الرئيسية / العدد الثاني والأربعون / ملاحظة تأملية : ثنائية الجمال والرعب

ملاحظة تأملية : ثنائية الجمال والرعب

98776

مجاهد الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

لنتخيل امرأة شابة، في نهاية العقد الثاني من العمر، ولنفترض أنها غاية في الجمال – بمعاييرك أنت – كانت تجلس أمام المرأة، تصفف شعرها أو تضع بعضاً من الكحل على عينيها، وفي لحظة ما تتخذ حركتها شكلاً بطيئاً ثم أبطأ ، إلى أن تتوقف تماماً عما تفعله. تحدق في انعكاس صورتها على المرأة، يهدر داخلها ذعر عنيف، يضرب جدران ذاتها لتنفرط الكآبة والأسى داخلها ومن ثم تنساب الدموع من عينيها، تتنهد وتبدأ في النحيب بصوت رقيق.

 حسناً أنني أفترض وجود علاقة وطيدة – فلنسمها ثنائية – بين الجمال والرعب؛ تنكشف في اللحظة التي نتذوق فيها الجمال بكل ضروبه وتنغمس فيه ذواتنا تماماً، ونصل إلى أقصى درجات النشوة والارتواء، في هذه اللحظة بالذات يتملكنا الحزن الذي يفضي بدوره إلى الرعب.

 والرعب هنا ينبع من إدراك الإنسان لحقيقة فنائه، فهو يتمنى دوام لحظة الجمال هذه للأبد، أن تكون خالدة, رغم وعيه بحقيقة هي عكس ذلك تماماً، وكما أوضح ريلكه “إن الإنسان مكبل بوعيه لحقيقة موته”.

 ولتعزيز هذا الافتراض سأستعين ببعض المقتطفات  الأدبية التي قرأتها سابقاً، وانتبهت أنها تنطوي على بعض التجارب الشعورية في هذا الاتجاه. لأتأكد بأن الأشياء موجودة دائماً فقط تحتاج أن ننتبه إليها .

ولتكن البداية بمستهل المرثية الأولي من مراثي دونيو لريلكه حيث يقول:

 مَن لو صرختُ سيَسمعُني،

 في مراتبِ الملائكة؟ ولو حدثَ يوماً

 أن يضمني أحدُهم فجأةّ إلي قلبهِ

 فسأفني بباعثٍ من حضورِه القوي. ذلكَ أن الجَمال

إن هوَ إلا بدايةُ الرعبِ. ما لا نكادُ نقدرُ أن نحتمله،

ولئنْ كنا نلفيه جميلاً فلأنه، ببرود، يأنف

مِن تحطيمنا؛ مُرعب هو كل ملاك.

 هنا يركز الشاعر على حالة الاحتراق أو التماهي المتوقعة لحظة العناق، بقدر ما أنها لحظة تنضح بالجمال فهي مرعبة تماماً .

 وكما نعلم فإن تذوق الجمال يتم عبر وسائل الحس كلها، وعن طريق نظرة متفحصة ها هو الشاعر عبد الله شابو يعبر يجلي الفكرة بوضوح في قصيدته مريم ، المقطع القائل: ” ما الذي يجعلني أبدو حزيناً حين ارتاد التسكع في مرايا وجنتيك”

 هنا يدرك الشاعر لتجربة الرعب الذي ينتابه ممزوجاً باللذة – المتمثلة في كلمة التسكع – فهو مدرك لكنه الشعور الذي تملكه، لكنه يتساءل عن السبب .

والجمال هنا ليس مقصوراً على الجسد الإنساني فحسب، بل في حالته الشاملة بمعنى أنه قد يكون مشهد طبيعي، صوت طائر، لحن أغنية، شارع مضاء بأنوار باهرة. ببساطة كل ما يمكن للفرد تذوقه كجمال.

 فمثلاً ها هو بورخيس يقول: ” هذه الأشجار تثير رعباً فيَّ ، يا لجمالهن”. ولسياقة البيت هذه أهمية كبيرة فهو يؤكد على الرعب أولاً ومن ثم ينتقل إلى العلة .

وثمة أمر مدهش فيما يخص المساحات الممتدة، الحركة الدائمة للبحار، لا محدودية الأفق والتقائه بالسماء في سطر المدى، بل كل ما له شكل الديمومة أو الاستمرارية.

وفيما يلي ثلاث أمثلة بخصوص ذلك، لكن أولاً لنثبت مفهوماً محدداً للزمن؛ باعتباره اختلاف مكاني.

لنجلس برفقة معاوية محمد نور في مواجهة النيل، وهو يحتسي سكون الليل، يرقب الجريان الأزلي لهذا الدفق المائي، الزئبقي – بتعبيره. بالقرب من النيل ليستعيد فيما بعد تلك اللحظة وتجربته الشعورية خلالها ويكتب خاطرته البديعة “في الخرطوم خواطر وذكريات محزونة” وفيها يقول : ” وهذا الجمال ما شأنه؟ هذا الجمال الساهي الوادع الذي تستمرئه النفس لأول نظرة ، ويفرح له اللب، وتجزل الروح، ماله يميل بذهني إلى خواطر محزونة، وصور مشجية ؟ هذه السفن التي تنبسط أمامي أجُلها في خوف لعل السبب موت خال لي غريقاً في سفينة بخارية في النيل الأزرق. و”توتي” المنبسطة مالها تثير في نفسي شجوناً حزيناً ؟ وما لشجوها الكئيب الذي لم يبق له إلا أن يدمع؟ وما هذه الوحشة المخيفة؟”

لننتقل من معاوية نور إلى ألبير كامو ، المتمدد علي رمل الشاطئ، بعد خروجه تواً من البحر، وهو يندى بمائه المالح. تغسله الشمس بأشعتها الباذخة التي تنثال إلى مسامه، ثم يفكر في رائحة زهر نبات الأفسنتين تداعب أنفه ويقول: “سأعي أنني ، رغم كل الآراء المسبقة، أحقق حقيقة الشمس وستكون أيضاً حقيقة موتي. وبمعنى ما ، إنها حياتي التي أقامر بها هنا ، حياة لا طعم الحجارة الساخنة، مليئة بتنهدات البحر والزيران  التي أخذت تغني الآن. النسيم رطب والسماء زرقاء”.

وأخيراً سنترك كامو صوب خوان بابلو كاستيل بطل رواية النفق لأرنستو ساباتو وهو يتمشى بصحبة حبيبته على شاطئ النهر فينتابه حزنٌ عظيم فيقول : ” كان حزني يشتد شيئاً فشيئاً، ولعل السبب في ذلك يعود أيضاً إلى صخب الأمواج الذي كنا نحس هديره يتناهى إلى مسامعنا تدريجياً. حينما اجتزنا الهضبة ، وتجلت أمام عيني سماء ذلك الشاطئ ، شعرت بأن لا مناص لي من ذلك الحزن أبداً ، فقد كان ينتابني دائماً عندما أواجه الجمال ، أو على الأقل ، بعض أنواع الجمال. هل يشعر الجميع بمثل ما أشعر ، أم أن ذلك عيباً آخر من عيوب طبيعتي التعيسة؟”

ويتضح جلياً اشتراك الأمثلة أعلاه في تفاصيل نوعية عدة، البحر/النهر بسريانه الدائم، صوت الموج، الشمس، السماء، وكل هذه أمور تتسم بصفة الثبات أو الديمومة وهي رغم جمالها إلا أنها تذكر الإنسان دائماً بحقيقته الوحيدة، أنه فان. ورغم أن هذا الفناء والمحدودية، هذا الموت هو الذي يمنح حياة الإنسان قيمة فعلية إلا أنه يظل تخامره رغبة في الخلود. الخلود في لحظة معينة، اللحظة التي ينغمس فيها في الجمال بكل كيانه. وقد أنجزت هذه الفكرة صديقة لي في كلمات قليلة، بديعة قرأتها مؤخراً تقول : ” الجمال لن يغفر لك، والفناء هو الدليل “

كثيراً ما تساءلت خلال السنوات الفائتة عن كنه ذاك الشعور الذي انتابني وأنا أشهد غروب الشمس برفقة جدي في السابعة من عمري من فوق قمة جبل القد، ذلك الشعور الذي أستعدته كاملاً في ذاكرتي خلال سفري نهاية العام الفائت إلى ولاية النيل الأزرق فقد كنت حزيناً جداً , وأنا أحدق عبر النافذة إلى السماء والأرض المخضرة ، الأشجار التي يخلفها الباص ورائه. أعادني كلياً إلى وقفتي تلك فوق قمة الجبل وهو ما ضمنته لاحقاً في رسالة موجهة إلي صديقي ، ها هو مقطعها : ” لم أدري الشعور الذي تملكني حينها. لكن عندما استعيد تلك اللحظة؛ مشهد الفراغ العريض الممتد، الأرض الخضراء المنبسطة في الأسفل على امتداد الرؤية ، السماء المضرجة بحمرة الغروب الباهرة، والدخان المتكاثف في صعوده الأخير وكأن الأرض تتنفس الصعداء، والشمس التي كانت تغسل الكون هي نفسها التي أذابت شيئاً ما بداخلي، غرست بذرة النار جوايّ لتتفتق زهرة من الحزن اللامتناهي والغير مسبب محيلة هذا الكائن إلى خرائب بالية. وهذا الأمر أثر علي بصورة ناجزه ليجعلني لا أومن بشيء سوي الجمال وأن تبنى مواقفي من الحياة والوجود بصورة ما عليه”.

والآن يا ترى ماذا حدث للبنت التي كانت تحدق في المرآة؟

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

اترك تعليقاً