الرئيسية / العدد الثاني والأربعون / المنهج: بين العلوم الطبيعية ودراسة الأدب ( 2)

المنهج: بين العلوم الطبيعية ودراسة الأدب ( 2)

f6rmEnglishLiterature

بقلم : رينيه ويلِك و وأوستن وارن

ترجمة خاصة : عبير حماد

abeer.hammad@hotmail.com

**

الفصل الثاني:

إن أول مشكلة تواجهنا بكل وضوح هي موضوع الأدب ومادته : ما هو الأدب؟ وما هو غير الأدب ؟ ما هي طبيعة الأدب؟ وعادةً ما تُثار أسئلة بسيطة كهذه ولكنها قلما تُجاب بوضوح.

وإحدى الطرق لحل هذه المشكلة هي أن نُعَرف الأدب بأنه “كل شيء مطبوع”، وبناءً على ذلك فإننا سنكون قادرين على دراسة ” مهنة الطب في القرن الرابع عشر” أو” الحركة الكواكبية في أوائل العصور الوسطى ” أو “ممارسة السحر في انجلترا القديمة و الجديدة ….

و كما جادل إدوين قرينلو قائلا : ” لا شيء من المرتبط بتاريخ الحضارة يقع خلف اختصاصنا “فنحن” مقيدون برسائل بيل أو حتى بالمطبوعات أو سجلات المخطوطات في محاولاتنا الجاهدة لفهم فترة زمنية معينة أو حضارة ،كما يجب علينا ” العمل في ضوء مساهماتها الممكنة في تاريخ الثقافة”. ووفقا لنظرية جرينلو وعددٍ آخر من العلماء فإن الدراسة الأدبية لم تعد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا فقط بتاريخ الحضارات ولكنها عوضا عن ذلك أصبحت متجانسة معه ، وهي أدبية فقط في كونها مقصورة على الإنتاج المكتوب أو المطبوع والذي هو بالضرورة المصدر الأساسي لمعظم التاريخ. ويمكن القول بطبيعة الحال دفاعًا عن هذا الرأي أن المؤرخين تجاهلوا مشاكل كهذه وانشغلوا أكثر بالأمور الدبلوماسية ،والعسكرية ،وتاريخ الاقتصاد ، كما أن علماء الأدب أيضًا راضون عن الغزو والاستيلاء على منطقة مجاورة وهي منطقة التاريخ .

لاشك بأنه لا يحق منع أحد من الدخول في المجال الذي يحب، ومن المؤكد أن الكثير قد يقاتل في السعي وراء دراسة تاريخ الحضارة في معانيه الواسعة، ولكن تبقى هذه الدراسة متوقفة على كونها أدبية .

وهناك اعتراض غير مقنع كون هذا الجدل حول المصطلح ، فدراسة كل ما يرتبط بتاريخ الحضارة في واقع الأمر قد زاحم الدراسة الأدبية بشدة ، و قد أسقطت كل المفارقات في الأدب وأدخلت شروط عرضية فيه، ونتيجة لذلك فإن الأدب سيحكم على قيمته وفقًا لنظريات الأدب فقط في حالة أنه أثمر نتائج لهذا أو لتخصص قريب منه . ثم إن ربط تعريف الأدب بتاريخ الحضارة هو نفي لخصوصية هذا المجال وخصوصية أساليب الدراسة الأدبية.

هناك طريقة أخرى لتعريف الأدب هي حصره على “الكتب العظيمة”، التي أيًا كان مجالها “فهي مميزة لتركيبها الأدبي أو تعابيرها” .فالمعيار هنا إما الثروة الجمالية وحدها، أو أنه الثروة الجمالية مع العلامات الثقافية العامة.

تختار الأعمال العظيمة في الشعر والدراما والأعمال الخيالية بناءً على الخلفية الجمالية، أما الأعمال الأخرى فتختاره بناء على سمعتها وتميزها الثقافي مجتمعة مع القيم الجمالية الخاصة ذات الخصائص من نوع أضيق والتي عادة ما تُختار  كالأسلوب ، والبنية ، وقوة الحضور العامة، وهذه إحدى الطرق المعروفة للحديث عن الأدب وتصنيفه فبقولنا عن عمل “أنه غير أدبي” فإننا نستخدم قيمة معينة للحكم على الأعمال سواء كانت في التاريخ، الفلسفة، أو العلوم التي تنتمي للأدب أولًا.

بُنيت الدراسات على فرضية كهذه، فالمقدمة التي كتبها هنري هالمز عن تاريخ الأدب في القرون الخامس والسادس والسابع عشر ناقشت كتب في اللاهوت، المنطق، فلسفة التشريع بل وحتى في الرياضيات، أما علم التاريخ ولأسباب غير محصورة بقي هو وحده المستثنى من هذه الدراسة.

وعلى الرغم من أن خط هالمز الفاصل قد يبدو اعتباطيًا بشكل استثنائي، فإن معظم الدراسات الأدبية التاريخية تناولت فلاسفة، مؤرخين، وعلماء اللاهوت وفلاسفة الأخلاق، سياسيين بل وحتى علماء، فمن المستحيل مثلًا تخيل دراسة أدبية تاريخية عن إنجلترا في القرن الثامن عشر دون التطرق لبيكلي وهيوم، بتلر و جيبون، بير بل وحتى آدم سميت ، وعادة ما تكون سيرة هؤلاء المؤلفين المذكورة أقصر من سيرة الشعراء وكتاب المسرحية والروائيين؛ بسبب ميزاتهم الجمالية الصارمة والنادرة، وتحديدًا هو اطلاع سطحي وغير متخصص نظرًا لتخصصاتهم، فبالتأكيد لا يمكن الحكم على هيوم عوضًا عن كونه فيلسوف، وجيبون عدا كونه مؤرخ، بتلر كفيلسوف أخلاق مسيحي، وآدم سميت كفيلسوف أخلاق واقتصادي، ولكن في معظم الدراسات الأدبية والتاريخية بأسلوب جزئي بدلًا من سياق مناسب يتضمن تاريخ اختصاصاتهم، أي بدون فهم حقيقي لتاريخ الفلسفة، أو النظريات العرقية ، أو التأريخ أو حتى النظريات الاقتصادية، فالمؤرخ الأدبي لا يتحول تلقائيًا إلى مؤرخ متميز في هذه التخصصات ، فهو مجرد جامع للمعلومات ومتدخل بها عمدًا.

إن الدراسة التي تعزل “الكتب العظيمة” جديرة بالثناء لأغراض تعليمية، فيجب علينا جميعًا التأكيد على أنه يجب على الطلاب والطلاب المبتدئين قراءة الكتب العظيمة أو كتب جيدة على الأقل بدلًا من التجميعات أو الفوضويات التاريخية، ولكننا قد نشك باستحقاق هذا المبدأ قيمته في حفاظه على الأصالة فيما يخص العلوم، التاريخ أو أي نوع آخر من المواد القديمة أو المتقدمة، أما في تاريخ الأدب التخيلي فإن تطبيق مبدأ الحصر على الكتب العظيمة تجعل اتصال تراث الأدب، وتطور الأنواع الأدبية والعملية الطبيعية للأدب مبهمة بغض النظر عن إخفاء الخلفية الاجتماعية واللغوية والفكرية أو الأيديولوجية وغيرها من الظروف المهيأة. فهناك وجهة نظر جمالية في كل من التاريخ والفلسفة وغيرها من المواد، وبكل وضوح فلا سبب آخر لاختيار توماس هاكسلي من بين كل العلماء الإنجليز ليصنف كشخص يستحق القراءة غير التأكيد على أهمية الأسلوب والتنظيم التوضيحي، إضافة إلى ما سبق فإن هذا المعيار ومع بعض من الاستثناءات يؤثر الرائج فيه على المنشأ، لذا يجب أن يؤثر هالكسي على نيوتون وبيرقسون على كانط.

