إنهم هناك ! (05)

تغريد علي:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في صبيحة يوم ملبّد بالغيوم ، كان “إد” يعبر الطريق الضيق بين سنابل القمح بشاحنته الحمراء ذات الموديل القديم ، متجهاً صوب بلدته .

راديو العربة ينقل له إحدى أغنيات الفيس بريسلي و كان مطرباً بها رغم التشويش الكثيف .

كان قد اقترب كثيراً من الديار عندما فتحت “آناا” عينيها بكسل شديد ، مدت يدها لتتناول المنبه الصغير لتتفحص الوقت و ما لبثت أن صاحت :

أوووف إنها العاشرة و الربع !!

أزالت عنها الغطاء و هرولت لخزانة ثيابها و التقطت أقرب قطعتين غير متناسقتين و لكن لم تكن تهتم . ألقتهما على فراشها المجعد و دلفت للحمام لتأخذ دوشا باردا .. و بسرعة فائقة مشطت شعرها و ارتدت ثيابها .. كانت ترتدي فردة حذاء واحدة عندما فتحت باب المنزل بينما تحشر قدمها في الحذاء الآخر بقوة .

أوصدت الباب و واصلت هرولتها علها تلحق بالحافلة .

لم تنتبه للورقة الصغيرة الملقاة على الأرضية أسفل بابها .

إحتضن “إد” والدته التي ما أن رأته نفضت يداها من غبار الأرض و نظفتها بمريلتها البيضاء و عانقته بحنين الكون كله .

آاااه يا “إيدي” إنها ثلاث سنوات ، أنظر ما فعلت بك ! لقد صرت ناضجاً و شديد الوسامة .

قالتها أمه و هي تقبل وجنتيه و تمسح وجهه بكفيها .

ثم نادت على ابنة أخيها اليتيمة التي تقطن معها : هييي “روووز” إحزري من الذي أتى ؟

إنه “إيدي” ..

نهضت الفتاة ببطء و إقتربت من النافذة و أخذت تنظر صوبهما و ثمة إبتسامة مشرقة تطل من ملامحها الناعمة .

إبتسم “إيدي” بدوره و وقف قبالتها ، مد يده و مسح على شعرها و قال لها بلطف : تبدين بحالة رائعة .. فتورّد خدّاها .

دخلت والدته و دعتهم جميعاً لتناول طبق الفاصوليا الحمراء الذي أعدته لتوها .

كان اليوم شاقاً بالنسبة “لآن” ..

فقررت أن تقوم بمغامرة صغيرة ، كأن تعرج في طريق عودتها إلى المتجر الذي يعمل به “إد” .. و ربما تدعوه لتناول العشاء في المطعم الإيطالي الصغير في طرف المدينة كتعبير عن عرفانها له .

وقفت قبالة المتجر لدقيقة ثم ولجت للداخل من البوابة الرئيسية ، و خطت بخطوات متحمسة تجاه أول عامل بالمتجر ، كان أربعينياً بدينا بشعر خفيف يتخلله الشيب ينزل بعض البضائع و يرتبها على الأرفف الفارغة .

بادرته بالتحية ثم سألته مباشرة .. أين يمكنني أن أعثر على “إدوارد” ؟

بابتسامة تهكميه سألها : هل أنت صديقته ؟

صاحبتها نظرة ساخرة مفادها (لا تليقين به) .

ازدردت ريقها بصعوبة ، ثم أجابت بنبرة عادية : كلا أنا جارته فقط . هلا دللتني على مكانه؟

أشار بيده إلى الخارج فيما بدت ملامحه توحي بأنه قد فهم و أجابها بصوت أجش :

“إدوارد” أخذ إجازته و سافر للبلدة .

كانت تنظر للأرض و تبتعد بخطى ثقيلة بينما همهمة الرجل وتتناهى لمسمعها الله واعي ( كيف تكونين جارته و لا تعرفين بأمر سفره)؟

سارت بأقدامها مسافة طويلة جداً إلى أن بلغت منزلها .

و بينما هي تدير أوكرة الباب لمحت الورقة الصغيرة ، التقطتها و تركت الباب مفتوحاً و ألقت بجسدها المثقل على الأريكة .

////

عزيزتي آناا ..

الوقت باكر جداً على أن أوقظك طرقاتي على بابك من أجل أن ألقي التحية قبل أن أغادر .علي الذهاب للبلدة كي أقابل عائلتي و أباشر بإنهاء بعض الأمور العالقة .آمل أن تعتني بنفسك جيداً و ب باميلا .

مودتي،،

إدوارد ..

//////

شعرت للحظات بعدم قدرتها على التنفس ، و بشيء أقرب للغثيان .إحتضنت باميلا و لم تحاول كبح دمعات انحدرن بسهولة على خديها .

لم تكن تعرف لماذا عليها أن تبكي .. إنه مجرد جار لطيف لا أكثر .

لكنها في مكان عميق بقلبها كانت تدرك أن الأمر في أعماقها لم يعد كذلك .

شعرت بالخوف و الوحدة و بالخواء كأن جسدها فارغ من الروح و كان هذا مؤلم جداً لها .

هل تهاتفه ؟

هل تعاتبه على رحيله المفاجئ ؟

هل تبوح له بحبها ؟

أتخبره بأنها خائفة بدونه !

أمسكت هاتفها بيدين مرتجفتين و قبل أن تضغط على زر الاتصال انطلق صوت الرنين فأجابت دون أن تتحقق من الرقم .

فانبعثت تلك الأصوات الرهيبة لتثقب سكون وحدتها .

ألقت الهاتف و أخذت تصرخ و تصرخ بكل ما أوتيت من هلع .و سقطت أرضاً ترفس الفراغ بقدميها و تزحف نحو الباب حيث لا أحد ليساعدها .

في أجواء يعمها الفرح و الابتهاج ..كان إيدي يتأبط ساعد روز و يرددان قسم الزواج وسط تصفيق أهالي البلدة و دموع والدته .

روز أيضاً كانت دامعة العينين .. تتحسس بيديها وجه إيدي الذي ليس بوسعها أن تراه للأبد .

إيدي الذي لا يستطيع أن ينسى كيف أنه تسبب في تلك الحادثة ..التي أودت بحياة والديّ روز و فقدانها للبصر .

هناك ..

كانت آناا ترقد وحيدة في ذات الغرفة في ذاك المشفى و لكن بدون “إد” .كانت صامتة تحدق في السقف تنصت لصوت الطبيب بعد أن سردت له قصة الأصوات الرهيبة .

كان يضع يده على كتفها و يقول بصوت خفيض : ليست ثمة أصوات يا عزيزتي .. هي ليست أشياء حولك أو بداخل هاتفك .

إنهم هناك .. و أشار صوب قلبها !

 

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً