إنهم هناك ! (04)

q1ep1as.jpg

تغريد علي:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

السماء تمطر بغزارة في الخارج ، ما دعى “آناا” لتناول العشاء مع “إد” على أضواء البرق ، إثر الإنقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي ، تتوسطهم “باميلا” كأسرة سعيدة .

كلما أرعدت السماء صرخت آناا و ضحكت مثل الأطفال بعدها إذ أنها لا تستطيع الإعتياد على صوته .

حكى لها “إد” الكثير عن طفولته بالريف ، عن أمه ذات الضفائر الطويلة و رائحة التبن و الحقول .

شقاوته و أصدقائه و أخاه الأكبر الذي سافر للحرب و لم يعد …

كانت تتأمل ملامحه عندما تضيئه أضواء البرق الخاطفة ، ضحكاته الصافية ، و وده الغير مقرون بنوايا مبطنة .

أنصتت أكثر مما تحدثت ، عندما تلفت إد للمنزل قائلآ : لقد عاد التيار الكهربائي .. إبتسمت و قالت بصدق : حقآ ؟.. لم أنتبه .

لقد كنت أشعر بأن البيت كان مضاءً طوال الوقت .

لم تكن تقصد أن تطلق هذه العبارة ، لكن بما أنها فلتت من فاهها فليس بوسع شيء أن يلجمها .

ليست متأكدة لو أن إدوارد قد فهم ما تعنيه ، لكنها أدركت أن ثمة ضوء صغير بات يضيء حياتها ، حتى لو أن هذا الضوء ليس لها .

ساعدها إدوارد على جمع الصحون و غسل الآنية .

كان العشاء لذيذا .. و استمتعت حقا بصحبتك .

قالها إدوارد بينما اكتفت آناا أن تجيبه بابتسامة .

تحقق إد من الجو ، كان باردا ، و رائحة الأرض تعبق بعطر المطر .

قال و هو يقف بالقرب من الباب حاملا ثيابه المبللة : هل ستكونين بخير ؟

اقتربت و حملت عنه الثياب قائلة : دعك عنها سأغسلها أنا ، نعم سأكون كذلك .. أشكرك مجددا يا إد .

لوح إد لباميلا و خرج ..

بعد دقائق طويلة أمضتها آناا جالسة على الكرسي محتضنة ثيابه دون أن تقوم بأي شيء سوى التفكير ، قررت أن تنهض و تغسلها و من ثم تخلد للنوم .

قبل أن تلقي الثياب في الغسالة ، تفقدت الجيوب كتصرف معتاد ، و بالفعل وجدت هاتفها الذي أخذه بغية إصلاحه ، لكن يبدو أنه مع غمرة انشغاله لم يفعل ذلك .

و وجدت محفظة صغيرة ، بها بعض البطاقات و صورة قديمة لفتاة باهرة الجمال لا يتعدى عمرها ال 19 عام .انقبض قلبها و شعرت بتوعك بسيط في أمعاءها .. لكنها تمالكت نفسها و احتفظت بأشيائه في درج آمن و غسلت الثياب .

كان الفجر وشيكا حين استطاعت بصعوبة أن تنام بعد أن تمددت بجوارها باميلا ، متدثرتين بذات الغطاء .

و لأول مرة تستيقظ “آناا” قبل الشمس ، و تخرج لتنتظر الحافلة بدقائق طويلة من ميعاد قدومها .

لأول مرة لا تعير العالم من حولها أي اهتمام ، و هي التي لطالما احتفت بالطرقات و بالوجوه العابرة رغم هدوءها التام .

لم يتوقع أحد بالمدرسة أن تداوم آناا بهذه السرعة قاطعة أجازتها التي تمتد لأسبوع كامل .

كان الجميع يحيونها و يسألونها بقلق عما إذا كانت قد تعافت و كانت تشكرهم على اطمئنانهم .

في الوقت الذي دلفت فيه إلى الصف لتقف أمام طلابها ، كان في الضفة الأخرى من المدينة إد يقف أمام بابها حاملا بوكيه ورد أنيق .

بدأت تمهد للدرس بينما إد يطرق الباب .و عندما لم تجب آنابيل ، حاول فتح الباب فوجده موصدا ، تلصص من النوافذ .. بدا له البيت ساكن جدا كأن ما به من أحد .

لم يعرف أين هي و انتابه القلق من أن يكون قد أصابها مكروه كالمرات السابقة .. اتصل مرارا .. فكان هاتفها يضيء عتمة الدرج الصغير ثم ينطفئ .أنهت آنابيل حصصها و حملت حقيبتها خارجة من المدرسة ..

ما أوسع الطرقات حين نضيع .. و يال ضيق الحياة حينما نبحث عن مكان نختبئ فيه من أنفسنا !

هكذا كانت تفكر آناا أثناء تسكعها في المدينة لا تلوي على شيء .

تقفز بحذر برك الماء المحتجزة بماء المطر ، و تحاول ألا تصطدم بالعابرين وسط الزحام .

لماذا تبدو حياتها التي اعتادتها لسنوات طوال غريبة الآن !

لم تشعر كأنما ثمة بركان في صدرها يلتهم كل ما اختزنته من سلام للأيام الوعرة ؟

كانت متعبة للغاية و هي تعبر بوابة السور الصغير الذي يحيط بحديقة منزلها ، فلم تنتبه لوجود إد الذي يفترش الأرض تحت شجرتها .

أدارت المفتاح في الباب و دخلت مغلقة الباب خلفها بشدة .ألقت حقيبتها في الأرض ، و خلعت حذائها و استلقت على أريكتها التي شهدت معها كل الأوقات السيئة و الجميلة على حد سواء .

كانت باميلا ترقد في السجادة التي تتوسط الصالة ، و ما أن شاهدت آناا حتى هرولت تجاهها و ققزت في بطنها تلعق عنقها و تهز ذيلها بفرح .

ابتسمت آناا و أخذت تلعب بفرائها و تقول لها : آه يا صغيرتي .. كيف أمضيت اليوم بدوني ؟

لابد و أنك جائعة .. !

سأجلب لك شيئا لتأكليه ، و بينما كانت تنهض عن الأريكة لمحت شخصا يقف عند الباب يتأملها في صمت .

– يا إلهي .. إد ؟؟

مذ متى و أنت تقف هنا ؟

-ليس من وقت طويل ، هل يمكن أن أعرف إلى أين ذهبت ؟

-أوه .. هل حضرت بغيابي ؟

أنا آسفة كان يجب أن أتوقع ذلك ، فأخبرك بأني سأكون بالخارج .

بأية حال لقد أنهيت أجازتي ، و ذهبت للعمل .

كان ينظر لها بعين ضيقة ، نظرة غريبة لم تعهدها فيه منذ إلتقته .

– ليس عليك إخباري بذلك ، و لكن ما كان يجب أن تنهي أجازتك و أنت لا تزالين متعبة .

-لا جدوى من الاختباء و البقاء بالمنزل يا إد .

– مممم حسنا إن كنت ترين ذلك .

-بالمناسبة .. هذه لك

و مد لها بوكيه الورد الذي كان يخبئه وراء ظهره .

-هذا كثير .. كثير جدا

لست معتادة على هكذا لطف .

-لم أفعل شيء يا آناا ، إنها مجرد أمور صغيرة تستحقينها .

اقترب و وضع البوكيه بين يديها و نطق بصوت أشبه بالهمس :

-لا تجعليني أقلق هكذا مرة أخرى .

خرج قلب آناا من صدرها و عاد من جديد ، تعرقت يداها و جبينها ، و بدت كمراهقة تختبر أوائل المشاعر بلذة غريبة .

حتى الكلمات العادية قد تصيب شخصا مثل آناا بالدوار .

تلعثمت و هي تقول : حسن .. لن أفعل .

و نسيت أن تشكره على الورد

كان قد انصرف تاركا عطره يحتضن مشاعرها برفق .

جلست على الأريكة و وضعت الورد بجانبها و أخذت تلطم خدها بينما قلبها يخفق بشدة ..

هل يجب أن أصدق هذا ؟

أم أن مشاعري تترجم أفعاله بصورة أكبر من مقاصده العادية !

كانت باميلا تشم بأنفها البارد ساقي آناا و تلهث و تنبح بصوت متوسل .. أوووه حسنا حسنا ، سآتي لك بالطعام .

قفزت قفزات فرح متتالية قبل أن تذهب للمطبخ ، و لم تنتبه قط ل إد الذي يطالعها بإبتسام من خلف النافذة !

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً