الرئيسية / العدد الثاني والأربعون / سرد جديد للحرب في معرض الجثث

سرد جديد للحرب في معرض الجثث

13669618_583055238541862_1969969544719657996_n

اليوم لا يمكنك أن تكتب أدباً يستثير دهشة أي متابع عادي للأخبار في العالم العربي ؛ فالواقع الدموي العنيف ، سبق الخيال وشطحاته بمراحل بعيدة ، ومحاولة اللحاق به تبدو مستحيلة ناهيك عن تجاوزه ، إذا لا مناص إلا أن تكتب عن الذي جرى فقط أن تقول : هل تريدون رؤية الواقع ؟ خذوا هذا هو الواقع ، أن تخبرهم أنه نوع من الهلوسة الشعبية التي تنبع من تاريخ طويل من العنف والظلم والضياع، وهو ليس سخرية معبرة لمواطنين ينتمون الى مدينة معاصرة. انه هلوسة بدائية قبلية تحاول الاختباء خلف ضحك دموي تافه ، وهذا ما قام به العراقي حسن بلاسم الكاتب والسينمائي المقيم في فنلندا منذ 1998، في مجموعته القصصية ” معرض الجثث ” ، والذي قالت عنه صحيفة الغارديان : “ربما يكون أفضل كتّاب الخيال العربي الباقين على قيد الحياة ” ، كما أنه أول كاتب عربي يحصل على جائزة الإندبندنت المرموقة .

*
“ومع أني الناشر أنصحكم بأن لا تشتروا هذا الكتاب. وإذا لم تسمعوا نصيحتي فكونوا حذرين في قراءته خشية أن يفسد ما تبقى من حياتكم .”
ربما يبدو هذا التذييل الذي وضعه الناشر على الغلاف الخلفي للمجموعة القصصية في بادئ الأمر نوعًا معتادا من الدعاية الإغرائية التي تمارسها دور النشر مع منشوراتها ، تماما مثل جملة الكتاب الذي باع مليون نسخة ، لكن بمجرد التوغل في صفحات المجموعة ستعيد التفكير في جدية هذا التحذير ؛ لأن قصص المجموعة تبدو فعلاً كما وصفها عدنان المبارك ” مستلَّة من قبح وشراسة الحياة وسفالات التاريخ ”
فهذا النص الصادر عن (دار المتوسط 2015) يبدو بالفعل قفزة تجاوزية كبيرة في السرد العربي ، ورغم أن الموت هو الثيمة الرئيسية لغالبية القصص إلا ذلك كله يتكئ على منظور عبثي وعدمي ، وسرد مشوه ؛ فالكاتب لا يأخُذك إلى الحكاية محور القِصَّة مباشرةً، وإنَّما يُدحرجك إليها عبر حكايةٍ مَدخَليةٍ مثيرةٍ جذَّابة مبتورةٍ، تأخذك إلى الحكاية المحورية التي تنبتر بدورِها في لحظةٍ معيَّنة – يكونُ القارئ قد تورَّط فيها داخل الحكاية تمامًا-، وينبترُ معَها السرَّد بالكامل، ولا تنغلق الحكاية المَدخلية الأولى ولا تجدُ أيَّة إشارة إليها غالبًا. فما الفارقُ الذي ستُضيفه النهايات إذا كان في الحكايات المسرودة من الفداحة ما فيها؟! لا شيء، خصوصًا إذا كان المقصِد أن يُتركَ القارئُ عالقًا هناك، في قلبِ الحكاية.
*
هذا التدفق من الحكايات الغرائبية ، الجثث المتناثرة في كل قصة ، الشخصيات المشوهة دوما يشعرك أن حسن بلاسم وهو الذي قد هرب إلى أوروبا عبر عددٍ من الدول قبل أن ينتهي كلاجئ في فنلندا قد قام بعمل توثيقي طويل وصبور ليستنبط هذه الشهادات من أفواه أصحابها قبل أن يسردها بتلك الطريقة التي لا يخفى فيها توظيف مقدراته السينمائية فيها ، فالكاتب الذي تقمص أرواح شخصياته وقام بتفكيكها وتركيبها بناءًا على وحشية الواقع ، ومن ثم التماهي معها لدرجة الغوص في الأغوار النفسية لها مما أخرج كثير من الحوارات داخل القصص بدت إباحية في ألفاظها أحيانا ، ومتجاوزة على الذات الإلهية في أحيان أخرى .
*
“معرض الجثث” الذي يحتوي على 14 قصة قصيرة ، صدر بأكثر من عشر لغات عالمية، ومنها صدوره عن “دار بنغوين” باللغة الإنكليزية وتم تصنيفه كواحد من أفضل عشرة كتب صادرة في أمريكا ، وأجزم أنه أفضل نص أدبي عربي كُتِب عن الحرب وويلاتها وظلالها القاتمة على الإنسان .

 

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

اترك تعليقاً