سكان القبو “02”

198206_201421769887367_100000586358835_675789_3441625_n

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الصمت المحيط بهما كان يخيف حميد أكثر فأكثر، ليست المرة الأولى التي يشعر بها بالخوف، لكنها المرة الأولى التي لا يستطيع فيها توقع مما يخاف. كانت تلك جثة بالتأكيد، لكن كيف؟ و متى؟ و من تم دفنه في الحديقة؟ رأسه تعج بالأسئلة و المخاوف، هل يحزم أمتعته و يهرب، أو ينتظر حتى يبلغ الشرطة؟ و بينما هو يتخبط في حيرته كان الكهل يتناول العشاء أمامه، يراقبه بعين خفية، حين استفحل التوتر، قرر العم حسن أن يبطله بالحديث.

-لقد رأيتك من الحديقة، يجب أن تكون أكثر حذراً.

دب الرعب في جسد حميد، و انعقد لسانه، ليجبر نفسه على النطق بصعوبة.

– ل..لماذا؟؟

– لقد كان ذلك.. أقصد.. لقد كان منتصباً، الأمر كان محرجاً حقاً بالنسبة لي، أظنك كنت نائماً و استيقظت من الجلبة التي أحدثتها في الحديقة، و لهذا كنت في تلك الحالة، من الغريب أنهم لم يجدوا أي تفسير لهذه الظاهرة إلى حد الآن.

شعر حميد بحرج كبير و كأنه عار أمام الرجل، مع رعبه، كان جوابه مندفعاً و فضاً.

– هل سنناقش هذه الأمور المقرفة على المائدة؟

– سامحني، معك حق (بحركة بيده دعاه ليتناول طعامه)

بعد لحظات استجمع حميد قوته ليستفسر عن ما شاهده.

-ما الذي كنت تفعله في الحديقة؟

– أنا؟

اغتاظ الشاب ليجيب باقتضاب.

-نعم، أنت.

– لا، لا شيء.

– لقد حفرة في الحديقة بعمق، ثم وضعت شيئاً هناك؟

– آه، ذاك! كانت قطع من الخردة، و المهملات.

بصوت مضطرب أجابه:

– الخردة ترمى و لا تدفن.

– بعضها كذلك، لكن ما الذي يزعجك في الأمر، إنها خردواتي، و تعاملت معها وفق ما أراه صحيحاً، لا تكن فضولياً يا ولد.

افترى العم حسن عن ابتسامة بعينين ملؤهما الكثير من التهديد و الهول، لم يكن حميد غبياً، ففهم أنه عليه التراجع حتى لا يعرض نفسه للخطر.

كانت الساعة الحادية عشر و النصف حين غط حميد في نوم عميق، بينما عقله لازال حائراً في الطريقة التي يتعامل بها مع هذا الوضع.

****

الحديقة، شجرة الليمون، رائحة الورد، ثم رائحة الحناء، صورة الشجرة الخضراء تقف بشموخ في محيط من الزرقة، يذكر ذاك المنظر جيداً، لكن متى شاهده، هل هو بيته القديم؟ أم أنه حديقة عامة في المدينة؟ الهدوء و الطمأنينة يملأن المكان، صوت امتد لأسماعه، صوت مألوف، يناديه بحنو، يكرر اسمه بلا توقف، يزداد علو الصوت، حتى أصبح صراخاً لا يتوقف.

-حميد! حميد! هل أنت بخير؟

نهض حميد خائفاً مذعوراً بينما كان العم حسن يحاول إيقاظه.

– لا تخف يا بني، لقد كان مجرد حلم.

ثبت الشاب في مكانه يتفحص صاحب المنزل في دهشة، لوهلة لم يعد يذكر أين هو و من هذا الشخص الجالس إلى جانبه، لكن الذكريات عادت بسرعة إليه، ليسترخي قليلاً، ممسكا برأسه، يحاول أن ينسى رعب الكابوس الذي كان فيه. ساعده الكهل على النهوض و حاول أن يخفف عنه عن طريق نكات قديمة و حكايات لم يعرها أي اهتمام.

على مائدة الإفطار، و التي كانت في بهو المنزل الرئيسي، حيث الاتساع و البراح، هبت نسائم الصباح العليلة من النوافذ المجاورة. كان حميد شارد الذهن، غارقاً في الكثير من الأفكار، لم يكن ليتوقع أن يكون هذا الصبح بهذا القبح، ما هي إلا لحظات حتى أخرجه العم حسن من دوامات فكره، بأن طلب منه بأن يجلب صحن البرتقال الذي نسيه بالمطبخ، كانت عينا الكهل تشع اليوم أكثر من سابقه، للأمر وقع مخيف على النفوس، لكن حميد لم يكن ليبالي بالأمر كثيراً و هو ينسحب إلى المطبخ، حيث عبر البهو الطويل الذي يؤدي في وسطه إلى غرفة مغلقة و في نهايته إلى المطبخ، في طريق عودته لاحظ أن باب تلك الغرفة مفتوح، لكنه لا يذكر أنه كان كذلك، في لحظات تأمل لاحظ أن الغرفة فارغة تماماً و مغبرة كأنها خرجت من عاصفة صحراوية، على الجوانب كانت رسمة لنبتة تتلوى ثم ترتفع نحو السقف ثم تنحني إلى الجدار المواجه له حول رسمة جميلة لطفل يحتضن أماً حامل، كانت ابتسامة الرضا و السعادة تبدو عليهما، الطفل ملتصق ببطن أمه و كأنه يستمع لدقات قلب الجنين، و الأم تحتضن الطفل في بهجة ظاهرة. اقترب من الرسمة الجميلة أكثر فأكثر ليتبين تفاصيل هذه التحفة الحائطية الفريدة.

من بعيد سمع حميد صوت العم حسن يستفسر عن سبب تأخره، بصوت مرتفع أجابه بأنه قادم، حين التفت مجدداً ناحية الرسمة كانت قد تغيرت حيث الأم تنظر نحوه شزرة، يملئ وجهها الغضب، تعانق بطنها بذراعيها، بينما الطفل الذي كان يحتضنها لم يعد له أثر، ارتعب حميد لهول المفاجئة، لتقع منه برتقالة، تدحرجت نحو الجانب الأيمن من الغرفة، حيث استقرت إلى جانب الجدار، هناك حيث كان يحدق فيه ذاك الصبي بغضب، عندما أحس بيد تمسك بكتفه انتفض لتتدحرج كل البرتقالات على الأرض، حين التف ليواجه من لمسه، كان العم حسن واقفا مذهولا..

-ما بك؟ لا تخف..

بالكاد شعر بارتياح مؤقت حين حاول لفت انتباه العم حسن للرسم الغريب على جداران هذه الغرفة، ليفاجئ بعدم وجود أي منها، كانت الغرفة عادية جداً، بها بعض الأثاث محتجباً خلف الكثير من الأغطية البيضاء التي مال بعضها إلى الصفرة. لم يجد حميد أي شيء يقوله، كانت الصدمة قد ابتلعت لسانه تماماً، لقد تغير شكل الغرفة في ثانية واحدة، بغير اهتمام طلب العم حسن منه أنه يساعده في التقاط البرتقال من الأرض، في ذهول وافق، حيث بدأ يشك بجدية في أنه يعاني من الهلاوس، هل يكون جزء من ما شاهده البارحة مجرد هلوسة، هل اقترب من حافة الجنون، و بينما هو في حيرته التقط تلك البرتقالة التي بجانب الحائط الأيمن للغرفة، كاد يطلق شهقة من فرط الدهشة لكنه كتمها بصعوبة، البرتقالة كانت موشومة بكلمات تقول: “ساعدني، أنا حبيس القبو”

حاول أن يغمض عينيه أكثر من مرة ليتأكد من أنه لا يتخيل ما هو مكتوب على البرتقالة بلون أسود، حين سأله العم حسن إن كان قد انتهى، انتفض ليضع البرتقالة في جيب منامته، لم يكن ليغيب الأمر عن الكهل لكنه لم يعلق على الموضوع، ليمضي اليوم بشكل طبيعي.

في المساء، كانت الساعة الحادية عشر حين بدأ الضجيج مجددا في الحديقة، لكن حميد كان في انتظار ذلك، في يده البرتقالة التي كتب عليها رسالة الاستغاثة، بسرعة هبط إلى الدور الأرضي، ثم وقف أمام الباب المؤدي للقبو، كان مفتوحاً، ليشرعه عن أخره فكشف له درج قصير يؤدي إلى باب أخر بالأسفل، بسرعة هبط ليفتح الباب، كانت الغرفة مضاءة بمصباح وحيد متدل من السقف، المكان فارغ تماماً، على الجدار المقابل كانت هناك نفس الرسمة للصبي و أمه، اقترب منها مجدداً، لكن هذه المرة سمع الباب يوصد عليه، ثم احترق المصباح فجأة ليسود الظلام المكان، ثم سمع صوتاً يخاطبه.

– ألم يقل لك الرجل أن لا تهبط إلى مكاننا؟ لماذا لا تستمع لما يقوله لك منهم أكبر منك؟

كانت العبارة مألوفة جداً إلى درجة أن التفكير فيها جلب له الصداع، و ما هي إلا ثوان حتى شعر بصف من الأسنان الحادة يخترق كاحله، ثم بعد ذلك صف أخر يمزق رسغه الأيمن، ثم رقبته، و فخده.. كان يلتهم من طرف أشياء لا يراها، من هلعه وقف يصرخ بكل قوة، إلى أن أمسك عن ذلك حين رأى الصبي على هيئته الحقيقة، يبتسم له حين ارتمى عليه نور القمر، يلف نفسه بقماش أحمر ذابل، حاول أن يفتك نفسه من هذا الفخ، لكن دون جدوى، لم تؤدي مقاومته لشيء فلا يسعه لمس ما يعضه، حتى تهاوى على الأرض ليفقد وعيه بعد لحظات.

******

أشعة الشمس تمر من زجاج النافذة الشفاف، الستائر البيضاء تمنحه شعوراً بالسكينة، إلى جانبها كان يقف رجل متوسط العمر، يعقد يديه خلف ظهره، ردائه الطبي يضاهي الستائر في البياض، بالكاد حميد يستطيع فتح عينيه، حين التفت الطبيب نحوه و ابتسم، همس حميد قبل أن يستغرق في النوم مجدداً.. “هذا أنت يا عم حسن؟”

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً