الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / وثائقيات : المسرح في مناطق الصراع

وثائقيات : المسرح في مناطق الصراع

4

هيثم الطيب الفقي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

        صوت (مسرح البقعة) الأجمل في اليونسكو

(المسرح في مناطق الصراع)،فكرة الفنان علي مهدي وتجليات المسرح الوطني – مسرح البقعة في أعوام مضيئات،يا ترى كيف كانت الفكرة يوماً ما..

يقول الفنان علي مهدي: خرجت يوم أن كنت أقوم بمشروعات لمساعدة الأطفال المجندين هنا وهناك في قرية الأطفال sos بمدينة ملكال (ولاية أعالي النيل)،يوم أن كان الوطن موحداً،امتلأت القرية بأطياف منهم من كل القبائل،كنا نقوم بهذا المشروع بغرض إعادتهم للحياة المدنية،حياة الطفل والمدرسة والحلم..

تساءلت يومها،ماهي الفكرة التي يمكن أن تجمع هؤلاء،وهم المختلفون قبائلاً وأعراقاً وفكرة،وقلت لنفسي (ليس غير المسرح من طريق)،وخرجنا للمسرح وخرجنا بهم للمسرح(عروضاً موسيقية،حكواتي،رقص وفنون أدائية مجتمعة)..

الحاجة (مريم)،في سوق ملكال،هي صاحبة الحُسن الواحد في هذه الفكرة،أجلس معها،أستمع للحكايات والأساطير لقبائل جنوبنا الحبيب،ثم أقوم بصياغتها مسرحياً للأطفال،يجلسون بعيداً عن بعضهم البعض،الحرب لا تجعل القلوب تقترب أو المجالس تأتلق،لم نيأس،خطوة خطوة،ثم كانوا جائرة في شكل مسرح وأنا الحكواتي (تشكيل شخصية الحبوبة)،أحكي لهم بجمال،ثم هم بعد ذلك يجادلون،يناقشون،يتناقشون،وجاءت الفكرة منهم (عايزين نمثِل في المسرح)،هنا صرخت أنا:(كلنا مع بعض)،ومن هنا كانت فكرة التعارف والتآلف والمودة من جديد..

وبعدها،وضعت مشروع (مسرح بين الحدود)،دولياً واقليمياً،وفي ملكال صوتي وصوت الأطفال أصبح يغني للمسرح أولاً وللسلام ثانياً وللإلفة ثالثاً،وذهب من مسرح البقعة إلى ملكال (إمام حسن إمام،محمد صالحين،عوض حسن الإمام)إلى هناك،قاموا بتجريب كل أشكال الفنون الأدائية مع الأطفال،شكلوا مسرحاً وقيمة لأيام مجيدات،كل ذلك دفعنا لنخرج برؤيتنا في إمكانية وفرض استخدام الفنون الأدائية في الحوار الجامع وتعزيز السلام الإجتماعي..

في العام 2004م وبين ثنايا مؤتمر الهيئة الدولية للمسرح ITI يونسكو في دولة المكسيك،كنت منسقاً للجنة الهوية والتنمية الدولية (CIDC)،عرضت فكرتي وتجربة مسرح البقعة في مناطق الصراع،ورقتي كانت بعنوان (استخدام الفنون الأدائية في تعزيز السلام)،ثم من موقعي كرئيس لمكتبها في السودان كانت فكرة الشراكة مع مسرح البقعة لتنفيذ برنامج مشترك مع وفد مكتب ITI جمهورية المانيا الذي استجاب للفكرة،تباحثنا حول الأمر،ثم وقعنا اتفاقية الشراكة لتدريب أحد عشر مسرحياً سودانياً (الأستاذ/ مصطفى أحمد الخليفة،دكتور/ فضل الله أحمد عبد الله،دكتور/ شمس الدين يونس،دكتور جاستن جون بلي،دكتور /طارق علي،جمال عبد الرحمن،قدير ميرغني،عوض حسن الإمام،خليفة حسن بلة،إمام حسن إمام،إخلاص نورالدين)،في إطار ورشة علمية بمشاركة من دول أخرى..

3

اتصال وثيق بين كل ذلك،ومنهج التكوين المسرحي الذي خرجت به في زينة العام 1984م،وكيف تكوِّن من عناصر العرض (فُرجة)متكاملة،وكانت (فُرجة) (طلع البدر)،في ذيَّاك العام بأشعار الشاعر عبد القادر الكتيابي،وتصميم حركي الدكتور عادل حربي،تصميم أزياء وصور مشهدية عز العرب محمد عثمان بمشاركة فرقة الأكروبات السودانية،وسجل الأصوات عوض صديق،محمد خيري،ابراهيم حجازي،وأشرف على إخراج المادة الصوتية البروفيسور صلاح الدين الفاضل..

كان قد سبق ذلك في عامي 1978م،1979م عرضاً ضخماً في استاد المريخ في إطار احتفالات أعياد 25 مايو والأشعار للشاعر عوض مالك..

