الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / محاولة لتعريف الحب

محاولة لتعريف الحب

 

large (2).jpg

وقاص الصادق:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

والحب أصلا هو عصفور ضائع عن أمه وأبیه، یتذکرهما کلما رأی ولداً وفتاة، لیذهب فوراً و یعشعش بینهما .. وهو عصفور أهوج وأحمق لذلک لا یراعي أي اعتبارات عند اختياره للشخصین الذین سیعشعش بینهما .. فاللص الذي خطف حقیبة الآنسة وجری .. توقف عن الجري بعد أربعة أمتار والتفت ناظرا لها بعینین متسعتین ثم قال:

“یا للجمال !!”..

نعم .. قبض علیه وأدخل السجن،، ولکن العصفور کان قد عشعش بینهما وانتهی الأمر، فعندما وقفت الآنسة في المحکمة قالت:

“لم یسرق حقیبتي .. لکنه سرق شيئاً آخر..” !

ليدخلا بذلك عالم الزقزقة والطيران .. !

لکنه عصفور مزاجي جداً وملول، ومثل کل العصافیر الأخری _مجبول علی الحریة_ .. لذلک قد یطیر فجأة ویهجر العش مثلما جاءه فجأة، فیدفع العاشقان ثمن ذلک، إذ یجدان نفسهما فجأة غریبين عن بعضهما، فقد ارتخت رابطة الشغف، وربما تبددت تماما لتحل محلها النزاعات والمشاکل، ولیس الأمر بیدهما، فهما مندهشان أیضاً مما یحصل بینهما، وکلاهما یسأل نفسه لماذا تغیر الآخر علیه! .. فالمرأة کلما غضبت ذکرت الرجل بأنه کان مجرد لص یسرق تعب الناس !! .. فیصفعها الرجل ویقول لها: “لماذا أخرجتني إذن من السجن، لقد کان أرحم منک بکثیر” !!

ثم ینزویان عن بعضهما لیسأل کل منهما نفسه، “أین ذهب الحب؟ وهل کان هناک حب أصلا؟وما هو الحب؟!” ..

“ولا یعرفان أنه مجرد عصفور مزاجي وملول و مجبول -مثل کل العصافیر الأخرى- علی الحریة ..”

ثم یسوء حالهما أکثر، فیتبادلان الشتائم والكلمات القاسية .. فیقول الرجل: “لیتني لم أحاول أن أسرق حقیبتک منذ البدایة! .. فماذا كان فیها علی أي حال غیر مرآة ومنکیر وأشیاء تافهة!! ..لو رجع بي الزمن وکان فیها عشرین ملیونا لما حاولت سرقتها”! ..

فردت عليه المرأة قائلة: “لیتني لم أمشِ بذاک الشارع أصلا! .. لیتني ترکتک تتعفن في السجن!!” .. ثم بعدها ساء الحال لدرجة لا تحتمل .. فقررا الانفصال لفترة حتى یسترجعا هدوءهما .. وربما یسترجعان الحب! .. “فما زال عندهما أمل لرجوعه” ..

لذلک حین انفصلا عن بعضهما .. شرعا فورا في البحث عن هذا الحب الضائع .. ولا یعرفان أنه أصلا عصفور ضائع عن أمه وأبیه..

بحثا عنه کثیرا .. عند العشاق، في الحدائق والشواطئ، عند الأطباء النفسیین، في الروایات الرومانسیة المشهورة، والمغمورة، فی الأفلام، فی کتب الشعر، عند کبار السن، عند الحکماء والفلاسفة، في نافذة القمر، وسط البحر، فی اللیالي الماطرة، حتى أنهما حاولا أن یحبا أشخاصا آخرین فلم یجدوا الحب هناک أیضا، ثم أثناء ما کانا یبحثان عنه .. التقيا صدفة في محطة باص، نظرا لبعضهما في حذر ثم اقتربا وتصافحا .. فقال لها الرجل:

“کنت أبحث عن الحب..”

فقالت له: “وأنا أیضا..”

فقال لها: “هل وجدتیه؟”

فقالت له: “لا .. ولکني وجدتک أنت .. الآن!” ..

إندهش الرجل وتسارعت دقات قلبه .. ابتسم ثم قال لها:

“هل من الضروري أن نجد الحب؟!”

فقالت: “لا .. لیس من الضروري أن نجده .. ولکن من الضروري أن نبحث عنه”!

ابتسم الرجل، ابتسمت المحطة، ابتسم الناس المنتظرین للبص، أتی البص ورکب الجمیع فیه، إلا الرجل والمرأة الناظرین لبعضهما باستغراق، فالبص لم یکن لینقلهما إلی مکان أجمل مما هم فیه الآن .. ثم وسط الإبتسامات والذهور النابتة للتو .. إتفقا أن الحب لیس هو الحب ذاته .. إنما هو البحث عن الحب .. !

تحرک البص لیصیرا وحدهما في المحطة، حینها رآهما عصفورا کان متكئا فوق أسلاک الکهرباء، .. “هو ذات العصفور الذی کان معشعش بینهما” .. اتسعت عیناه من الدهشة، فغر منقاره، انتفض ریشه، اهتزت أوصاله، لیس لأنهما العاشقان اللذان عشعش بینهما فیما سبق، بل لأنهما أمه وأبیه !! ، نعم أمه وأبیه اللذان قضی عمره کله باحثا عنهما .. شهق فرحا .. ثم رمی نفسه في الهواء و حلق مندفعا نحوهما ..

یظل الحب عصفور أهوج و أحمق .. “لکنه یستقي روعته من حماقاته” .. یظل عصفورا مزاجیا ملولا ومجبولا علی الحریة .. “ومن منا لا یحب الحرية” .. یظل الحب غبیا .. “ولکنها الحلبة الوحیدة التي یغلب فیها الغباء الذکاء” .. ویبقی الحب دائما غیر ملام .. “فما هو إلا عصفور ضائع عن أمه وأبیه، فیتذکرهما کلما رأی ولد وفتاة، لیذهب فورا و یعشعش بینهما..”.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .

اترك تعليقاً