يبدو مصطلح “أدب” أفضل إذا قُصر على فن الأدب والذي هو الأدب التخيلي، وهناك عدة صعوبات في توظيف المصطلح، أما في الإنجليزية فإن المرادفات الأخرى كـ”الخيال” أو “الشعر” هي إما مستخدمة في معنى ضيق أو أنها مُضللة وغير بارعة في التعبير كـ”الأدب التخيلي” أو رسائل بيلس. وأحد الاعتراضات في الأدب هو الاقتراح النابع من معناها الأصلي المشتق من كلمة (utera) الذي يقول بحصر الأدب في المكتوب والمطبوع ، حيث أن أي فكرة واضحة ومترابطة يجب أن تتضمن “أدبًا شفويًا” لذا ففي هذا الصدد فإن المصطلح الألماني (wortkunst) والروسي (slovesnost) لهما الأفضلية على المرادف الإنجليزي.

إن المفارقة الرئيسية تطرح في الفرق بين اللغة المستخدمة في الأدب واللغة اليومية واللغة العلمية ، و مؤخرًا ناقش توماس كلارك هذه النقطة من منظور الاثني عشرة نظرية للأدب والذي بدا فيها توماس غير راضي تمام الرضا مع كل ما ذهبت إليه النقطة من صحة ، وخصوصًا في تحديد المفارقة بين الأدب واللغة اليومية.

تبدو هذه المشكلة حاسمة وغير بسيطة الحل ولا بأية وسيلة خلال الممارسة، حيث أن الأدب – باختلافه عن بقية الفنون – لا يملك محيط خاص به، ولو احتوى على عددٍ من الصيغ والترجمات المتقنة فيه. إن التفريق بين اللغة الأدبية واللغة العلمية سهل بشكل مقبول، غير أن المقارنة بين “الفكرة” و”العاطفة” أو “الشعور” غير كافية، فالأدب لا يحوي أية أفكار، أما اللغة العاطفية معهود بها إلى الأدب  في كل تمثيلاته من الشهادة على محادثة بين عاشقين أو أي جدال عادي آخر، أما اللغة العلمية المثالية فهي دلالية، فهي تهدف إلى تطابق تام بين الإشارة والمشار إليه، فالإشارة اعتباطية بالكلية بالرغم من إمكانية استبدالها بإشارات مرادفة أخرى، وهي أيضًا جلية، صريحة فمن غير أن نلفت الانتباه لها تقودنا بشكل واضح وجلي إلى المشار إليه ، أما اللغة العلمية فتتجه إلى أن تكون نظامًا من الإشارات كالرياضيات والمنطق الرمزي، وهي مثالية كلغة عالمية، مثل الخصائص العالمية (characteristicauniversails) التي بدأ لاينتس باستخدامها في أواخر السبعينيات ومقارنة باللغة العلمية تظهر اللغة الأدبية ضئيلة، فهي تستفيض في الغموض، وكأي لغة تاريخية فهي مليئة بالجناس التام، وعددٍ من التصنيفات الاحتياطية واللا منطقية كالجنس النحوي، وتتخللها الأحداث التاريخية والذكريات والروابط، وبتعبير آخر فإنها “ضمنية” بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك فإن اللغة الأدبية بعيدة كل البعد عن أن تكون مرجعية، فلها جانبها التعبيري بحيث توصل نبرة وموقف الكاتب أو المتحدث، ولكنها لا تعبر ولا تظهر ما يقول، وهي أيضًا تريد أن تؤثر على موقف القارئ بإقناعه أو أن تغيره جوهريًا. وهناك فرق آخر مهم بين اللغة الأدبية والعلمية، فالأولى تشير بنفسها ، حيث أن رمزية الصوت في الكلمة مؤكدة، فكل أنواع الأساليب وُجدت حتى تلفت الانتباه إليها كالبحور الشعرية، الجناس الاستهلالي والأوزان الصوتية.

 

هذه المفارقات القائمة على المقارنة مع اللغة العلمية قد تتم بناءً على درجات تختلف باختلاف الأعمال الأدبية ، فمثلًا ستكون الأوزان الصوتية أقل أهمية في الرواية منها في أبيات شعرية محددة ، والتي من الصعب ترجمتها ترجمة كافية، فالعناصر التعبيرية في طبيعة الأدب قد تكون أبعد كثيرًا من أن توجد في رواية موجهة والتي قد تخفي موقف الكاتب وتغيبه تقريبًا أكثر من  لو كانت أبيات شعرية شخصية. إن العناصر العملية المتجاهلة في الشعر “الحقيقي” قد تكون موجودة بشكل أكبر في الرواية ذات الغرض أو في القصيدة الهجائية أو التعليمية. بالإضافة إلى ذلك فإن درجة تحليلية اللغة تختلف بشكل كبير ، فهناك عدد من القصائد الفلسفية والتعليمية لا يمكن استثنائها من الأدب، والتي مع ذلك لا تزال تقريبًا تعد لغة علمية. وبالرغم من أي نوع من الأساليب المختلفة التي قد تظهر عند تحليل الأعمال الفنية الأدبية الواقعية فإن المفارقة بين الأدب والعلوم تبقى واضحة، فاللغة الأدبية أكثر تعمقًا في التركيب التاريخي للغة، كما أنها تؤكد على معنى الإشارة المستخدمة نفسها، ولها جانباها التعبيري والعملي والذي ستحاول اللغة العلمية دائمًا تقليله قدر الاستطاعة.

تكمن الصعوبة الأكبر في محاولة التفريق بين اللغة اليومية واللغة الأدبية ، فاللغة اليومية غير موحدة الأفكار فهي تضم مجموعة متنوعة والتي تتضمن اللغة الدارجة أو العامية ،لغة التجارة ،اللغة الرسمية واللغة الدينية بالإضافة إلى العامية الدارجة بين الطلاب، ومن الواضح أن ما قيل بخصوص اللغة الأدبية يُطبق على كل الأنواع الأخرى من اللغات عدا العلمية ، فللغة اليومية أيضًا خصائصها التعبيرية ، و على الرغم من هذه النماذج المختلفة من انعدام الإعلان الرسمي وحتى الشغف بالاحتجاج المستيقظ خلال لحظة من الأزمات العاطفية فإن اللغة اليومية مليئة باللاعقلانية والتغيرات السياقية في تاريخ اللغة ، مع أنها في بعض الحالات تهدف إلى الوصول إلى دقة اللغة العلمية. من حين لآخر قد يكون هناك وعي بالإشارات ذاتها في الحديث اليومي، ولكن هذا النوع من الوعي لا يظهر في الرمزية الصوتية الخاصة بالأسماء و ردود الأفعال. ومما لا شك فيه أن اللغة اليومية ترغب أكثر في الوصول إلى نتيجة والتأثير على المواقف و ردود الأفعال، وسيكون من الخطأ حصرها بالتواصل، فحديث الطفل لساعات بدون أن يجد مستمع، وثرثرة الكبير التي بلا هدف تظهر أن هناك استخدامات عديدة للغة والتي ليست بالضرورة أو على الأقل في أساسها صريحة.

 

إن اختيار اللغة الأدبية للمقارنة قبل غيرها من الاستخدامات اليومية لهو أمر كمي، فمصادر اللغة مسخرة لدراسة أكثر تأني كما أن 14 نظرية في الأدب موضوعة بانتظام لاستخدامها.

في أعمال الشعر الشخصي نحتاج أن نبين “الشخصية” لزيادة الترابط وتغلغل الأشخاص في النص كما لو أننا نراهم في المواقف اليومية ،و يُستخدم في بعض أنواع الشعر أسلوب المتناقضات، الغموض ، تغيير المعنى وفقًا للسياق، وحتى الجمع بين أنواع مختلفة من القواعد بطريقة لا منطقية كالتلاعب بالجنس أو التصريف بطريقة غير متأنية. إن اللغة الشعرية تنظم وتوثق مصادر اللغة اليومية وفي بعض الحالات لا تكون عنيفة عليها، وكل ذلك هي جهود لإدخالنا في الوعي والانتباه، وقد يجد الكاتب عددًا من هذه المصادر مؤلف ومستخدم في أعمال مسماة في أجيال عديدة، في أنواع محددة من الأدب المتطور وفي عهود محددة يستخدم الشاعر اتفاقية :هي اللغة للتحدث وإلقاء الأشعار، وبرغم ذلك يتطلب كل عمل فني ترتيب وتنظيم و وحدة لعناصره، وقد تبدو هذه الوحدة أحيانًا مفككة جدًا كما في المسودات وقصص المغامرات ولكنها قد تزيد من تعقيد وحبكة ترتيب قصيدة معينة والذي يجعل من المستحيل تغيير كلمة فيها أو موقعها من غير التسبب بإضعاف كلي لأثرها.

إن المقارنة العملية بين اللغة الأدبية واللغة اليومية أكثر وضوحًا، فنحن نخرج أو نحدد كل ما هو بلاغي بحت ليقنعنا ذلك بتعريف خارج عن الأفعال. يؤثر بنا الشعر الواقعي ببراعة أكبر، فالفن يضع بعضًا من الأطر المأخوذة من الإقرار الموجود في الأعمال الخارجة عن نطاق العالم الحقيقي، وخلال تحليلنا الدلالي نستطيع إعادة تقديم عدد من الأفكار المنتشرة عن الجمال اللغوي كالتأمل اللامبالي، والمسافة الجمالية، والتأطير. ومرة أخرى فإنه يجب علينا إدراك أن المفارقة بين الفني واللافني والأدبي واللأدبي هي  مقارنة عائمة، فالعامل الجمالي قد يتسع ليشمل التصريحات اللغوية لعدد من التصنيفات. إن استثناء الفن الدعائي والشعر التعليمي والهجائي من مفهوم الأدب ما هو إلا تضييق له، كما يجب علينا ملاحظة الأشكال الانتقالية الأخرى من الأدب: كالمقالات ،السير الشخصية، وكل أدب بلاغي أو بدائعي آخر.

في إحدى حقب التاريخ كان حقل الخاصية الجمالية يتسع ويضيق، فمثلًا كانت الرسائل الشخصية في إحدى الحقب الزمنية تُصنف شكل من أشكال الأدب، كما كانت الخطب، أما اليوم ومع الاتجاه المعاصر الواقف ضد الإبهام الحاصل فيما يخص الأنواع الأدبية فيظهر تضييق للخاصية الجمالية، وفي طبيعة الأدب 15 يظهر تأكيد على أصالة الفن كموقف مضاد للاتجاه القائل بشمولية كون الجمال و التذوق الفني أساسان لكل شيء ،وهو ادعاء أظهره علم الجمال وذاع صيته في أواخر القرن التاسع عشر.

ولذلك يبدو أنه من أفضل أن يُعد العمل أدبيًا فقط في حالة سيطرت الخاصية الجمالية عليه، مع ملاحظاتنا لأعمال تحوي خصائص جمالية في الأسلوب والتركيب مع أنها ليست أعمال ذات غرض أدبي إطلاقًا.

رغم كل ما سبق فإن طبيعة الأدب تظهر بشكل واضح في الجانب المرجعي له، فمركز الأدب يبدو وجوده  واضحًا في الأنواع الأدبية التقليدية من الأبيات الشعرية ، الأعمال الملحمية والدراما، فالمرجع في كل هذه الأعمال هو عالم مختلق من الخيال ، عالم متخيل ، فالتعبير الموجود في رواية أو قصيدة أو حتى في الدراما هو غير صحيح حرفيًا ولا يحمل مقترحات أو أية أفكار منطقية. وهناك فرق واضح وأساسي بين هذه التعبيرات، فحتى في الروايات التاريخية أو في رواية لبيلزاك فهي تظهر كأنها تحاول نقل معلومة عن حدث حقيقي ونفس هذا التعبير يظهر في كتاب تاريخي أو اجتماعي. وحتى في الأبيات الشعرية الشخصية فإن “أنا” الشاعر هي متخيلة ودرامية ، كما أن الشخصية الروائية تختلف عن الرمز التاريخي أو عن رمز في العالم الحقيقي، فهذه الشخصية مخلوقة لأجل تلك الجمل التي تصفها والتي تنطق بها بلسان المؤلف، فلا ماضي لها ولا حاضر ولا حتى مستقبل ولا متابعة في الحياة.  وهذا التفكير الأساسي يتخلص من عدد كبير من الانتقادات التي طالت شخصية هاملت في مدينة فيتنبرغ، كما طالت تأثير والد هاملت على ابنه، شخصية فالستاف الشابة والضعيفة في مقال مارسي مورغان الممجدة لها بطريقة مضحكة ، كتاب “صبوة الفتاة في بطلات شكسبير”، والسؤال ” كم طفل لديهم كالسيدة ماكبث؟”،كلها تؤكد أن الزمان والمكان في الرواية لا تمت للواقع بصلة. وحتى في تلك الروايات التي تظهر كأنها واقعية جدًا، فإن كل  الأجزاء من الحياة ورغم كل المحاولات لجعلها طبيعية تعد وفقًا لبعض الفنيين تقليدًا وخصوصًا من منظور تاريخي، فباستطاعتنا أن نرى كيف تتشابه الروايات ذات المذهب الطبيعي في اختياراتها لنوع الشخصيات، وللأحداث المختارة أو الحاصلة وحتى في طريقة إدارة الحوارات، كما أننا نحس مدى التقليدية أيضًا في كل أعمال الدراما ذات المذهب الطبيعي ،وليس فقط في طريقة صياغة المشاهد ولكن أيضًا في طريقة معالجة الزمان والمكان، بل وحتى في طريقة اختيار الحوارات الحقيقية الافتراضية وإجرائها، وطريقة دخول الشخصيات للمسرح وخروجها منه. إذا أيًا تكون المقارنة و وفقًا للنظريات الست عشر للأدب بين مسرحيتي “العاصفة” و “بيت الدمية” فإن كلتاهما تتشارك نفس النمط الدرامي التقليدي.

 

في حالة اعتبارنا ل “الجنسية” و”الابتكار” أو “الخيال كسمات مميزة للأدب فإننا نفكر بهوميروس ، دانتي ،شكسبير، بيلزاك ، كيتس أكثر من تفكيرنا بشيشرون أو دي مونتين، بوسويه أو إيمرسون. و على نحو لا يمكن إنكاره فإن هناك بعض الحالات المتطرفة ، فأعمال كالجمهورية لأفلاطون والتي من الصعب تجاهلها على الأقل فيما تحويه من أساطير عظيمة، فالنصوص المبتكرة والمتخيلة هي في نفس الوقت أعمال أساسية في الفلسفة، وهذه الفكرة عن الأدب هي فكرة وصفية وليست تقييمًا. ولا مشكلة في الربط بين الأعمال المؤثرة بالأعمال البلاغية أو الفلسفية أو الكتيبات السياسية فجميعها قد تثير مشاكل للتحليل الجمالي أو الأسلوب والتراكيب تكون مشابهة أو مطابقة لتلك الموجودة في الأدب، لكن جودة العنصر الخيالي الأساسية ستكون مفقودة. وهذا الفكرة ستتضمن كل أنواع الأعمال الخيالية، حتى أسوء الروايات وأسوء القصائد وحتى أسوء الأعمال الدرامية، ويُفترض بالتصنيفات الفنية أن تختلف عن التقييم.

و يجب هنا توضيح أحد المفاهيم الخاطئة المنتشرة وهي أنه: لا تشبيهات في الأدب الخيالي، ولكن يتخلل اللغة الشعرية بعض التصويرات والتي تبدأ برمز بسيط والذي يبلغ أوجه ليشمل نظام بليك وييتس في توظيف الأساطير، ويجدر بالذكر أن العبارة الخيالية ليست أساسية ولا حتى في الأدب ،فهناك عدد من القصائد الجيدة بلا صور خيالية كما أن هناك نوع من آخر هو الشعر التصريحي ،وعلاوة على ذلك فإنه يجب عدم الخلط بين التشبيهات الخيالية والحقيقية وبين الإثارة و اختلاق الصور البصرية. و تحت تأثير هيقل في القرن التاسع عشر ناقش متبعي مدرسة الجمال الفني والتذوق الفني أمثال فستشر وإدوارد فون فكرة أن كل أنواع الفن هو سطوع الإثارة صعودًا إلى الفكرة ،بينما كان رأي متبعي مدرسة أخرى (فيدلر،هيلدبراند وريهل) والذين يرون أن كل أنواع الفن ذات رؤية واضحة. وعلاوة على ذلك فإن الأدب الجيد لا يوظف كثيرًا من صور الإثارة وفي حالة توظيفها فإنها تكون عرضية وبشكل متناوب، قد لا يضع الكاتب أية صور  بصرية في وصف الشخصية الخيالية على الإطلاق، ولكن سيكون باستطاعتنا نحن تخيل أية شخصية من شخصيات دوستوفيسكي أو هنري جيمس بمعرفتنا لحالتها العقلية، دوافعها ومواقفها ورغباتها كاملةً.

 

في المعظم فإن الكاتب يقترح شخصية ذات مخطط أو خاصية فيزيائية وهي الممارسة المعتادة لدى تولستوي وتوماس مان، و في الحقيقة فإننا نعترض على الشروحات التي يطرحها بعض الفنانين في بعض الأحيان (مثل:ثاكري)وحتى لو طرحها المؤلف نفسه، لأنها تبدو وكان الكاتب يعرض لنا مخطط معين بطريقة لا تظهر وكأنها محشوة بالتفاصيل. و إذا كنا سنتخيل كل مجاز في الشعر فإننا سنشعر حتمًا بالارتباك والتشتت، وبينما أنه من عادة بعض القراء التخيل فهناك بعض النصوص في الأدب تبدو وكأنها تتطلب هذا النوع من التخيل. ولا يجب الخلط بين السؤال النفسي وبين تحليل أدوات الشاعر الرمزية، وهذا النوع من الأدوات هو تنظيم عقلي يحدث خارج الأدب أيضًا. وهكذا فإن المجاز يكمن في كثير من لغتنا اليومية وبشكل صريح في العامية والأمثلة، معظم الوصف التجريدي للانتقال المجازي مشتقة أساسًا من العلاقات الملموسة ( الفهم ، التعيين ، الاستبعاد ،الاستنتاج، الإسناد، الافتراض). يحيي الشعراء هذه الشخصيات المجازية اللغوية ويجعلوننا منتبهين لها عن طريق استخدامها للرموز والأساطير الخاصة بحضارتنا : الكلاسكية ، التيتونية ، الكيلتية والمسيحية.

 

كل هذه المفارقات بين ما هو أدبي و غير أدبي والتي ناقشناها بناءً على خبرة شخصية و استغلال وفهم للمحيط، مع خلوها من الأغراض العملية وبالتأكيد المقاومة التخيلية في إطار من التحليل الدلالي للمصطلحات الجمالية العتيقة مثل ” الوحدة في الاختلاف” ، “التأمل اللامبالي” ، “المسافة الجمالية ” ،و “التأطير”،” الابتكار” و”المحاكاة”، وكل واحد من هذه المصطلحات يناقش جانب من جوانب الأعمال الأدبية، وخواص الشخصيات في اتجاهها الدلالي. ولا شيء منها يدل على الرضا بها، ولكن يفترض إظهار نتيجة واحدة وهي أن العمل الأدبي الفني ليس عنصر بسيط ولكنه منظومة معقدة جدًا من الشخصيات المرتبة بمعاني وعلاقات متعددة.

إن المصطلح الذي يستعمل عادةً للتعبير عن “الكائن الحي” هو مصطلح مضلل نوعًا ما ؛ لأنه يؤكد على جانب واحد فقط هو “الوحدة في الاختلاف “، كما أنه يقود إلى موازنة حيوية ليست دائمًا ذات صلة. بالإضافة إلى ذلك فإن فكرة “هوية المحتوى وشكله” في الأدب هي أيضًا مضللة على الرغم من أنها تقود الانتباه إلى العلاقات الداخلية في العمل الفني لكونها شديدة السطحية.

وفقًا للنظرية الثامنة عشر في الأدب فإنه أي الأدب يشجع على الإيهام بأن تحليل أي عنصر صناعي ومهما كان محتواه أو طريقته يجب أن يكون مفيد ويعفينا واجب الاطلاع على العمل الأدبي كاملًا. أما مصطلحي “المحتوى” و “الشكل” فهما مستخدمان في معاني عديدة ومختلفة، مصفوفة ومفيدة، وحتى بعد تعريفهما الدقيق فإنهما بسيطين جدًا حتى يقسما العمل الفني، ولذا يجب أن تبدأ الدراسات التحليلية الحديثة للعمل الفني بأسئلة أكثر تعقيداً كشكل وجودها ونظام طبقاتها.

الفصل الثالث: وظيفة الأدب

يجب أن تكون طبيعة الأدب ووظيفته متلازمتين في أي خطاب مترابط، فاستخدام الشعر يتبع طبيعته، و كل شيء أو مجموعة من الأشياء يجب أن تُستخدم لما هي له بمنطقية وكفاءة أو مركزية، ولا يتطلب الأدب استخدامًا ثانويًا إلا عندما تزول وظيفته الأولية فقط، كما لو تحول دولاب الغزل إلى تحفة للزينة أو قطعة أثرية في متحف، أو كما لو أن البيانو لم يعد صالحًا للعزف ليحول بعدها إلى مكتب مفيد، وبنفس الطريقة فإن طبيعة الشيء تخضع لاستخدامه أي ما يقوم به.

فللأداة تركيبها المناسب حتى تؤدي وظيفتها مع أي نوع من اللوازم من وقت ومواد لجعل العملية ممكنة والتي قد يظن متذوق العمل أنها أضيفت لأنها مرغوبة. ولربما وُجد الكثير من هذه الإضافات غير الضرورية للوظيفة الأدبية في أي عمل أدبي ولكنها مبررة وممتعة لأسباب أخرى.

هل لديك أية فكرة إذا ما كانت طبيعة الأدب ووظيفته قد تغيرت عبر التاريخ ؟ من الصعب إجابة سؤال كهذا، فإذا عاد أحدنا في الزمن إلى الوراء كفايةً فستكون إجابته نعم، أي إذا عاد إلى الوقت الذي نشأ الأدب والفلسفة والدين فيه بدون فروقات كما كان منتشرًا بين الإغريقيين هيسود واسخيلوس كمثال. أما أفلاطون فقد تحدث عن الخلاف القائم بين الشعراء والفلاسفة كخلاف قديم وقد عنى بذلك أنه خلاف جلي لنا، وعلى النقيض من ذلك فلا يفترض بنا أن نضخم الفروق كما فعل أصحاب مذهب ” الفن لمصلحة الفن ” في نهاية القرن التاسع عشر أو كالمذهب الأحدث”  poésie pure”  وهو “المذهب الهرطقي” كما سماه إدغار آلان جو و الذي كان قد سمى الاعتقاد بأن الشعر أداة تعليمية ب”الهرطقة التعليمية “،و هو لا يشابه معتقد عصر النهضة التقليدي القائل بتدريس القصائد التي حظيت بإعجاب كبير أو أن يتم تدريس القصائد حسب ما تحظى به من إعجاب.

في المجمل فإن قراءة تاريخ الجماليات أو الشاعرية تترك انطباعًا لقرائه بأن طبيعة الأدب و وظيفته مختلفتين اختلافًا كليًا كما لو أنهما بحاجة أن يوضعا على مقياس عام كبير للمقارنة بينهما وبين غيرهما من النشاطات والقيم الإنسانية التي لم تتغير أساسًا.

يمكن تلخيص تاريخ الجماليات تقريبًا كجدلية تجمع الفرضية والفرضية المعاكسة لها في شطر هوارس (dulce and utile) : الشعر حلو ومفيد، و تظهر كلا الصفتين منفصلة هرطقة متناقضة لوظيفة الشعر، وعلى الأرجح أنه من الأسهل ربط الشطر (dulce and utile ) بناءً على الوظيفة لا على الطبيعة. فالنظرية القائلة بأن الشعر متعة ( مشابه لأي متعة أخرى ) ما هي إلا رد على النظرية القائلة بأن الشعر تعليم ( مشابه لأي كتاب تدريس )، وقد رُد على النظرية القائلة بأن كل شعر هو دعاية أو يجب أن يكون بنظرية أن الشعر صوت وصورة صافيين ومزخرفين أو يجب أن يكون كذلك بدون الرجوع في ذلك لعالم المشاعر الانسانية.

ولعل ما يُضاد هذه البحوث في نسخها المتقنة النظريات القائلة بأن الفن ” لعبة ” وأنه ” عمل ” ( “حرفة” الخيال و”عمل” الأدب) “ولا يمكن لكلا النظريتين أن تبدو مقبولة.

فالقول بأن الشعر ” لعبة ” أي تسلية عفوية، تشعرنا بأن المعادلة لم تكن بناءً على الاهتمام والمهارة وتخطيط الفنان ولا حتى بناءً على جدية وأهمية القصيدة، ولكن القول بأن الشعر ” عمل ” أو ” حرفة ” فإننا نشعر بأن هذا العنف مورس بسبب متعته وما سُمي به هو  ” العشوائية ” لذا يجب علينا أن نصف وظيفة الفن بنفس الطريقة التي وصفنا بها الشطر(dulce and utile) حتى يكون مساويًا له.

تقدم الصيغة الهوارسية نفسها بدايةً مساعدةً، فإذا تذكرنا أن الدقة في استعمال المصطلحات النقدية حديث جدًا، فباستطاعتنا أن تعطي مصطلحات هوارس إضافة كريمة كفاية حتى تشمل الممارسة الإبداعية في العصر الروماني وعصر النهضة، ففائدة الأدب لا تحتاج أن تُعلم لتكون موجودة في تنفيذ درس معنوي، كما كانت رواية ( Le Bossu  ) السبب وراء كتابة هوميروس للإلياذة أو ما وجده هيغل في مأساته المفضلة ( أنتيجون ). وكلمة ” مفيد ” هي المرادف لـ”عدم إضاعة الوقت” وليس شكلًا من ” تمضية الوقت ” أي أنه شيء يستحق اهتمامًا حقيقًا، أما ” حلو ” فهي مرادف لـ “غير مزعج ” و ” ليس بمهمة ” و” هو مكافأة بنفسه “.

هل باستطاعتنا استخدام هذا المعيار كأساس لتعريف الأدب أو عوضًا عن ذلك كمعيار للأدب العظيم ؟في جدالات أقدم لم يكن هناك أي وجود واضح لتفريقات بين الأدب كعظيم وجيد وفرعي، وهناك شك حقيقي فيما يتعلق بكون الأدب الفربعي (مجلات اللب) وهي مجلات القصص الخيالية “مفيدة” أو “تعليمية”، وعادةً ما يُعتقد بكون هذا النوع من الأدب كاملًا “طريقة للهروب” و “اللهو والتسلية”. ولكن من المفترض أن يجيب على هذا السؤال قراء هذا النوع من الأدب وليس قراء الأدب الجيد،فعلى الأقل سيجد فمورتيمر أدلر عنصرًا عقليًا وراء اهتمام القراء مؤخرًا بالروايات العقلانية،وفيما يتعلق ب”الهروب” فإن كينيث بورك ذكرنا بكيف من الممكن أن يصبح عبئًا سطحيًا، فالحلم بالهروب قد يجعل القارئ يؤكد على توضيح عدم شعوره بالرضى عن البيئة التي وضع فيها. قد يصبح الفنان مدمرًا بمجرد غنائه بكل براءة في أي رحلة على النهر، وكإجابة على سؤالنا فمن المحتمل أن كل أنواع الفن “حلو” و “مفيد” بالنسبة لمستخدميه المناسبين وهو الذي يفصل سموه إلى فكرتهم الخيالية بالبحث الشخصي أو التفكير، والتي تمنحهم الشعور بالمتعة بسبب المهارة التي تجعلهم يلفظون بوضوح ما يعاملونه كفكرتهم الخيالية الشخصية أو التفكير به وأيضًا بسبب إظهارهم لتجاربهم عبر هذا اللفظ.

عندما يقوم عمل أدبي بوظيفته بنجاح فإن “ملاحظتي” المتعة والفائدة يجب ألا تتواجد فقط ببساطة ولكنها يجب أن تندمج، فالشعور بمتعة الأدب الذي يجب علينا تضمينه ليس بناءً على تفضيل أحدهم من قائمة من مشاعر المتعة ولكنه يجب أن يكون “شعورًا عاليًا بالمتعة” ، لأن الشعور بالمتعة هو أعلى في أي نوع من الأنشطة، كالدراسة غير الاكتسابية كتوضيح، كما ان الفائدة أي الجدية والتوجيهية الموجودة في الأدب هي أيضًا من أشكال المتعة الجادة،ولا تعني كلمة جادة جدية عمل يجب أن ينجز أو درسًا يجب أن يتعلم ولكنها تعني جدية جمالية وجدية في الإدراك الحسي.  إن المؤيد للنسبية والذي يعجبه الشعر الحديث الصعب يقلل من شأن الحكم الجمالي بجعل ذوقه الشخصي المفضل بنفس مستوى الأحجية أو الشطرنج،فالتربويين قد يُخطئون في وضع جدية قصيدة عظيمة أو رواية بناءً على المعلومات التاريخية التي تزود بها القارئ أو الدرس الأخلاقي المفيد الذي تعلمه له.

نقطة أخرى مهمة : هل للأدب وظيفة واحدة أو وظائف متعددة؟ في نقده الأولي شرح بواس جالي تعددية الاهتمامات والأنواع المتشابهة من النقد،وفي نهاية استخدامه للشعر والنقد شدد إليوت بامتعاض أو على الأقل بشعور بالكلل على “تنوع الشعر” وعلى تنوع الأشياء التي قد تقوم بها الأنواع المختلفة من الشعر في أوقات مختلفة، ولكن هذه كلها تعد استثناءات فلأخذ الفن أو الشعر على محمل الجد وبشكل عادي على الأقل لابد من إيعازه إلى بعض الاستخدامات المناسبة له، وبخصوص نظرية آرنولد التي تنص على إمكانية أن يحل الشعر محل الدين او الفلسفة فقد كتب إليوت يقول:” لا شيء في هذا العالم الحاضر أو المستقبلي سيحل محل شيء آخر أو يستبدله” مما يعني أنه لا مرادف لأي صنف حقيقي من القيم، ولا بديل حقيقي أيضًا. و وفقًا للممارسة فإن الأدب وبكل وضوح قد يحل محل أشياء عديدة كالسفر أو الإقامة المؤقتة في أرض أجنبية، أو التجربة المباشرة أو الحياة البديلة، كما يمكن للمؤرخين أن يستخدمونه كوثيقة اجتماعية. ولكن هل للأدب وظيفة أو استخدام لا يقوم بها سوى الأدب؟ أو هل هو ملغم بالفلسفة والتاريخ والموسيقى والتصوير والتي ستتوزع في العالم الاقتصادي الحديث؟ وهنا يكمن السؤال الأساسي.

سيؤمن المدافعون عن الأدب بأنه أي الأدب ليس بقاء عتيق ولكنه استمرارية،كما سيفعل عددٌ من الأشخاص ممن هم ليسوا من الشعراء أو مدرسي للشعر بالإضافة إلى من ينقصهم الاهتمام الاحترافي أو المهني بالباقي. واختبار أي قيمة نادرة في الأدب هو أساس في أي نظرية تتناول طبيعة هذه القيمة، وقد سعت نظريتنا الانتقالية إلى معادة أفضل للتجربة تدريجيًا.

أكدت إحدى الاتجاهات المعاصرة على أهمية الشعر وجديته باكتشاف أن الشعر ينقل علمًا،نوعًا من العلم. فالشعر شكلٌ من أشكال العلم، و كان أرسطو قد قال شيئًا مشابهًا لهذا في قوله المشهور بأن الشعر فلسفي أكثر من كونه تاريخي، كون الأخير يربط الأشياء التي حصلت ببعضها أما الشعر فيتناول الأشياء التي قد تحدث أي الأشياء العامة والمحتملة. الآن وبينما يبدو التاريخ كالأدب فرعًا مفككا وغير واضحٍ، بينما تبدو العلوم بالمقابل الاكتشاف المثير للإعجاب، ليكون منافسًا لأدب لكونه يقدم علمًا عن هذه الاختصاصات أي العلوم الفلسفة غير المأخوذة بعين الاعتبار. بينما ما زال أصحاب النظريات الكلاسيكية الحديثة كالدكتور جونسون يعدون الشعر في نطاق “السمو في العموم” وقد أكد المنظرون الجدد من مدارس مختلفة أمثال:( جلبي،رانسوم وستاس) على خصوصية الشعر، فقد قال ستاس: أن مسرحية عطيل ليست عن الغيرة على وجه العموم ولكنها عن غيرة عطيل تحديدًا النوع من الغيرة التي قد يشعر بها عطيل لزواجه بديدمونة.

وقد تؤكد نظريات الأدب والمدافعون عنه على خصوصية الأدب أو مماثلته مجتمعة أو على إحداهما، قد يقول أحدهم أن الأدب أعم وأشمل من التاريخ والسير الذاتية ولكنه أكثر خصوصية من علم النفس أو علم الاجتماع،و لكنهم غيروا بعضًا من تركزيهم على نظرية الأدب.تختلف الدرجة المخصصة لخصوصية الأدب أو شموليته في ممارسة الأدب من عمل لآخر ومن فترة إلى أخرى. لطالما عُرّف مبدأ خلق الشخصيات في الأدب بأنه الجمع بين “النوع” و “الشخصية”،مظهرًا النوع في الشخصية أو الشخصية في النوع وكل المحاولات لشرح هذا المبدأ أو مبادئ معينة مشتقة منه لم تكن مجدية جدًا، وقد عاز دارسو رموز الأدب إلى معتقد هوارس عن الذوق لذخيرة الأنواع الموجودة في الكوميديا الرومانية مثل : (الجندي المتبجح،البخيل،السفيه والابن الرومنسي و خادم السرية) ونلاحظ وجود الرموز مرة أخرى في الشخصيات الموجودة في كتب القرن السابع عشر و في أعمال موليير الكوميدية، ولكن كيف نطبق الفكرة بشكل عام؟ هل تعد الممرضة في روميو وجوليت نوعًا؟ وإذا كانت الإجابة نعم فمن ماذا؟ هل يعد هاملت نوعًا؟ والذي يبدو لجمهور من العصر الفيكتوري سوداويًا كما وصفه الدكتور تيمثي برايت، ولكنه يتمتع بأشياء أخرى، كما أن سوداويته أعطيت نشأةً وسياقًا محددًا،فالشخصية المنفردة والتي لنها نوع بطبيعة الحال تُشكل لتظهر أنواعًا مختلفةً: فهاملت عاشقٌ أيضًا، او عاشقٌ سابق، عالم، متذوق للدراما ومبارز بالسيف،فكل شخصية رجل حتى أبسط الرجال عبارة عن تجمعات أو نقطة التقاء لعدة أنواع من الشخصيات. ولذا تُسمى الشخصية متعددة الأنواع “شخصية مسطحة” والتي نراها في أشخاص بيننا وبينهم علاقات من النوع المنفرد، أما الشخصية “الدائرية” فهي التي تجمع وجهات نظر وعلاقات مختلفة وتُشاهد في سياقات مختلفة كالحياة العامة والخاصة وفي الأراضي الأجنبية.

تنص إحدى القيم المقربة في الدراما والروايات والتي قد تبدو نفسية،و إحدى الآراء المشهورة و المؤكدة على أنه:” يمكن للروائي أن يعلمك عن طبيعة الانسان أكثر مما قد يفعل العالم النفسي” وكانت هورني قد اقترحت ديستوفسكي،شكسبير،إبسن،وبليزاك كمصادر لا تنضب لهذه القيمة. وكان إي إم فوستر قد تحدث في كتابه (جوانب من الرواية) عن عدد محدود جدًا من الأشخاص الذين ظهرت حياتهم الخاصة ودوافعهم التي نعرفها كخدمة جليلة للرواية وموجهة إلى حياة شخصيات الرواية،و من المحتمل أن الحيوات الداخلية التي نسبها إلى شخصياته مستقاة أصلًا من سبره لأغواره الخاصة بتيقظ. قد يضمن أحدهم الروايات العظيمة كمصادر لعلماء النفس أو أنها حالات تاريخية (أي ما فيها من أمثلة متطابقة وشروحات) ، ولكن يبدو أننا سنعود إلى حقيقة أن علماء النفس سيستخدمون الرواية لأجل قيمتها المعممة فقط ، فهم سيستخرجون شخصية (الأب غوريو) من وضعها العام في (الحي اللاتيني) ومن سياق الشخصيات الأخرى.  كان وايلد قد وصف اكتشاف ويلستر للقيمة الجمالية بالضبابية الرافائيلتية في اكتشاف الجمال في أنواع النساء والذي حتى الآن لا يُرى كجمال ولا كنوع. هل هذه أمثلة على “المعرفة” أو ” الحقيقة”؟ نخشى ذلك، فهي اكتشافات جديدة لل”القيمة الإدراكية” والتي نقول عنها  ” نوعيات جمالية” جديدة.

كان ماكس إيستامن نفسه وهو شاعر مغمور سيتجاهل كون “العقل الأدبي” في أي عصر من عصور العلوم ليطرح ادعاء عن كشف الحقيقة، ف”العقل الأدبي” هو ببساطة عقل هاوٍ و غير متخصص لأيام ما قبل العلوم الذي يحاول الاستمرار والاستفادة من ايجابيات وسائله الشفهية لخلق شعور أنه ينطق بـ”الحقيقة” المهمة فعلًا. والحقيقة في الأدب هي نفسها الحقيقة خارجه أي أن تماسكها وعلانيتها يمكن إثباتهما بالعلم. ولا يملك الروائي اختصارًا سحريًا ليوصله إلى حالة العلوم الاجتماعية الحالية والتي تشكل “الحقيقة” المضادة ل”عالمه” الخيالي حقًا ليتأكد منه. ولكن إيستامن اعتقد بأن الكاتب وخصوصًا الشاعر يخطئ في فهم نفسه إذا اعتقد بأن مهمته الأساسية هي استكشاف المعرفة والتواصل من خلالها، فمهمته تكمن في جعلنا نفهم ما نراه،ونتخيل ما نعرفه مسبقًا بالتجريد أو بالتحديد.