وتمضي السنوات لأقوم بتطبيق منهجي التكويني في فُرجة (سلمان الزغرات سيد سنار) برؤية مشتركة مع البروفيسور عثمان جمال الدين،والذي كتب حواراً موحياً بعد حوار مشترك بيننا،وكان أول عرض لها في مسرح معهد العالم العربي في باريس،وفي 1999م كانت على مسرح السلام بالقاهرة في إطار مهرجانها التجريبي ،وهنالك اتسعت دائرة القبول للفكرة والمنهج والشراكات بعدها مع المسارح في العوالم العربية والإفريقية والغربية،وتجلى منهج التكوين عندما قدمنا (عرس الزين) على مسارح القاهرة العتيقة 2001م بعد أن عالجت الرواية نصاً عن سيدي الطيب صالح..

2

عودة لمنهج مسرح البقعة (المسرح في مناطق الصراع)،ذهبنا برؤيتنا لعقد ورش تدريبية في مدن ملكال،الجنينة،نيالا،الفاشر،جوبا ومحلية أم بدة بولاية الخرطوم شارك فيها قدير ميرغني،إمام حسن إمام،عوض حسن الإمام،جمال عبد الرحمن،إخلاص نورالدين،ووصلنا حتى حجر سلطان بجبال النوبة بورشة تدريبية نفذها الدكتور جاستن جون بلي عميد كلية الموسيقى والدراما جامعة جوبا،ومعه الدكتور طارق علي (جامعة النيلين،كلية التربية الفنية)،هنالك كانت الورشة في الجبال وفي كل الثنايا..

وأصبحنا منهجاً دولياً وجزءاً من رؤية الهيئة الدولية للمسرح ITI يونسكو،وتواصلت عروضنا داخلياً وذهبنا لمعسكرات النازحين بولايات دارفور،دخلنا فيها،صنعنا مسارحنا بين كل النازحين،أياماً كثيرة،وذهبنا للأسواق الشعبية،قدمنا عروضاً مسرحية،في كل مجتمع كنا حاضرين،بل إننا كنا جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لمجتمع الناس في أيامنا تلك..

خارجياً كنا في الفلبين 2005م،وفي تركيا،وعرضنا (بوتقة سنار)في مدريد 2008م،وأول عرض لها كان في نيالا،واحتفلنا بها في نيويورك في العام 2010م نهاية المؤتمر الدولي للمسرح والسلام الذي نظمته مجموعة من الجامعات الأمريكية ومجموعة الإتصال الأمريكي TCG،وتلك كانت زيارتنا الثانية حيث قدمنا ذات العرض في مدينة بلتمور في إطار المؤتمر القومي للمسرح الأمريكي 2009م..

وعروضنا أضاءت ولايات فرجينيا،واشنطن،نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية،ثم في مدريد باسبانيا،واستانبول بتركيا،وفي كل ذلك كان مسرح البقعة صادحاً بفرص المسرح الواسعة في صياغة السلام بين المجتمعات..

اليونسكو وضعت فكرتنا كرؤية دولية لها،بعثت بباحثة منها لعمل دراسة حول مشروعنا،ثم كانت الوثيقة تلك بأربع لغات عالمية (العربية،الانجليزية،الألمانية،الفرنسية)،رأت في مشروعنا أفضل نموذج لموضوع ثقافة السلام عالمياً..

ثم نقرأ نحن من صفحات تلك المسيرة وتلكم المسارات،ما يفيدنا بإنجازات عالمية وعربية كبيرة..

فكانت الجائزة العالمية لحرية الإبداع 2010م وتم منحها مشاركة بين الفنان علي مهدي ومسرح البقعة وهي جائزة تُمنح لمن يساهم في عملية التغيير الإجتماعي وصياغة مسارات السلام بالفنون الأدائية،وعلى ذات منحى الجمال كانت جائزة الشارقة للثقافة العربية والتي تُمنح لمن يساهمون في نشر الثقافة العربية وبناء الجسور ومُنحت للفنان علي مهدي تحفيزاً للمسيرة في المسرح الوطني – مسرح البقعة لتأكيد فعالية الفنون الأدائية في صياغة السلام المجتمعي..

ثم كان قرار اليونسكو بتعيين الفنان علي مهدي (فنان اليونسكو للسلام)،تقديراً للمسارات الإنمائية والتنموية للمسرح في مناطق الصراع،وعرفاناً بالأدوار المتكاملة لصياغة رؤية مسرحية ثقافية حقيقية لتبيان فرص المسرح الواسعة في تأكيد قدرته على تعزيز السلام المجتمعي،وتم ذلك في احتفال واسع الإنتماء بحركة قبيلة المسرح في العالم العربي والإفريقي والغربي كأول سوداني ينال هذا الشرف والتكريم..

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن

أضف تعليقاً