الرئيسية / العدد الثاني والأربعون / بريد القراء: العروس

بريد القراء: العروس

LKubbQsZGCs

أنس الحافظ :

**

وأنا أنسج ذاكرتي ب-حبال صوتها المبحوح ، أنفض عن أذني غبار الكلام ، أفرك يدي بيدها الناعمة ، تظللني ابتسامات عينيها اللامعتين ، وهمهمات الحضور ، وهي تردد كلمتها المحبوبة وتبتسم في زحمة الأفكار ، هامسة في أذني ، كعادتها الفريدة ، بنضمها السجي و براءتها السمحة ، أعلم هذا سر بيني وبينك عزيزتي ، لن أفصح عنه أبدا ، مهما كانت الظروف والأحوال ، مازلت على عهدنا القديم و سأظل هكذا ..

ذات مساء جميل ،هادئ الغروب ، منعش برائحة المطر ;الدعاش ، كانت تحمل في يدها زهرتان ، واحده بلون عينيها ، وأخرى بلون شفتيها ، أهدته الثانية بعد أن احتضنتها وقبلتها ، فاستنشق عبيرها منتشيا مغمض العينين ، وذهبا يؤرجحان أيديهما المتشابكة بفرح وسرور غامر ، أدخل يده في جيبه ، بعد أن وضع الزهرة بين فتحة زار قميصه الهزاز ، فأخرج غمده من جيبه ممتلئا بثمار النبق ، اللالوب قدمها لها فامتصتها بحب ..

تعالت حولنا الضحكات المجلجلة ، وصرخ الأطفال ومشاكساتهم المرحة ، وتداخلت مع أصوات النسوة الحادة المربكة حد الإزعاج ، كن يتحدثن في وقت واحد ، ;ك-سوق الروب; ، كما تقول لنا جدتي دائما عندما نزعجها بأصواتنا الضاجة ، بدأت الزغاريد المغردة للفرح العظيم ، والفتيات يفرهدنا متغنيات يضربنا براحات أيديهن اللينة على الدلوكة ، ليصدح إيقاع السيرة منتظما ، يمجدنا العريس تارة ، العروسة تارة أخرى ، وأمهاتهما ..

تمااااام تمااااام يا أم العروس

تمااااام جايك عريس تمااام

يا أم العروس

هكذا تغنينا مبتهجات للعمال ملح الأرض وعمادها المنتصب ، للعسكري بتاع الحركة الكلو بركه ، لملتقي الثقافات ومنارات الوعي المدن الجميلة و الأحياء العتيقة العريقة ، القديمة منها والحديثة العشوائي ، وتغنين مزغردات مصفقات للقبائل للأمجاد للبطولات ، للنساء نبض الحياة ، وفكاهة الوجود ، ولعطرها الذي لا ينضب ، للحنانة ذائعة الجمال ، للأستاذة ست الكل معلمة الأجيال ، للسواق سيقا منو ؟ سايقا صلاح ، قلبا قلبا قلبا … والما بيصفق إنشاء الله ما يعرس … هكذا دندنت الربا

عبئت الفنجان المزين بالنجوم أبو نجمه; بالبن والماء المقطر المغلي بالهبهان ، القرفه ، الجنزبيل ، إرتشفت منه بتلذذ على مهل و هدوء ساحر ك-ليله شتوية ، وتأمل كاهن سبعيني المخرف ، رائحة بخور التيمان تبعبق المكان ، قالت في تساؤل وتمني متى ستحلق أحلامنا عالية على هذه السماء الصافية ! ملوحة يدها بحركة بهلوانية متموجة ، عندها سأضع النقوش والرسومات على يداي ، سأرسم هرما وتاج سأكتب أحبك ب-لغتي الأم ، ومدت يداها الرقيقتان إلى ساعدها و مررتهما على رجليها الجميلتان الممتلئتان لترتسم ابتسامه لاإرادية على وجهه ، أخذ نفسا عميقا ، ابتلع ريقه وأتبعه بحركة سريعة بما تبقى على الفنجان ، ليبتل حلقه وتنتعش الأفكار ، نظرت إليه بإعجاب دون كلمات فقالت : عيناها أعرفك جيدا أكثر من ذاتك من أنت ..وما تكون! فمسح وجهه براحتيه وحرك لسانه على شفته العليا والسفلى وضغط عليهما خفيفا وامتصهما حتى ابتللن ، ردت عيناه قائله : أنت روحي التي تقطن خارج جسدي ، ضحكت عينيهما وتعانقت الروح .

روحك تصدح طربا

أرقصها عاري كالمجنون

عيناك كلمات تلمع في قلبي وتتلألأ نجمات

همسك نسيم الروح المنعش

صوتك تمجيده عظيمة وتنفس ورد

قلبك مملكتي وبيتي الراقي

قلمك ومضات تسرح في الظلمات الحالكة ترشدني إليك

وجهك مرآتي و صوري الحالمة

صدرك مهد العشق الأمن والممتد

إسمك أسماء الحب الحسنى

وصفك فوق الوصف

أنثى سوداء كالليل

أراها أتأملها لم أوصفها كطبيعتها

فالتتقبلي رسمي هذا

وخطي إليك

كانا منذ نعومة أظافرهما في طفولتهما المبكرة ، يلعبان لعبة عريس وعروس ، يحبان هذه اللعبة وسط فرح الأطفال وإعجابهم المرئي ، عندما يغيب ، كانت لا ترضى بأحد غيره ، أن يشاركها الدور ، فتختار أن تكون الحبوبة ، أو أم البنات ، وأحيانا تختار أن تكون المرأة التي سافر عنها زوجها ، لا أحد من أطفال الحلة يجرؤ على أن يطلب منها أن تمثل معه ، كانت زوجته برضا الجميع ، وصمت مريب لأخويها الشرسين ، اللذان كانا يتجاهلان هذا الحب الظاهر للأعيان ، محاولين تجاوز تعقيدات التنشئة المتنكر عن الذات ، في حالات غيابها يعتذر اللعب ، كانت تكبر أمام عينيه يوم بعد يوم وتزداد جمالا وبهاء ، ويكبر أمامها ويزداد وسامه وصفاء ، ويكبران في عيون الأقران حبيبان زوجان جميلان ، ويتضاعف حبهما البكر ، أضعافا وأضعاف ، كانت علاقتهما كسر لجزء من تعقيدات ثقافة تنعت الحب بالعيب و قلة أدب والفوضى ، لقد كانت هذا الرقعة من العالم ، محفوفة بالجمال والآلام

تسربت إلى أذني إيقاع الدلوكة

وأصوات البنات

نادوا لي الزول دا

كان نايم صحو لي .. الزول د

لقيتو في الشجرة .. الزول دا

ماسك كتاب بيقراء ..الزول دا

نادوا لي .. الزول دا

كان يرقص منطربا أعلى قمة اللوري ، يقبض بيده علي سعف الدليب المصفف بعناية وزينة الحبوبات ، يهز ملوحا وسط الفرح الهائج ، يتبادل معها النظرات المبتسمة ، أبشري أبشر ابشر … وتتعالى أصوات الفتيات ، إيقاعات الدلوكة ، والروراى ، تردد الطبيعة” الجبال صدى الأصوات وجمالها الباذخ ، يطلق الأصحاب رصاص الفرح على الهواء الطلق ، تحلق الحمامات بهديلها ، وطيور الوادي والعصافير تغرد معلنة زفة و تتويج الحب عريسا وعروسه ، تتراقص بغنج الإناث ، متمايلة مستعرضة بأجنحتها ، يمينا وشمالا علي الهواء المشبع بعبق بت السودان ، يضغط سائق اللوري على ابنص الجاز بشكل متقطع ليخرج من العادم أبو شنب نغم متناسق مع الصخب الجميل ، وموسيقى البوري المتكلم تردد اي دا الشغل دا الشغل …

تملكته اللحظة بشعور هائج ، غير مكترث ، أحس بالتسامي و فقد وعيه بالزمكان ، شعر بأنه يعلو شيئا فشيئا يصعد إلى السماء ، تباعدت الأصوات ، الزغاريد ، إنه يحلق كالطائر … يرى اللوري ، يرى الفتيات ، يرى نفسه يرانا ، يبتسم ضاحكا ، تنز عينيه دموع الفرح السعيد ، يشعر بالعظمة ، كأنه يقول لنا : ” أنا ملك الطرب المبجل ، أنا ابن الثورة والفرح الحر ، لن أرى حزنا بعد اليوم ، لن تغضب عني السماء ، لقد نلت رضى القلوب وإعجاب عيون الجميلات لن تغضب عني الكائنات ، السحابات، النجوم ، الكواكب ، العصافير ، لقد وضعت على رأسها الدريرا ، وقرأت عليها التمائم الكجور وعطرتها بالصندل والحب أثناء ممارستي له بتعاليمه وتقاليده الحية و الحديثة ، هذا السمو الروحي في قمته السوداء ، يضاهي عظمة الدرويش وتجلياته المنجذبة بالذكر ، أنا فرح الله في الأرض و إيقاعه المنتظم على امتداد الشمس بينما يمارس ألقه بين السحابات ، سابحا برجليه الاثنين محلقا عاليا ، يهز سعفته ملامسا عنان السماء ، تطرب روحه المنجذبة علوا متقافزة فرحا ، ينثر قلبه نبضات رائعة كزخات مطره خفيفة ، فجأة اختفت عن عينيه معالم المكان غابت عنه الرؤيا وسكتت الأصوات ، فإذا به يهبط ساقطا على الأرض كحجر القي في بئر في صمت الجميع ، عدا صوت داخله يدندن بعيدا .. الليلة سائر يا ود القبائل …

فأحس بشيء يقفز ويلامس رجله ففتح عينيه ببطء ليجد نفسه متكوما على الأرض تحت السرير ورجله تهتز بقوة وكديسته تلاعبها بمرح ، نهض يتصبب عرقا ، كمن تسلق جبال “لوتي” متسابقا ، يسمع ضربات قلبه الخافق بقوة كإيقاع نقارة ، حدق حوله متأففا ، وجال ببصره ببطء أرجاء الغرفة ليجد رجله قد هدأت قليلا من اهتزازها ، فحمل كديسته وظل يربت عليها بيده وهي تمؤ ناو ناو ..

لتظل بقايا الأمس محفوظة في أقراص قلبه المرن

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

2 تعليقان

  1. Wow! This can be one particular of the most useful blogs We’ve ever arrive across on this subject. Basically Great. I am also an expert in this topic therefore I can understand your hard work.

  2. We have only put on these about two times, but both times i bought plenty of compliments, and Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com are extremely good.

اترك تعليقاً