مغلق للصيانة

large (3).jpg

محي الدين هارون:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

..

فالرواة في هذا الزمن المختل أصبحوا سلطةً لا يستهان بها وأصبحنا بصفتنا كتاباً جيدين نعول على أمزجتهم الفاسدة…

عبد العزيز بركه ساكن

…..

(وبعد أن خطا أُولى خطواته في الرواق الذي يفضي إلى حديقة الذاكرة ..)

هنا تماماً توقف الكاتب عن الكتابة لأن الهاتف باشر في الرنين ولآن الرغبة في التدفق و الرنين المزعج مع تصنُّع الإعراض عن الرد ، شكلّا قطبين متنافرين كلٌ يسحبه نحو وجهته ، ارتبكت الخطة تماماً عندها إنتفض الراوي من جبين الحكاية ً :

– فلنتفق أنك لم تعد تحكم السيطرة على ما يحيط بك من شئون ، تحديداً في الجانب الذي يخصك.

تنهد الكاتب بعمق ثم استطرد قائلاً:

– لو أنك تدري كيف تدور الحياة خارج إطار الورقة ما كلّفت نفسك بجاحة الحديث .                     

– عن أي حياة تتحدث ؟ يا سيد أنا ملاذك الأخير في مجاز الواقع ، تهمتك المنفية وأفكارك المعلقة على كف المشاع !

– ذلك يعني انك أنت أنا أليس كذلك؟

– إن ما تخطه هو إقرار لما تحاول إنكاره ، لماذا تصر دائماً على تجاهل هذه النقطة؟

الرجل الذي خطى أولى خطواته في الرواق المفضي إلى حديقة الذاكرة أضجره الحوار الذي أتاه باهتاً من فراغٍ آخر ، فقال متهكما:

– يبدو أنني مضطرٌ لأكمل هذه القصة وحدي فلا شك أنني سأعلق هنا إلى الأبد إذا ما انتظرتُ نهاية هذا الجدال

واحد ،

اثنان ،

ثلاثة …

:

(وبعد أن خطوت أولى خطواتي التي تعلمون ، رحت أستكشف ذلك القبو الذي يدعى ذاكرة والذي لم يكن حديقةً على الإطلاق بالمعنى الذي ورد في أول سطرٍ ، كان شيئاً مائعاً مليئاً بالاحتمالات والأحداث ، منها ما أجري له الكثير من المعالجات حذفاً وإضافة ، الكثير من المشاهد والصور بعضها ما كان جلياً وواضحاً وبعضها ما كان باهتاً يحمل إشارات مبهمة بلا معنى ، أبواب لا تحصى ونوافذ أكثر ظل بعضها موارباً حتى تيبست مفاصله وأصابها الصدأ ، تستجدي من يشرع أضلافها وأخرى مشرعةً على مصرعيها تطل على مناظر مختلفة ، شوارع خالية يغزوها صفير الريح الخواء ، وأخرى مزدحمة تختلط بها روائح البشر ومجاري الصرف الصحي ، مبان شاهقة وطواحين ، منازل ذات طابع قروي من عهدٍ سحيق ، حواسيب قديمة وحديثة أزياء رسمية ، وجوه متجهمة وعابسة ، باب صغير مغلق يفوح برائحة المنظفات النفاذة عُلقت عليه ورقة كتب فيها بخطٍ قبيح …)

– توقف أيها الأحمق وإلا قتلتك ، قال الكاتب ذلك بوجل كأنما قد انتبه لشيءٍ أفلت منه على حين غفلة ..

فأضاف الراوي :

– ألم أقل لك انك لم تعد تحكم السيطرة فيما يخصك !

للحظات تردد الرجل الذي خطى أولى خطواته في أروقة الذاكرة التي لا نعلم عنها شيئاً ، ثم ابتسم وقد لمعت عيناه طرباً فقال:

– لا تنزعجوا أظنني لب الحكاية !