 

إنه لمن الصعب وضع فروق بين النظريات القائلة بأن الشعر هو إدراك المعطى وبين النظريات القائلة بأنه “فطنة فنية”. فهل يذكرنا الفنان بانقطاعنا عن الفهم أو يجعلنا نرى ما لم نره على الرغم من وجوده طوال الوقت؟ يتذكر الشخص الرسومات باللونين الأسود والأبيض لأنها أشكال كامنة أو وجوه تتكون من النقاط والخطوط المتقطعة مع أنها كانت موجودة بهذا الشكل طوال الوقت إلا أن الشخص لن يراها بشكل كامل بل كتصاميم.

وباستطاعة الشخص أن يرى كيف أن علماء الجماليات يخشون بوجه عام تجاهل “الحقيقة” كخاصية ومعيار للفن، فهو يُعتبر جزئيًا مصطلح تشريفي ويمكن للشخص أن يسجل احترام الآخر للفن، وتقديره له كقيمة رفيعة بإيعازه إليه، وكما وأنه جزئيًا قد يخاف الشخص منطقيًا من أن الفن إذا لم يكن “حقيقة” سيكون “كذبة” كما سماها أفلاطون في العنف. الأدب التخيلي هو “خيال” فني شفهي “محدود من الحياة”، وما يضاد”الخيال” هو “اللاحقيقة” ولكنه “حقيقة” أو “وجود وقت ومساحة”، وتبدو “الحقيقة” أغرب من الاحتمالية التي يجب أن يتعامل معها الأدب.

من بين كل أنواع الفنون يبدو الأدب على وجه الخصوص لإدعاء ” الحقيقة” عبر نظرية الحياة والتي يحويها كل عمل جمالي متماسك، و يجب أن يفكر الفيلسوف أو الناقد بأن بعض “النظريات” أصح من غيرها (كما فكر إليوت بصحة دانتي أكثر شيلي أو حتى شكسبير)، ولكن يجب على أي فلسفة حياتية ناضجة أن تحوي مقياس للحقيقة في أي موضع توضع فيه كإدعاء. وحقيقة الأدب والتي نهتم بها الآن تبدو أنها الفلسفة الموجودة في نظام الأفكار خارج الأدب ولكنها قد تُطبق أو تُشرح بتجسيدها في الأدب. في هذا المعنى فإن الحقيقة أن دانتي مُنظر كاثوليكي و فيلسوف سكولاستي، وتبدو نظرية إليوت في الشعر في علاقته مع “الحقيقة” جوهريًا من هذا النوع، فالحقيقة هي من اختصاص المفكرين المنظمين، ولا يشابه الفنانون المفكرين، ولكنهم قد يحاولون كذلك إذا لم يكن للفلاسفة أعمال تستوعبها بشكل مناسب.

سيظهر الجدال كاملًا كبيرًا في المقياس الدلالي، فماذا نعني ب”المعرفة” و”الحقيقة” ” الإدراك”و “الحكمة”؟ فإذا كانت الحقيقة مفهومًا افتراضيًا إذًا فلا يمكن للفن ولا حتى فن الأدب أن يكون شكلًا من أشكال الحقيقة. ومرة أخرى إذا قُبلت تعاريف الواقعيين المختزلة فإن قصر الحقيقة على ما يمكن لأي شخص تأكيده بطريقة منهجية أو منظمة فهذا يعني أن الفن لا يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الحقيقة تجريبيًا. ويبدو البديل لكل هذا بعض النماذج الثنائية أو المتعددة من الحقيقة، فهناك عدة طرق مختلفة للمعرفة أو أنه هناك نوعان أساسيان من المعرفة ويستخدم كل واحد منهما نظام لغوي من الإشارات. فالنوع الأول هو العلوم والذي يستخدم الأسلوب ” الإستطرادي” والنوع الثاني هو الفنون والتي تستخدم الأسلوب “العرضي”،فهل كلاهما حقيقة؟ فالنوع الأول هو ما يعنيه الفلاسفة عادةً، أما الثاني فهو الذي يعتني ب “الأساطير” الدينية بالإضافة إلى الشعر،وقد ننعت الثاني بكونه حقيقي ولكنه ليس الحقيقة. قد تعبر القيمة الوصفية عن المفارقة بوسطية:فالفن جوهريًا ووصفيًا حقيقي(والذي لا يتعارض مع الحقيقة). حاول ماكليش في قصيدته “فن الشعر” تصحيح الادعاء القائل بجمالية الأدب والفلسفة بناءً على الصياغة، فالقصيدة كما يقول ” تعادل الصحة ولكنها ليست كذلك”، والشعر بجدية وأهمية الفلسفة (العلوم، المعرفة،الحكمة) ويشغل مكانة مرادفة للحقيقة، فهو مشابه لها.

أكدت السيدة لانجر في دعوتها  لعد الفنون التشكيلية -والتي هي أقرب للموسيقى منها للأدب- و الرمزية العرضية فيها كشكل من أشكال المعرفة، ومن المحتمل أنها فكرت بالأدب في شكل من أشكاله بخليط من ” الإستطرادية” و “العرضية”، والذي يمكن أن يتشابه مع عرضيتها بوجود العنصر الأسطوري أو الصور النموذجية الأصلية. وكانت قد كتبت ” الرجال الذين يتبعون البحر يحبون هذا النوع من القاسي من الحياة حبًا عميقًا، ولكنهم حتى في استغاثاتهم الخطيرة يحسون بالأمان، و في مناطقهم الأقل راحة يشعرون بنوع من الراحة،فالماء والسفن، والجنة والعواصف كلها تحوي رموزًا تعبر عن المعاني والأحاسيس التي يرونها في العالم..”

يُفترض بنا التفريق بين الآراء التي تقول بعلانية وبصيرة الحقيقة في الفن، وبين الآراء القائلة بأن الفن –تحديدًا الأدب- هو دعاية أو ترويج، وبين الأخرى القائلة بأن الكاتب ليس مستكشف الحقيقة ولكنه المزود المقنع بها، والمصطلح “دعاية أو ترويج” فوضوي ويحتاج إلى المزيد من التدقيق والتمحيص، ففي الخطابات العامة يُطبق هذا المصطلح فقط على آراء المذاهب التي تظهر خبيثة وينشرها الرجال الذين نرتاب منهم، فالكلمة تدل على الحسابات والنوايا وعادةً ما تطبق على المذاهب المحددة أكثر من المذاهب أو البرامج المقيدة. وبحصر معنى المصطلح فقد يقول شخص ما بأن بعض أنواع الفن (النوع الأدنى) هو شكل من أشكال الدعاية، ولكنه ليس الفن العظيم أو الجيد ولا الذي من الممكن أن يكون حتى. ولكننا إذا وسعنا المصطلح ليعني” المجهود سواء بوعي أو بلا للتأثير على القراء لجعلهم يشاركون مواقفهم عن الحياة” فهذا يعني وجود قبول للربط بكون كل الفنانين مروجين أو يجب أن يكونوا أو (عكس كامل للموقع الذي سبق وذكرناه في الجملة السابقة) بكون كل الفنانين الحساسين والمسئولين ملتزمون أخلاقيًا بأن يكون دعائيين.

وفقًا لمونجوميري بيلجون فإن الفنان الأدبي هو “دعائي لا مبالي/مستهتر/ لا مسؤول”،” فكل كاتب يتبنى وجهة نظر أو نظرية حياتية… ودائمًا ما يكون تأثير العمل إقناع القارئ حتى يقبل وجهة النظر أو النظرية،وهذا الإقناع غير مشروع دائمًا. ويُقاد القارئ دائمًا لإيمان بشيء، وهذا الرضا يكون دائمًا كما لو كان القارىء منومًا، فـفن العرض يغوي القارئ…” وكان إليوت قد اقتبس بيلجون ليرد عليه مفرقًا بقوله” الشعراء هم من نفكر بهم من بين الجميع كدعائيين بلا حرج” كدعائيين لا مسؤولين، أما المجموعة الثالثة أمثال لوكريتيوس  ودانتي فهم دعائيون ” تحديدًا مسؤولون و واعوون، وقد أصدر إليوت حكمه عن المسؤولية بناءً على غرض المؤلف والتأثير التاريخي. قد يبدو “الدعائيين المسؤولين” لمعظم الناس متناقضين في بعض الأمور،ولكنه يُفسر كتركيز للتأثيرات والذي يبدو منطقيًا، فالفن الجاد يُوضح وجهة نظر حياتية والتي يُمكن أن توضع في مصطلحات فلسفية وحتى في مصطلحات للأنظمة. هناك علاقة بين الترابط الفني( الذي يسمى في بعض الأحيان “المنطق الفني”) والترابط الفلسفي ، فالفنان المسؤول لا إرادة له للخلط بين الشعور والتفكير، بين الإحساس و التفكير، بين وضوح الشعور و الانسجام بين التجربة والأثر، فوجهة النظر الحياتية القائلة بأن الفنان المسؤول ينطق بإدراك ليست كمعظم وجهات النظر الناجحة ك”دعاية”، فلا يمكن للرؤية الحياتية البسيطة والمعقدة على نحو كافٍ والناتجة عن اقتراحات مُنومِة التحرك إلى القيام بفعل مبكر أو سلبي .

تبقى أن نأخذ بعين الاعتبار أفكار وظيفة الأدب التي تجمعت كلها حول كلمة “التنفيس”،ولهذه الكلمة تاريخ طويل في شاعرية الإغريقي أرسطو،وبقي استخدام أرسطو للكلمة محل جدل ولكن قد يكون ما عناه أرسطو مشكلة يصعب تفسيرها حول اهتمامه بالكلمة،والتي لا يجب أن تختلط بالمشاكل الأخرى الحاصلة عند تطبيق المصطلح واستخدامه. يقول البعض بأن وظيفة الأدب هي تحريرنا-سواء كنا كتابًا أو قراءً- من ضغط الشعور،فالتعبير عن الشعور يعني التحرر منه كما كان جوته قد قال بأنه حرر نفسه من السوداوية والسأم بكتابته لروايته آلام فارتر، كما يُتوقع من المشاهد لمأساة أو القارئ لرواية أن يتخلص هو أيضًا من شعوره ويستكين، فشعوره أُثير بتركيز ليتركه العمل في نهاية تجربته الجمالية ب “راحة في العقل”

ولكن هل يحررنا الأدب من شعورنا أو أنه عوضًا عن ذلك يثيره؟

فالمأساة والملهاة ” تُطعم شعورنا وتشربه عندما نكون على وشك أن نجففه” كما وصفها أفلاطون. أو أنه عندما يحررنا الأدب من شعورنا ألا يُطلق سراحه بشكل خاطئ عندما يُستهلك ليصبح عملًا شعريًا خياليًا؟ كشباب فقد عاش القديس أوغسنطين بعد اعترافاته في خطيئة مهلكة و مع ذلك يقول ” كل هذا لم أذرف الدموع عليه، ما بكيت لأجله كان مقتل عليسة ..”

هل يعد بعض الأدب محرضًا للشعور والبعض الآخر علاجًا مسهلًا له أو هل نحن بصدد التفريق بين جماعات من القراء وطبيعة استجابتهم؟ هذه المشاكل تحتاج أن تعالج تحت “علاقة الأدب بعلم النفس” و “علاقة الأدب بالمجتمع”، ولكنها يجب الآن كبداية أن تُثار.

بالنسبة للقراء الحقيقيين لا يُفترض بالأدب أن يثير شعورنا وهذا هو جوابنا الافتراضي، فالشعور المعروض في الأدب لا يشابه ذلك الموجود في “الحياة الواقعية” لا بالنسبة للكاتب ولا حتى للقارئ، فهذا الشعور “للتذكر في حالة السكون” و”يُعبر” عنه -أي يحرر- بالتحليل، فهذا ما يعنيه الإحساس بالشعور وملاحظته.

ختامًا : إن للسؤال حول وظيفة الأدب تاريخًا طويلًا في العالم الغربي،من عصر أفلاطون وحتى الوقت الحاضر، وهو ليس سؤالًا يُثيره الشعراء غريزيًا ولا أولئك الذين يحبون الشعر لأن “الجمال هو عذره ليكون” كما أشير إلى ما قاله إيمرسون، ولكن عوضًا أثار هذا السؤال المنتفعون والمنظرون الأخلاقيون أو رجال الدولة والفلاسفة،وذلك بتمثيل أي قيمة أخرى مميزة أو قيمة تفكرية وسيطة لباقي القيم. وكان تساؤلهم: هل من محاسن لاستخدام الشكل بأي شكل من أشكاله؟ وكان سؤالهم يشمل البعدين الاجتماعي والإنساني. وقد تحدى السؤال الشعراء والقراء الغريزين وأجبروا بحكم الأخلاق والمسؤولية الفكرية عن الثقافات أن يبدو ردة فعل ويجيبوا لأجل المجتمع،وقد فعلوا ذلك في فقرة من فن الشعر،فقد كتبوا دفاعًا أو اعتذارًا للشعر والذي يرادفه في الأدب ما يُسمى نظريات “الدفاع” ولأن كتابتهم وصلت إلى هذا الحد وكانت موجهة لقراء مرتقبين فقد أكدوا بطبيعة الحال على “استخدام” الأدب بدلًا عن “البهجة” في الأدب وبالتالي فمن الممكن معنويًا وبسهولة أن نساوي اليوم بين “وظيفة ” الأدب” وعلاقاته الخارجية. ولكن ومن وجهة نظر الحركة الرومنسية فإن الشاعر دائمًا ما يتحداه المجتمع، ولذا كان لذلك ردًا مختلفًا وهو الرد الذي سماه برادلي “الشعر لصالح الشعر” و سيجعل المنظرون المصطلح “وظيفة” يخدم النطاق “الإعتذاري”كاملًا، ولذا وباستخدام هذه الكلمة سنقول بأن للشعر وظائف عديدة ممكنة، أما وظيفته الأساسية والرئيسية هي الإخلاص لطبيعته الخاصة.

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .

3 تعليقات

  1. Financial aid awarded by the government known as the Federal Pell grants has been in existence for many years and is specifically used for the furtherance of college. One huge advantage of the Pell grant is that there is no repayment required unlike a typical loan making it extremely attractive to any students in need of aid. Pell grants are generally awarded to students seeking an undergraduate degree who have not already earned a bachelor’s or professional degree. As a single working mother such advantages is creating a huge stir when it comes to the exciting Scholarship for Moms program. Interestingly no program comes under that specific name. However, President Obama and the Obama administration are motivating mothers to take advantage of the Pell grants and its funds in attending College.

  2. The next time I read a blog, Hopefully it doesn’t disappoint me just as much as this particular one. I mean, Yes, it was my choice to read through, nonetheless I actually believed you would have something useful to talk about. All I hear is a bunch of moaning about something you could possibly fix if you were not too busy seeking attention.

  3. A game plan is using now to prevent fear from the past from showing up in the future. Magazines and television are distractions that unconsciously feed fear by helping me avoid the understanding of it and how it first manifested in my life. Distractions of avoidance do not eliminate fear.

أضف تعليقاً