محروس

1_2010121_9282.jpg

محي الدين هارون:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

هاأنت الآن تجلس في مقدمة الحضور بمسرح الأكاديمية، لا تدرك كُنه الشعور الذي يعتريك، خليطٌ من الرهبة والفرح تسرب إلى نفسك حتى غرقت فيه لولا أن صعدت مقدمة الحفل مستهلة خطاب الافتتاح عبر الترحيب بالجميع ، ومشيدة بالمجهود الذي بذله الطلاب لاستحقاق التخرج .

على نحو ما ،سحبتك من حبل أفكارك المربكة، باستعراضها لتاريخ الأكاديمية العريض، ومنجزاتها في رفد الساحة الفنية بأسماء عظيمة، ساهمت في تشكيل المشهد الفرنسي ،وبعد أن اختتمت مقدمتها الطويلة متمنية للحضور قضاء وقتٍ ممتع وإذ بأمنيتها تعيدك لوصايا ماريو أمام محطة القطار ،…

– عليك أن تتجاوز الخلافات واجعلها تقضي وقتاً ممتع

عليك أن تكون ماركوس الذي أعرف

إنتشلك تصفيق الحضور الهادر من سهوك الحزين،

شدتك المقطوعات الموسيقية الأخاذة التي شرعت في عزفها الاوركسترا المكونة من بعض الطلاب ، أبهجتك معزوفات بتهوفن التي رتبت لحظاتك الفالتة،انتابتك حالة من الحماس كادت أن تغرقك في دوامة من التصفيق الحار ، إلا أن العزف اتخذ طابعا كئيبا فجأةً،مما أيقظ حزنا قاتما في نفسك ،حتى انك أوشكت على أن تبكي حين عبرت بدهاليز باخ الحزين .

كانت خطة الاوركسترا تقضي إلى بث البهجة في روح الحضور، بدفعهم للسمو إلى أعلى درجاتها وما إن تتحقق تلك الغاية ،حتى ينقلب العزف رأسا على عقب، هبوطا إلى اشد درجات الحزن كآبة، ومن ثم التراجع قليلا إلى نقطة يتخذ فيها العزف لحنآ متوازنآ في لوحة موسيقية متكاملة تصور ملحمة الحياة .،تلك التي لم تستوعبها يا محروس وإلا أخبرني لما تكدر وجهك؟

حين ظهرت لوسين على خشبة المسرح

ألانها كانت ترتدي زي الرقص الذي استهجنته كثيرآ إبان رفضك القديم ؟

أم لأن شابآ فرنسيآ مفرط الوسامة أخذ يعيث بيديه في كل شبر من جسدها النحيل كخباز ماهر ،مؤديآ معها رقصة تخطف الألباب ؟

تضاعفت ضربات قلبك حين تصاعد الدم إلى رأسك بغزاره، احتجت مسامات الجسد بالعرق كثيف، غضبآ في وجه الطقس البارد،انفجرت كعبوة ناسفة، تشتت أشلائك في المكان لولا انك كنت محاطا بالبشر،وما أشعل جذوة القهر فيك ،نظرات الحضور التي كانت تكبل جسدها المتناسق ، ألان حزمة من اللعنات تتقافز في رأسك ،أنت تعلم علتك يا محروس ، ولكنك تنكرها ،ألم يكن من الأفضل لك أن تحمل سنواتك وترحل؟ ،الم تعلم أنها ستواجهك بحصيل خياراتك لا محالة؟ ولكنك مازلت هنا ما لذي يعنيك في ذلك ؟

دعني أريحك من هذا الشعور .أدخل يدك في جيبك ،هل أعجبك ما وجدت؟

تحسسه جيدا، أنه ألماني الصنع ،ألمانيا التي أنجبت غوته وماركس ونيتشه أنجبت هتلر أيضا أعني أنها بارعة في صناعة القتل في كل أشكاله..أقتلها يامحروس فأنت تعلم ما ينتظرك ،أقتل تلك العاهرة التي جلبت لك العار ،أقتلها وأرح رأسك المثقل بالهواجس،أفعلها الآن وإلا فلتمت قهرا فأنت لست ماركوس على أي حال ……اللعنة ماذا تفعل؟

.

-٢-

أنت لا تعلم ،انه لكي أروي هذه القصة ،تطلبني البحث عنك كثيرا من الوقت, الحقيقة الوحيدة في هذا العالم الحامض، ، حتى أنني كنت على وشك أن أعزف عن هذه المسألة ، لكثرة ماأنهكني التلفت يمنة ويسره في كل ساحة عامره بالخلق وفي كل شارع وزقاق ، وبالتصفح الدقيق لوجوه السابلة تقصيآ لأثر شخص أفلته منذ زمن بعيد ،ولكنني سعيد الآن ،مغلف ببهجة الانجاز الغامرة ، تلك التي تدفن كل تعب ساقك نحوها ، لم لا وقد تعثرت بك أخيرا في بحثي عنك لأروي قصتي ،أعني قصتك.. لا تستغرب ذلك، فلم يعد للرواة تلك القدرة على بناء شخصياتهم كيفما شاءوا، بينما تقف حزمةٌ من التهم الجاهزة تنتظر أن يرتكب احدهم جريمة الخلق ،ومنذ أن أصبح الكتاب لايتوانون عن حشر آراءهم في كل شيء،اتخذ السرد منحناً صعبآ، لم تعد تفيد معه أي حيلةٍ ماكرة،

للأسف هذا ما ألت أليه الأمور رغم انه لا جدوى من التأسف .

كان الوقت صباحآ و كنت تجلس أمام مقهى يطل على شارع ضيقٍ بالحي اللاتيني، تُطالع الدعوة التي وصلتك تواً بالبريد، بينما تحتسي فنجان من القهوة على وقع أغنية قديمه لريشارليس يتسرب صداها إليك من داخل المقهى ، نعم تغير شكلك بعض الشيء، استبدلت الطاقية والجلباب بقبعة فرنسية الطراز وبدلة زرقاء تشي بذوق متكلف لكنك كنت أنت يامحروس إلا انك فقط أصبحت ماركوس ،تلك قصة أخرى، كنت كما أنت أو كما ظننت انك لم تكن ،فقط زد على ذلك عشرين عامآ تسللت لملامح وجهك راسمتاً بعض التجاعيد ولسان عجمي فصيح ، خبرته عندما

صاح بك ماريو بعد أن فرغ من بعض طلبات الزبائن

-ماااركوس.. هل أتتك الدعوة ؟

-لقد وصلت للتو

– هل ستذهب؟

– لك أن تسألني مرة أخرى

تركك جارك التشيلي المتفهم لإجاباتك المقتضبة ، صاحب المقهى وشريك سنوات الاغتراب، صديقك الذي غلبته حاء اسمك منذ زمن لا يذكره ،حين أخبرته باسمك أول مره فنطق باسم أخر ،حتى بعد أن فشلت كل محاولاتك في أن تجعله يتبع النطق الصحيح، محركآ شفتيه بصورة أليه ليحاكي طريقتك المثيرة للضحك

– محححححروس ..

– مااااااروس

كنت تضحك من طريقة نطقه بسماجة، يردها بالضحك الساخر من غرابة اسمك ،ولا يتقبل أحدكما ضحك الأخر، إلى أن حُلت معضلة الاختلاف تلك بفضل زوجته الاسبانية فأصبحت ماركوس إذ كانت ملامح وجهك الشابة تذكرها بأبيها الراحل ، تقبلت اسمك الجديد برحابة صدر ،الأمر الذي جعل باريس بغرابتها تبتلعك بذات الرحابة

-٣-

حسنا يا محروس أو يا ماركوس

منذ عامين وأنت تنتظر هذه اللحظة

أن تشهد تخرج ابنتك في كرنفال بهيج من جامعة لومير رغم قبولك على مضض أن تمتهن رقص الباليه ، أعلم انك كنت متطرفا في الرفض حين أتتك لوسين تحمل نبأ قبولها بقسم الموسيقى والرقص، تشددت وأرغيت، امتنعت عن محادثتها لأيام ،لم تتقبل فكرة الرقص في ذاك الرداء الضيق، بل لم تتقبل فكرة الرقص نفسها،تملكتك روح محروس الذي تناسيته طويلآ حتى انك كدت تفقد لوسين في محاولة انتحار كادت أن تنجح، انصعت صاغرآ أخر الأمر ، لم تستحمل قطيعة لوسين ، ابنة المراجيح ، الطفلة التي تركها طائر اللقلق القادم من فراديس الرب البعيدة بجانب سرير أمها في مشفى المقاطعة ، هكذا كانت تدفع إليك حجتها الطفولية ،كلما حاولت أن تحكي لها عن رحلة الوجود في هذا العالم في كل احتفال بذكرى ميلادها البهيج، كانت لها ذكريات تخصها طوال سنوات الطفولة تختلف عن ما كنت تتسامر به مع زوجتك الراحلة…

حسنآ.. حسمت أمرك منذ آخر مكالمة هاتفيه دارت بينكما ، إلا أن كبريائك القديم جعلك تظهر لامبالاتك رغم رجاءات ماريو في أن تبدي بعض اللطف، سجلت زيارة للخياط الإنجليزي ليخيط لك بدلة جديدة تليق بهكذا مناسبة كما لم يفتك أن تقتني عطرا من النوع الفاخر كهدية .. كل شيء جاهز

فقط كنت تنفق الوقت انتظارا للقاء.

.زهاء سبعه ساعات قضيتها برحلة القطار المتجه إلى ليون دون أن يطرف لك جفن بعد أن تكفل ماريو بإيصالك إلى المحطة مشددا عليك بتجاوز الخلافات وجعلها تقضي وقتآ ممتعآ

– عليك أن تكون ماركوس الذي اعرف

ولكنني لست ماركوس يا ماريو خبئت في نفسك تلك العبارة التي أبت إلا أن تنفث ويلاتها فيك

هززت رأسك بالإيجاب ممرا وداعا باهتا أنهيته بالصعود إلى المقطورة.

-٤-

..هاأنت الآن تجلس في مقدمة الحضور بمسرح الأكاديمية، تشاهد عرض الرقص المرتقب، دمعة شاردة هربت منك حين التقت عيناك بعينا لوسين الذاهلة فوق خشبة المسرح، شعور غريب سرى في عروقك مختلطا بدمك ولم تدرك كنهه، مما دفعك لأن تهب واقفا بلاوعي ،ثمة أمواج متلاطمة تنهش في سويداء ذاتك بلا رحمه ،ثمة سواد عظيم يؤجج نار الغربة فيك ،ثمة درب جديد يلوح بجسد الزمن الجارف معبدا بالعذاب، بخطوات وجله صعدت إلى خشبة المسرح، عانقت لوسين بمحبة الأب العطوف حتى دفنت روحها فيك، عانقتها بشوق وحرارة تكاد تستلف منها الشمس وهجها المشرق في صباحات باريس، اعتدلت في موقفك ذاك ،ثمة شيء سحبته يدك الغارقة في جيب المعطف، وبابتسامة حانية مددت لها زجاجة العطر الفاخر التي اقتنيتها لهذه اللحظة وسط تصفيق الحضور ولكن مهلا يامحروس أنت لم تفعل شيئا من ذلك، فضلت أن تظل جالسا في مكانك بمقدمة الحضور ،ثمة شيء سحبته يدك الغارقة في جيب المعطف ،أسدلت ستار عينيك، وبسرعة خاطفه وجهته نحو رأسك

اللعنة…إنها النهاية

اعتراف الكاتب:

لم أكن على علم بما حدث كلما في الأمر أنني وجدت قصاصة من جريده إخباريه تتحدث عن لاجيء سياسي قتل ابنته يوم حفل تخرجها من جامعه فرنسيه مرموقة ،فكرت بأنها فكره مناسبة لقصة جيدة، إلا أنني كنت قد فقدت الراوي قبل أن أصطدم بعبارة مبهمة لا أدري من أين جاءت إلى جبين الورقة التي كنت سأهم بالكتابة عليها :

من ماركوس إلى الكاتب اللعنة عليك

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً