صــــــلاة

large (1) (1)

إسلام أحمد منير:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

(1)
كان حفل تخرج أختي الصغيرة الوحيدة من جامعتها…كرنفال الفرح بداخلي يكفي كل البؤساء في العالم ويفيض…درست “نوسة” الهندسة…لطالما كانت نبيهة ومبدعة… ولدهشتي كان مشروعها المعماري للسنة الأخيرة عن تصميم الكنائس الخرطومية…سألني مرافقي فجأة بينما هي ترينا إنجازها وتشرح:
– “هل سبق وأن دخلتي كنيسة من قبل؟؟!!”


فتح سؤاله أبواب السماء بالإيمان في قلبي…لقد أصبح مترادفاً عندي الإيمان والكنيسة…أغمضت عيني…ومرت بي سحابة من غبارالذكريات لعامٍ خلا…وقتٌ كثيرٌ هو العام…وقت كاف ليخرج الحي من الميت…والميت من الحي…فالفتاة اللامعة أمامه اليوم والتي يعشقها ويعشقُ حتى التراب الذي تمشي عليه أبداً لم تكن صالحةً للحب أو الحياة قبل عام…كانت ميتة وبقلبها حبٌ ميت…وجافٌ إيمان قلبها كما حقل حنطةٍ في الصيف…إلى أن أحياها الله ذات يوم في رحم كنيسة…أغمضت عيني أكثر وبسؤال مرافقي عادت بي الذاكرة لذاك اليوم…ذلك اليوم قبل عام…
(2)
كان صباح أحد الآحاد…
إستيقظت صباحاً قبل العصافير…كنت ملئية بالرهق…ولكني لم أنم…
كان الخاطر مسافرا ولم يرتح دقيقةً طوال ليلتي الفائتة…قام بدعوة الغائبين كلهم…
فبكيت حتى جفت مدامعي
وإنتهى البكاء من كوكب الأرض…
صحوت وفي قلبي سحابة من الغيم الحزن…
سوداء ككحلي الذي بعثرته الدموع…
غسلت المساء من عيني…
وخرجت دون أن أحادث أحدا…
ربطت وشاحا أزرق بلون السماء على شعري…ووضعت نظارتي السوداء على عيني..
وصلت للنيل…ترجلت من سيارتي لأتمشى…مشيت بصمت…بحزن..بموت…
كنت خائفةً ووحيدة…
شارع النيل يمتد أمامي…كصورةٍ رمادية الملامح…وكأنَّ أحدهم سرق اللون منه…
وكأنَّ دمعي البارحة قد غسل كل شئ…حتى النيل وحتى اللون…

لم أسمع للصباحِ صوتاً…
لا النيلُ…ولا العصافيرُ…ولا الشمس
والصوت الوحيد الذي انفتحت غشاوة أذني عنه: صوت الأجراس في كنيسة الخرطوم القديمة…
لا أعرف كيف ذلك ولكني فقط سمعتها تنادي “الله…الله…الله”
لم أدرِ إلا بقدمي تقفان أمام المدخل الحجري
والأجراسُ لا زالت ترن: الله…الله…الله
دخلتُ كما لو أني تحولت لطيفٍ في الخفة… نظر إليَّ الحارسُ العجوزُ بدهشة ولكنه لم يسألني…
الكنائس في هذا الوطن يؤمها أهلُ الجنوب فقط وبعض الأقباط…كلاً ببشرتهم المميزة ولكنتهم التي لا تخطئها أذن…قدرتُ دهشة الحارس العجوز فليس من المعتاد أن تظهر فتاة شمالية بحجابٍ كامل في هذا المكان…
لا أعرف كيف أو لماذا قادتني خطاي لهذا المكان…لم يحدث أن دخلتُ كنيسة من قبل…ولقد دعيت مرة وحيدةً فقط لدخول الكنيسة لحضور زفاف “كريستسنا” زميلتي بالعمل….لكني وقتها كنت منشغلةً بوعكةٍ أصابت أمي ولم أتمكن من الذهاب..لم أدرِ بأن القدر كان يخبئ لي زيارة الكنيسة عند وعكتي أنا!!
كنت متوعكة وكنت متهدمة تماماً كمدينةٍ عربيةٍ عصفت بها الحرب…لا ينقصها الجمال ولا الدمار الشامل…
لا أعرف عن الكنائس إلا بقدر ما يظهر في التلفاز…ولم أدرِ سببا بعينه لإقتحامي من دون كل الاماكن (كنيسة)….كانت أسبابي أكثر من أن أختصرها في واحد!!…. في ذاك الصباح كانت الكنيسة هي بيتُ الرب الأقرب لي على الطريق…كنت متوعكة ووحيدة وكنت أريد فقط إيمانا ورب ورجالاً ونساءً صالحين ليخبؤني بينهم…

(3)
الكنيسة التي دخلتُها كانت كنيسةً كاثوليكية المذهب…يؤمها أهل الجنوب الخُضرِ كما أرضهم…
تقدمت نحو البهو الكبير…أول مرةٍ أجئ للمكان…ولكن قلبي قادني وكأني زائرةٌ حميمة…
كان المكان خالياً…إخترتُ موقعا في الصف الخلفي…وأطرقت للأرض…
‘”كنت أريد الله أن يسمعني…”
حاولت أن أنطق ولو حرفاً وحيداً…ولكني لم أستطع…
قلبي فقط كان يتحدث…
كان لساني معقوداً وهو يحاول أن يرتب الكلام في أحرفه…
ويلبسه بذلاتٍ أنيقة…وعلامات لامعة…
ووحده قلبي كان ينظر للسماء بينما أنا مطرقةٌ بعيني نحو الأرض…
قلبي فقط من تحدث…وكل ما ردده: “يا الله…يا الله”
كنتُ أنا وذنوبي وأحزاني وحاجتي فقط في المكان…وبالروح شوقٌ لإستجابة

(4)
وأنا في موقعي ذاك من القاعة أحسسستُ كأنني في حضن أمي…أحسستُ صادقةً بالقاعة تفوح بعطرِ أمي….الأمهات هن المؤمنات….عطرهن الصلاة…وطيبهن دائماً غالي الثمن إذ لا يأتي إلا من وردِ الجنة!!
مرآهن شفاء وصوتهن شفاء وحضنهن شفاء…
وكنت أنا مريضةٌ…مريضةً وعليلة الروح…كنت مريضةً بالفقد…مشتاقةٌ لأمي وعطرِ أمي…. إذ سافرت ولم تودعنا كما يليق!!
أهونُ الأمر على أختي الصغيرة وأخبرها أن أمي وأبي سبقونا للجنة…حيث المكانُ أفضل…ولا حر كحر الخرطوم….أبتسم في وجهها ولكني بالداخلِ غاضبة…غاضبةٌ من أمي ومن أبي ومن كل الأحبة الذين يتركوننا خلفهم في جهنم ويسافرون للجنة!!
لا زال الوقت فجراً ولكن الخرطوم تغلي بدماغي… وحر جيبي الذي إنقضت مدخراته عقب وعكةِ أمي يجعلني أغلي أكثر….يا ليت ما دفعته أبقاها أطول…كنت بحاجةٍ لكل لحظة ممكنة…حتى الدقيقةُ معها كانت تصنع فرقاً…
كنت صغيرةً جداً حين رحل والدي…لذا لا أستطيع القول بأن الألم هو ما كنت أشعرُ به…كان شيئاً من إحساس النقص…نقص شئٍ لم تسعد بصحبته وقتاً كافياً وسرعان ما تعتاد غيابه…شئٌ ما كلعبة قطارٍ أو كصندوق حلوى…ولكن الأمر مع أمي كان مختلفاً…كانت أمي هي رئتي الثانية…عمودي الفقري الذي كان يقيمني والذي حملني طوال اثنين وثلاثين عاماً هي عمري….صعبٌ أن تعيش دون رئةٍ ثانية ومستحيلٌ أن تحيا دون عمودٍ فقري…
كانت أمي سيدةً مؤمنة…حين تحدثك عن الله يغسلك الثلج…
فقدت زوجها في ريعان الشباب…تاركاً لها فتاتين كقطرتي مطر لا حول لهما ولا قوة…ابتعد عنها الجميع لكنها آمنت بربها….كانت تخبرني “لا نحتاج أبداً أحداً إن كان الله معنا”
وعندما يصيبني اليأس كانت تردد:”قولي يارب…الله في كل مكان”
كنت أحكي لها كل شئ…كانت مخزن حكاياي…وبلسم كبواتي…كانت لها حكمتها عند كل منعطف ومفترق طرق وقد حفظت عنها كلمتها الدافئة للأبد “اتبعي قلبك”…
عند وعكتها الأخيرة أصابني الرعب كما لم يحدث من قبل…سقطت فجأة وعندما استعادت وعيها كانت غير قادرة على تحريك نصفها الأيسر تماماً…بعد أيامٍ عديدة في المشفى طمأننا الطبيب عليها….أخبرنا بأنها ستستعيد وظائف قدمها ويدها بالتدريج وبأنها تجاوزت مرحلة الخطر…أصابتها جلطة دماغية أفزعتنا عليها وكشف الطبيب على قلبها فوجده معتلاً ومسبباً للتجلط….قلب أمي والذي كان يشفي كل من حولها ويؤويهم….كان يؤذيها هي بصمت!!
بدأت بالتعافي…خرجنا من المشفى…وذبحنا الذبائح شكراً لله على عافيتها…
أخبرتها بأننا سنسافر لأداء العمرة…لنشكر الله…
كانت تعرف وضعي المادي ومنصرفات المشفى الضخمة…أخبرتني:”سنشكره من هنا…الله في كل مكان”
أخبرتها:”مستورة…وسنذهب للعمرة!!”
لم يمهلني الوقت…ولم نذهب للعمرة قط بعدها
لم تعد الأوضاع مستورة…وبعد عامٍ على رحيلها وجدتني غارقة في الحزن والدين والبكاء

(5)
على المقعد الأخير في قاعة الكنيسة القديمة جلستُ أهمسُ حزني:
“كانت مستورة لأنك يا أمي كنت تدعين لي بوفرة الرزق…”
“وكانت الخرطوم أكثر رحابةً يوم كنت تدعين بأن يبعد الله عني أولاد الحرام…”
“لم أكن أكثرُ من الدعاء لنفسي…كنتِ يا أمي مخزن دعواتي السري…
وبكِ أطرقُ باب الله…
واليوم أنا وحيدةٌ…أتخبطُ في كوارث العالم والتي لا تصيب إلاي…تائهةٌ من دونك ومن دون دعائك…”
“أحس في قلبي أن الله تخلى عني من بعدك يا أمي!!”
الخرطوم ضيقةٌ يا أمي…إمتلأ طريقي بأولاد الحرام…
مشاكل العمل فوق رأسي…ويستعدون لتلفيق قضيةٍ على ابنتك لأنها لم تشارك في السرقة كما البقية…
صدري خالٍ وقلبي رحل به “عصام” يا أمي…”عصام” ابن أختك حتى هو الآخر أصبح ابن حرام!!…سافر لأثينا لعمه……وكان رده: “المعائش جبارة…والخرطوم إن بقينا بها سنموت جوعاً”…انقطعت أخباره…ستة أشهر اليوم ولم يرسل لي خطاباً…رمى بخاتم خطبتنا في عرض البحر…وبالأمس فقط عرفت أنه تزوج من هناك!!
هل الله الذي يرزق في أثينا ينسى من في الخرطوم؟؟ لم أكن لأصدق هذا قبلاً ولكني اليوم مرهقة وخائفة من أن ينساني الله يا أمي…تراكمت علي الفواتير…نوسة إبنتك بسنتها الأخيرة بالجامعة تحتاج نقوداً أكثر..ودين علاجك لا زال يطالبني بالسداد يا أمي…لم يبق شئ من حليك الرائعة…بدأنا ببيع كل شئ…والله وحده يعلم متى نتوقف….
لم أنم يا أمي البارحة….أحسستُ بإيماني يبهت… وكنت أحتاجُكِ وأحتاج دعائك لي عند الله…ولكن بيني وبينكِ موتُكِ الطويلُ يا أمي… وبيني وبينَكِ القبرُ يا أمي…القبرُ الذي يقسمُ في غِلظةٍ بأنه لن يُرجِعكِ إلا لحظة الحشر…بكيتُ أمس وكأنهُ يومُ رحيلِك الأول…وأحسستُ بالوحدة…وغضبتُ من بلاءِ الله وتذمرت…حاولتُ أن أدعوه وأن أستغفر…ولكني خفت ألا يسمعني يا أمي….!!
كنت أحتاج عمرةً يا أمي…لتغسل عني شكي…كنت أحتاج أن أذهب لبيتِ الرب لأكون أقرب…
ولكن يا أمي الطريق طويلٌ لمكة وبيني وبينها آلاف الجنيهات وإلتزاماتٌ تقبض عنقي بلا فكاك…وحدها الكنيسةُ التي أنا بها الآن كانت أقرب بيتٍ للرب في طريقي…
الروحُ بها غبرةٌ وصدأ…أحتاجُ لله يا أمي…و(أحتاجك)
في هذا الفجر كان صوتُ الله في الأجراس يا أمي… إتبعتُ قلبي كما أخبرتني دوماً…
لقد خرجتُ من بيتنا وأنا مثقلةٌ بالهم…صليتُ الفجر مع أول الأذان…وخرجتُ قبل شروقِ الشمس…تجولتُ بالسيارة على شارع النيل…سأعرضها للبيع اليوم…مشترٍ ما من أقربائنا يقول أنه سيدفع مبلغاً محترما…لم تكوني لترضي ببيع السيارة ولكن لا فكاك يا أمي….الخرطوم تسحقني يا أمي…
لم يكن يسحقني الدينُ ولا معائش الخرطوم الجبارة ولكنهُ الخوف يا أمي…الخوفُ والوحدة واللذان يعبثان بقلبِ ابنتك التي كانت بمائة رجل…لكن اليوم قلبها لا يصلح حتى لزرعهِ في صدرِ عصفور…!!”
(….)
لقد دخلتُ للكنيسة وأنا مرهقة…وخائفةٌ أكثر…
أخرجتُ الكلام من خاطري كقنبلة…حتى انا لم أدرٍ أي سمٍ أحملُهُ…ولم أدرِ كم تصدعتْ…لقد حاولتُ التماسك في كل خطوةٍ من الطريق…كنتُ الفتاة العاقلة…لم يكن ذاك لقوتي أو لعقلي ولكن في الحقيقة لم يكن لدي خيارٌ سوى أن أكون أقوى وأعقل…لقد هرب الجميع وتركوني وحدي مع همومي…العمُ والخالُ وأبناءُ الأعمام وأبناءُ الأخوالِ والعماتِ والخالاتِ وأبنائهن…إنهم أسرةٌ كبيرة….ربما يحضُرُون عُرسي القادم فتضيقُ بهمُ القاعة…ولكني في وقتِ شدتي يا أمي لم أجدْ ولو كتفاً وحيداً أبكي عليه…كان الكلُ منشغلٌ بكي ثوبِهِ وتلميعه وخياطةِ الثقوبِ الصغيرة الصغيرة…ولم يهتم أحد بفتاتين كانتا عاريتين في وجهِ الشتاء ولا ثوب يسترهما!!
تركنا الجميع لميراث أبي وأملاكه…ولو كان ميراث أبي مال قارون لانتهى اليوم…
وركن الجميع لقوتي…إذ أنا الفتاةُ التي عملت بجد منذُ الصغر وعرفت ما معنى (مسؤلية)…أنا الفتاةُ بالمنصب المرموق والتي تديرُ المشاريع الكبيرة والإجتماعات الكبيرة وتحادِثُ الكبار ولا تتلعثم…ولكني كنتُ أحتاجُ أن أتلعثم وكنت أحتاجُ أن أبكي…ولم ينتبه لخوفي أحد…

(6)
تنفستْ…شهقتُ كل ما بالقاعةِ من هواء…وأخرجتُ في زفيري غيمةً كبيرة من الحزن
احتجتُ أن أقص على أمي وعلى عقلي كل خوفي وغضبي علي أستريح…وعلَّ الخوف إن أخرجته يصغُر…والغضبُ إن زفرته يرحلُ للأبد
كنت في القاعة أردد في قلبي:”يا الله…يا الله”….كنتُ في جلستي مطرقةً وصامتة كما تمثالُ الملاك الحجري بجانبي ولكن بعقلي وقلبي كانت لا تهدأُ العواصف…
تنفستُ ثانية…فأحسستُ بصدري مختنقٌ تماماً وقد أُغلقتْ بواباتُ الدخولِ إليه…كنتُ أسحب هواء القاعة البارد وكأنهُ جبل…أحسستُ بالظلامِ يلُفُني…فرفعتُ بصري وكانت الدنيا سواداً عظيماً…إلا أني رأيتُ (أمي) تنبعث فجأةً من شعلة ضوءٍ أمامي وهي تتلفع ثوباً أخضر..لطالما أحبت الأخضر ولطالما كان يليقُ بها…وإن كان للملائكة ألوانٌ يرتدونها فإنهم لا يليق بهم سواه… أخبرتني:
“أنا راضيةٌ عنك…إهتمي بنفسكِ ونوسة…”صمتَتْ برهةً وهمستْ بعدها:
“لا تنسي صلاتك…اطلبي من الله دوماً حاجتك…قولي ياااارب…الله في كل مكان وأنا سأبقى دائماً في (قلبك)”….
لم تتركني أحادثها اكثر….لم أستطع ان أخبرها كم اشتقتها…أو أعانقها…أو أقبل كفها…وإختفت كما أتت في غلالةٍ من ضوء
كانتِ المرة الأولى بعد رحيلها والتي أراها بها بهذا الوضوح….دخل الهواءُ قلبي بعدها وصفعَ بواباته كإعصار…كان مضمخاً بعطرها…ولم يتوقف دمعي عن الهطول…أسندتُ رأسي على المقعد الذي أمامي وبكيت…بكيتُ ولم يكن للدمعِ إنتهاء

(7)
لا أعرفُ كم مرَّ من الوقت وأنا على تلك الحالة…إلى أن هزت كتفي يدُ أختٍ دافئة…
نظرتُ للقاعة ووجدتُها امتلأت عن آخرِها بخلقٍ كثير..
وقفوا جميعاً وكانت هناك…”صــــــلاة”

لم أعرف على وجه التحديدِ أي اللغات تلك أو أي شئٍ يطلبون…
كان قلبي فقط معلقاً بالسماء…
وبين كل الصلوات الراحلة لــ(فوق)…
خبأتُ دعائي…
خبأتُ دعائي بينهم…
وفيهم أردتُ أن يسمعني الله…
أردتُ أن أندس بين كل هؤلاء الطيبين فربما إرتفعت صلواتي بصُحبَتِهم…
وربما مسحت صلواتُهم عني السواد فيبصرني الله…
كنتُ مسلمةً وحيدة في ذاك المكان…وصليتُ بقلبي صلاةً وحيدة…
كنت فقط أردد: “يا الله…يا الله”
ولم يستطع لساني أن يطلب شئ…لم ينطق بشئ…لم أقل شئ
كنت فقط في حضرةِ الله….
وكان يكفيني فقط أن (يراني)
حينها أحسستُ بأمي تراقبني من غرفتها بأعلى الجنة وهي تبتسم….
إنتهت الصلاة…إرتديتُ نظارتي الشمسية…وغادرتُ الحشد بهدوء…
لم أرفع عيني لأرى أحداً ممن حولي…
ولكني أحسستُ بالنظرات…نظراتٍ بيضاءَ كالبرق تنبعثُ من هؤلاءِ السمر…
تابعتني أعينُهم بإندهاش… وببعض الهمهمة كانوا يتعجبون جداً من فتاةٍ ببشرةٍ فاتحة وحجابٍ أزرق إقتحمت عليهمُ المكان وغادرت دون أن تقول شيئاً…بعضهم تبعني بعينيه لحظة وسرعان ما عاد لنفسه…بعضهم أوصلني حتى الباب…ولكن كثيرين كانوا منشغلين بـ(الله) أكثر…
أما أنا فأحسست بنفسي أعلى…وبينما أغادر المكان أحسست بروحي تختال تماماً عند السماء السابعة….
كانت كلمات قليلة هي الصلاة التي رددها قلبي…ولكنها كانت الأجمل…غسلت عن روحي كل شئ…
وأنا عند البوابة الحجرية…رمقني الحارسُ العجوز بإبتسامة…مد عينيهِ للأعلى وقال: “ربنا يقبل..”
إبتسمتُ له.. أغمضت عيني من تحت نظارتي السوداء ورددت قلباً:
“الله قَبِل…الله قَبِل!!”
ومرة أخرى بينما كنت أمشي مبتعدة…رنت الأجراس في أذني ومضيتُ فقط أردد: “يا الله…يا الله”
وأخيراً همست: “أنقذني يا رب”
(8)
ركبتُ سيارتي…ومضيتُ للعمل الذي انقضى يومه بهدوء…تلكأت في بيع السيارة…
إتبعت قلبي…كما كانت تخبرني أمي دائماً…والخير أتى بعدها في ذلك اليوم من كل مكان…في عصر ذلك اليوم في بيتنا الذي أصبح شبه فارغ من كثر ما بعنا من أركانه… انهمكنا أنا ونوسة بحثا عن شهادة ميلاد نوسة لإجراءاتٍ تتعلق بالجامعة وكما غيمةٍ أمطرت علينا وسط صحراء وجدنا صك ملكيةٍ لأرضٍ زراعية داخل حقيبة جلدٍ قديمة كانت لأبي….كانت الأرض كنزاً سحريا لنا…تعانقنا أنا ونوسة طويلاً وبكينا…تذكرتُ رحلة الكنيسة وأمي…إستجاب الله ولم يكن لينسانا قط…بكيت أكثر ورجعت أردد:”يا الله…يا الله”
(9)
التفاصيلُ في بقية العام كانت مشوشةٌ جداً من الفرح…حصلتُ على عملٍ جديد..قطعةُ الأرضِ ومفاجأة المشتري الذي أصبح خطيبي رسميا….نجاح (نوسة)…يا إلهي كم إمتلأ بالنور ذاك العام!!
فجأة أحسستُ بكفٍ تربت علي…كانت يد نوسة وهي تسألني:”أين ذهبت؟!”
إبتسمت…ترجلتُ عن ذكرياتي الغائمة وعدتُ لنوسة ولمشروع تخرجها ولقاعة الإحتفال وحديثها المتفجر حماساً عن عمارة الكنائس….وبالنهاية عدتُ لسؤال خطيبي الذي اشترى قطعة أرضنا الكنز ثم سرق قلبي معها:
– “هل سبق وأن دخلتي كنيسةً من قبل؟؟!!”،
فتحتُ عيني على إتساعهما…إبتسمت وأنا أجيبه:
“نعم لقد دخلت الكنيسة…وصليتُ فيها مرة….
كانت أكثر الصلواتِ صدقا في حياتي
دخلتُ مسلمة…وخرجتُ مؤمنةً أكثر
عرفتُ أن الله في كل مكان
وأن أمي بالأعلى لا تزال تدعو لي!!”

عن إسلام أحمد منير

mm
كاتبة من السودان

اترك تعليقاً