فلنتفق أنه ليس هنالك أي شيء على الإطلاق يميز ما يدور بين هؤلاء السذج لذلك سأورد حدثاً بدا لي معقداً قبل خمسة عشر عاماً ، ولم أدرك بساطته إلا البارحة…!

:

حدث في ذات مره أن قررت العروج مع بعض الرفاق على أحد تلك المقاهي التي تسمى بال ” coffee shops “ بدلاً عن الذهاب إلى المدرسة ، والتي تختلف عن المقاهي الشعبية التي غالبا ما تكون حكراً على الرجال، وعندما بلغنا أحدها و كان قد أشرع أبوابه للتو طلبنا بعض القهوة وبدأنا في لعب الورق ,وإذ بالوقت يمر سريعا وأنا أخسر كل جولة للحظ التعس ، فجأة أحسست برغبة عارمة لتلبية نداء الطبيعة ، الأمر الذي دفع بي لأهرع إلى التواليت ،لكن لسوء الحظ كنت قد وجدته مغلقا من الداخل …

– لابد أنه لم يسعك سوى أن تنتظر

– كيف تدعي أنك عليم بالأمور؟ لقد كان هنالك شخصين

أرأيت لقد أفسدت ترتيب القصة أيها الأحمق !

– حسنناً ما أدراني ، أنا مجرد قارئ حتى لا يختلط عليك الأمر ،المهم أنني شعرت بمثانةٍ ممتلئة !

-لابد أن نتفق ،قال الكاتب مقاطعاً الجدل الذي اخذ يتشعب بينهم

صمت مطرق ولده صوته الجهور للحظات فأردف:

– إن لم تبغيا ذلك فلا يعوزوني سوى أن أمزق الورق قاذفا به في سلة المهملات،عندها اضمن انه لن يكون لكما أي وجود.

عاد الشخص إلى مكانه حيث خطى أولى خطواته بينما قذفه الراوي بابتسامة صفراء متخذاً ركناً قصياً في انتظار إشارة الكاتب.

عندما هممتُ بالعودة إلى  الرفاق تسرب شعورٌ غريب إلى داخلي ، وأنا أحاول أن استبعد الخاطر الذي وشى بوجود شخصين في الداخل…

.

-هل كنت خائفاً

.

– لا أدري لماذا لا تصمت ولم يحن دورك بعد ؟!

.

بعض الهمسات الخافتة والتأوهات المكتومة راحت تتسرب من تحت الباب ومن بين الثقوب ، لتثير بذلك فضولي البغيض ، والذي قادني للوقوف على بعدٍ مناسب يجيز لي التقاط الأصوات دون إصدار أدنى ضجة علني أكتشف ما يحدث داخل الحمام. حتى إذا ما سكنت الأصوات المشتعلة ، فتح أحدهم الباب ..

– لك أن تروي ما حدث من هنا فأنت تعرف القصة.وفوق ذلك لا استمتع بمقاطعتك لي كل ما هممت بالحديث

.

– إنه للطفٌ منك أن تمنحني هذه الفرصة ..

:

ظهر أمامه شابٌ في تمام العقد الثالث ، كان يبدو على وجهه بعض الارتباك للحد الذي لم يشعر فيه بوجود آخر معه في الجوار. بضع خطوات سريعة كان بعدها في الخارج كمن يود اللحاق بموعدٍ هام . عندها هرع إلى الداخل ، وللحق ما كان ينتظره هناك كان أعظم من أن يتصور ،لم يكن شيئاً ساذجاً على الإطلاق ، لقد كانت المرة الأولى التي يرى فيها فتاةً عارية تماماً بعيداً عن مجلات ال ” play boy “ وقنوات ال ” porn “ التي كان يشاهدها سراً. كانت تشرع في ارتداء ثيابها بعد علاقة حميمية لم تكن مرضية ، وبينما كان يقف مشدوهاً أمامها يجهل ما يصنع ، وقعت عيناه تحت أسر عينيها الشاردة. والتي انتبهت للتو للظل الساقط تحت قدميها .. ابتسامة ماكرة ارتسمت على الخد ، عندها أحكم مزلاج الباب ….

انطلق صوت ممتعض :

– هل كنت هناك لتكمل ؟

– عفواً كانا وحدهما في الداخل

(مغلق للصيانة)

لاشك أنك قد قرأت هذه العبارة عدة مرات وعلى أبواب أماكن متفرقة ، كمطعم ما اعتدت زيارته في فسحة الإفطار بين ساعات العمل اليومية أو مكتب اتصالات يعمل على خدمة العملاء لشبكة الهاتف السيار أو محل تجاري يعرض بعض المستلزمات الضرورية وما إلى ذلك ، فإذا ما كان هناك اتفاق مزعم بأن هذه العبارة من أكثر العبارات المخيبة للآمال ، خاصة عندما يتهيأ وعي الإنسان للولوج إلى أحد تلك الأماكن. فأن هذا الإحباط و بلا شك لن يضاهي ذلك الشعور الذي يصيبك حينما تباغتك على أبواب المراحيض وأنت في أمس الحاجة لأن تفعلها في مكان عام بعيداً عن المنزل…

لم يفت على الكاتب أن الأمر قد بات واضحاً وأن الحكايات التي كان بصدد توثيقها في نصوص لم تكن سوى مشاهد مشوهه لأكاذيبٍ مرتجله ومع مرور الزمن لم يعد عقله يفطن إلى مدى حقيقتها ولاوعيه يمده في كل مره بمشاهد مستوحاة من الخيال المحض راح ذلك ينجلي أمام عينيه بفضائحية معلنة عبر حيل الراوي الخبيثة. فإن كان الشخص قد أذعن بسرد ما ينوط به ملتزماً بخطة الكاتب فأنه هو في الأصل أراد للحقيقة أن تروى كما تمنى أن تكون ولكن(الرجل الذي) كان قد أدرك ذلك مبكراً فراح يلتزم بخطط الكاتب على طريقته الخاصة.!

(وبعد أن خطا أُولى خطواته في الرواق الذي يفضي إلى حديقة الذاكرة ..)

حسناً عدتَ أخيراً إلى طاولة الرفاق ، وأنت تتنفس الصعداء . عندها انتفض أحدهم ليسألك عن سبب تأخرك :

– اللعنة ، ماذا تناولت على العشاء؟

ضج المكان بالضحك حتى إنك شعرت ببعض الحرج ، خاصةً وأن الزبائن قد بدأوا يتوافدون إلى المقهى بكثرة ، حينها لمحت إحداهن تخرج من وراء الستار الذي يغطي منفذ الرواق المفضي إلى التواليت ، فتاة عشرينية ترتدي بنطالاً أزرق وقميصاً أصفر متماشياً مع مزاج الحذاء الحاد ، ملقية على كتفيها وشاح سماوي تنام عليه جدائل شعرها المستعار ، كانت تعلق على كتفها الأيمن حقيبة نسائية من الحجم الكبير مازجة بين الأحمر والأزرق والأصفر ،ومن بين حفلة الألوان الصارخة تلك بدت منزعجة متكدرة الوجه ، ودونما أدنى مراعاة للحظاتها الخاصة انفرجت عن شفتيك ابتسامة بلهاء وأنت تحدق في ملامح وجهها المضطرب. وعندما انتبهت لنظراتك التي كانت تلاحقها زال عنها الكدر مخلفاً احمراراً خجلا ، راح ينسج تورداً طاغياً على خديها. لقد أدركت للتو أن هنالك من يدرك أنها منزعجة ، أعني يعرف سبب انزعاجها ، بضع خطوات سريعة كانت على إثرها في الخارج .. عندها التفتَ أنت إلى أصدقائك الذين كفوا عن الضحك !

ابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيك

طفقت بعدها تحكي عن سر تأخرك غير المعلن على الملأ.

(وبعد أن خطا أُولى خطواته في الرواق الذي يفضي إلى حديقة الذاكرة ..) رنّ الهاتف ، توقف الكاتب ليجيب على المكالمة ، كانت هي المتصلة !

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً