن العبد الذي رافقه حتى مدخل المدينة والذي سماه اعتباطا أرجوس – كلب عجوز محتضر في الأوديسة – هو هوميروس نفسه . وبعد قرون من الخلود ، من أن يصير كثيرين ، الآخرين ولا أحد : كاتبا لألف ليلة وليلة ، مناقشا لجامبتيستا فيكو عن بنية الالياذة ، هوميروس نفسه تاجر عاديات يمنح مجلدات الالياذة ترجمة بوب لأميرة لوسنجة لتكتشف فيها مخطوطة هذه القصة ، لكنه ينسى من هو ويتوق الى الموت ، ويتذكر أنه في هذا الكون المصنوع من التناقضات والتوازنات هنالك مبدأ أنه لا شيء ينقصه التعويض في شيء آخر ، واذا كان هنالك نهر يمنح الخلود فهنالك نهر آخر يمحوه ، وبالمصادفة فقط يشرب من ذلك النهر ، تمزق شجرة شوكية يده ” غير مصدق ، وصامتا ، وسعيدا ، تأملت التكون الثمين لنقطة دم بطيئة . مرة أخرى أكون فانيا ، كررت لنفسي ، مرة أخرى أن أكون مثل كل البشر . وفي تلك الليلة ، نمت حتى مطلع الفجر “

5513f59b423fa

في ” inception ” يقترب كريستوفر نولان تقنيا وجماليا من أفكار بورخيس ، عبر الأسلوب المفضل لبورخيس : تحويل الأفكار الى قصص بوليسية ومتاهات ليشترك القارئ المشاهد في تفكيك وربط القصة .

فكرة ” الحلم داخل الحلم ” مثلت هاجسا دائما لبورخيس ، تناوله في قصصه وأشعاره ، وفي قصة ” الخرائب الدائرية ” الأشبه بالقصيدة ، لكثافة المشاهد الشاعرية وايجاز عباراتها ، يحاول أحدهم خلق انسان كامل وحقيقي في الحُلم ، وبعد تجارب ومحاولات فاشلة لعدة سنين ، يتوصل للطريقة المثلى ويبدأ في تكوينه عضوا عضوا ، ثم تمنحه الآلهة الروح والحياة ، في النهاية يكتشف الحالم أنه محلوم به من قبل شخص آخر . لا يصل نولان الى طموح خلق شخص وانما لمجرد زرع أفكار داخل لا وعي آخرين عبر حلم مشترك .  وينجح نولان في صنع أمكنة ومتاهات معقدة أشبه بتلك التي رآها أو تخيلها بورخيس في ” الخالد ” وفي نصوص أخرى  : ” المتاهة مبنى مضاعف لتشويش البشر ، ومعمارها الغني بالتماثلات خاضع لذلك الهدف ، وفي القصر استكشفت بصورة ناقصة ، وكان المعمار يفتقر الى غائية كهذه . وقد كثرت فيه الممرات المسدودة ، والنوافذ المرتفعة التي لا يمكن الوصول اليها ، والأبواب التي لا تبشر بخير والتي تؤدي الى زنزانة أو حفرة ، والسلالم المقلوبة التي لا تصدق والتي تدلت درجاتها ودرابزيناتها الى أسفل . وهناك سلالم أخرى ، ملتصقة برشاقة الى جانب جدار ضخم ، تتلاشى دون أن تؤدي الى أي مكان “

 

وربما لا يمكننا رؤية بورخيس في أفلام فانتازيا فقط ، يمكننا أن نراه في المصير المحتوم بالموت لشخصية ما ، في رثاء الذات ولحظات الانكسار عند آلباتشينو ، وفي المعضلات الأخلاقية .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً