منفستو الســـمار

13532989_576191049228281_6875199419187122730_n

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

السمارُ ظاهر السُمرة، مختزلٌ للألوان، ومُستثنى منها. فالسمارُ حقيقةً هو فرطُ تراكم خلّاب للجمال ضلَّ خطوته التالية؛ فأصبح سماراً.

إنه مُريحٌ للعين، لا يصيب الناظر بالملل أبداً، ويعطي شعوراً بالدفء والطمأنينة.

والسمارُ ناعمٌ لا كالحرير، بل كخيال الحرير في أماني دودة القز، إذ لا تمثيل مطابق لكائنات الخيال بعد خروجها للواقع المادي. السمار أن تبعُد المدرِكات الحسية مئات السنين عندما تعتقد أنها تلامسه فعلاً..

والسمارُ موجود في هيئات كثيرة: تجده متربعاً في شخصٍ أسمر بزوايا حادة يمارسُ إغراءه، أو في قطراتٍ خبِرَت منابع النيل قلباً قلباً، ثم تاقت نفسها للسمو، فكرة السموِّ نفسها هي التي أوحت للقطرات أن تختار مجاله البخاريِّ سماءً، هكذا كان لعَرَقِ النيل فتنته، وللمطرِ في سموه المتكرر فتنته .. فتنة الدُعاش. والسمار تجده في بسمةٍ زاهية البريق، إختزاليةٍ لكل ما هو تبسُّم، لأنها خرجت من أجنحة سمراء، ولأن السمار يعطي البريق قدرته على البريق. السمارُ تجده في أسمرٍ أو سمراء.

السمارُ وحيدٌ لا يحب الإختلاط، هو اللون الهارب من أطلس الألوان، المتمرِّد. فأنت قد ترى الأحمر مشوباً بخُضرة، والأبيض مطعمٌ بصفار، ولكن السمار هو سمار فقط، وأبداً. وهو قويّ، طاغٍ، وثابتٌ في موقفه، لا كالقمحيّ تلغي مشاعر الغضب كينونته الهشّة فيستحيل أحمراً، أو تعبث به لحظة حياءٍ فيبدو وردياً، أو يشوهه الحزن فيكون باهتاً، السمار لا يلغي وجوده شيء، هو يلغي ما سواه.

واضحٌ وجرئ، قويُّ الأثر ويصيب بالوخز .. وخزُ السمار يسبِّب حكَّةً في القلب.

حاول أن تتذكّر مجموعة من الناس مرَّوا بحياتك يوماً، لو كان بينهم أسمراً فإنه الأوضح ملامحاً. راقب شلّة الفتيات الهاربات من حديقة ورد، وأنظر إن كانت بينهن سمراء فهي الأبرز، وإن كنَّ جميعهنَّ سمراوات فأشح بنظرك، وإلا فلتهنأ بحياة شاعرٍ بائس، فبوسع فتاةٍ واحدة إنجاب قبيلة من الشعراء فقط لكونها سمراء. وستكون أحمقاً لو ظننت أنك الشاعر الوحيد، أو أنك فحل الشعراء.

أذكر حكاية فتاةٍ سمراء، كانت تعبر الشارع ذات ظهيرة، ومرَّت على نفرٍ من الشبابِ في فرندة دكانة وسط الحي، كانت تُخبئ شمسين في صدرها، وعندما تأرجح يديها في المشي ويتخلَّلهما الهواء يصدر صوتٌ موسيقيٌّ متناغماً مع عمقَ إيقاعِ قدميها، الإيقاع الذي ينقطعُ فجأة ما أن يبلغ اهتزازه ردفيها، ويتجدد الإيقاع وتنتعش الموسيقى مع كل خطوة. كان الوقتُ ظهيرةً إذاً، لكن الشمس غابت بلا مقدمات، مثل أرنبٍ رأى حدأة وشعر بالخطر فانزوى في جحره، لم تكمل الشمس يومها حتى توارت السمراء خلف أحد الأبواب، رغم ذلك لم تكن فائقة الجمال، كانت سمراء فقط.

للسمار لعنة، ما أن تصيبك حتى تنسى الكائن الذي كنته قبل لحظات.

السمراوات وهنَّ مسناتٌ وجدَّات يكنّ مميزات. قويَّاتٌ وصامدات. قد يعود إبن إحداهنّ من الحرب مزهواً بنصره، لا تسعه الدنيا غبطةً وسرورا، ولابد أن النساء سينادين أمه بـ (أم البطل)، وفقط حين يرى أحد أحفادها على خصرها وهي منحية تغسلُ جلابيب أبوه المتوفي منذ عشرة أعوام حتى لا يُبليها الزمن؛ فقط حينها يُدركُ حوجته لعشرة أعمار مع عمره ليكون شيئاً بقربها .. إنها سمراء مسنَّة، السمراواتُ سحرهنَّ لا ينقطع.

إن المرء، مهما كان واثقاً ومتغطرساً ومتمرساً في النساء ليبدو أحمقاً عندما يتحدث إلى سمراء ..

الرجال السُمر مميزون، روائحهم تُخبِرُ عن صراعٍ طويل مع الحياة، حتى لو كانوا من المترفين. بِشرتهم غيورة على أصالتها، إنها أولُ لون للإنسان، إنها أجمل لون للإنسان، تراها متماسكة وصلبة، أحياناً لامعة، وأحياناً نضرة متّسعة المسام، ولا تستعين بالشَّعر الكثيف عليها لتكون جميلة، ربما هذه القناعة العميقة هي ما أجبر الشمس إحترام الرجال السُمر، ووهبتهم ختمها، وربما هذا سبب أنها كل يومٍ ترسل أشعتها لجلودهم تضربها، فلا تزيدهم إلا أصالة، لا تزيدهم إلا سُمرةً على سمرتهم، فتوقن أن أمانتها مصونة.

وأخيراً، في طاقة سمار طفلة أن تمكث حتى وقت نومك، وتعبث بأحلامك.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً