المنسي

الفاتح طه  :

 للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

إنسل من حلمه كالخارج من غفوة قصيرة في منتصف ظهيرة لا تغري بالأحلام، قبل أن يستيقظ مدركاً الزمن الذي لا يمكن تجاهله بين انتهاء الحلم بموته، واللحظة التي فتح فيها عينيه ثم دار بهما في الأفق يغسل عنهما النعاس بالضوء. نظر حوله بتفحص من يدرك أشياءً لم تعد تعنيه. شد من وتيرة البطء ليلقى نظرة إلى ما وراء ظهره، و للحظة ظن أنه واجد ما بحث عنه في الجهات الثلاث. …

تخيله واقفاً خلف ظهره متربصاً به كبندقية، وعندما التفت وجده قد اختفى. التفت ثانية للتأكد، ربما كان قصيرا جدا. التفت ثالثة فربما كان يراوغه. و في الأخير اتجه بكليته إلى الخلف محدقاً في اللا شيء. وللمرة الأولى يشعر بأنه استسلم لشيء ما بسهولة، بل و براحة مطمئنة لونت دواخله الباهتة. كأن هذا الاستسلام بالضبط ما كان يبحث عنه طوال حياته، بعدها شهق بعمق وسريعاً كمن يغطس مُرغماً، انزلق في نوم بلا قرار.

هذه المرة حلم به ينطلق في سيل جارف من أشباهه، آلاف من خلفه ومن أمامه وعلى الممرات الجانبية المظلمة. رآهم لا كما يرى الحالم نفسه في مرآة النوم غريباً عنه. كانت ملامحهم واضحة وهم يسرعون مسابقين المجهول، و أحيانا مبطئين، متخاذلين، و متعثرين بوعورة الظلام الشاسع أمامهم. بينما هو يُموِّج ذيله لا إراديا، متجاوزاً أشلائهم التي منحت السباق المحموم مبرراً داكناً أبدي الغموض كحياة. مدفوعاً كان لا مندفعاً. لم يتوقف حتى لمجرد التفكير إلى أين، عندما اصطدم بكُرة معلقة في الظلام كقمر، امتصته كشعاع أخير و يتيم مُشعلة في تلاشيه الألوان، قبل أن يهمد إلا من الهزة التي تأزه كنشوة متعسرة، فيمتزج فيه الحالم باليقظان داخل علبة الجسد الطيني، و يفتح رئتيه على هواء يعرفه جيدا شاهقاً كغريق انتشل في اللحظة المناسبة.

فتح عينيه على رجل يراه لأول مرة يقف عند رأسه بإصرار ميت على نوم خالٍ من الأحلام. تبادل معه أشباح الابتسام بعد أن مسح ما سال من نعاس على شفتيه بنظرة معاتبة: من يوقظ أحدا بهذه الطريقة؟

حان وقت الرحيل. قالها الرجل الغريب خالية من أي تعبير كسطح أملس، كتحية جار قديم، وقبل أن يترك للدهشة متسعاً أن تتمدد على وجهه الخارج من الحلم منحهُ أكتافه الضيقة ومضى.

وقت ليس بالقليل انقضى وهو يسير مع السائرين، وقت لا يقاس إلا بعمق احتضان المجهول للحظة الآنية الضائعة وسط غرباء لا يجمع بينهم إلا السير المتمهل المتباطئ على طريق لا يبدو أنه يستسرع نهايته التي لا تكاد تُرَى إلا في امتداد الأُفق المُلتحم به في ما بدا أنه آخره. يتقدمهم متآلفاً مع الدرب الرجل الذي فُضَّ وجهه بالضوء المُنعكس من شبكيته الخارجة من الحلم. الوحيد بين السائرين الذي مسحت فرشاة الرسام على وجهه بلون ألفة فاتح كحقل مُشرَع في الهواء.

من يكون؟

ألقى السؤال إلى جاره في المسير دون أن يُصوِّب وجهه في اتجاهه، و دون أن يحول بصره عن الغريب الذي يتقدمهم. بدا أنه يلقى شبكة مليئة بالثقوب ليصطاد زرقة البحر العريضة.

لا أحد يعلم، هو أقرب منا إلى نبي. قالها الجار، ثم ترك صوت خطواتهم يمتص السكون الذي لَّف المكان بينما الطريق يلتهمها على مهل مع خُطوات أُخَر، خطوات قصيرة، خطوات طويلة، خطوات خفيفة لا تترك أثرا إلا كانعكاس السماء على بحيرة ضيقة، و أخرى ثقيلة يئن منها الطريق غائصاً بالأثر مخلفاً الندوب على وجهه. خطوات لرجال ونساء في مختلف الأعمار والسحنات لاشيء يجمع بينهم، غرباء جداً كفقدان ذاكرة. غربتهم ثقيلة تثير هلعاً كامناً في نفس المسافر، بعيدة تبدو كملاذ يُخاتل الضائع أبداً، مكثفة و جارفة تُبلل الحلوق بطعم حاد الجفاف و مشقق كنهر يعتقد أن الله نساه. بينما الخطوات تشاطر الإنصات البكر بنشاز، ثم ما تلبث أن تتراصف في إيقاع مترنم بشبهة تنظيم عسكري ضارباً خيامه على المسامع، و مقصياً بقية الحواس عن المشهد، أو مكتفياً بإدخالها في أحذية بدون جوارب لا تتشابه إلا في المضي قدماً.

تهتز الشبكة مُخلفة دوائر تتسع حتى تلامس ضفة السمع المتوثب: ولا أحد سيعلم. تدخل السمكة بإرادتها إلى الشباك. اُستنفِرَ فضوله بمعاودة الرجل للمحادثة التي اعتقد أنها انتهت بسلة خالية حتى من رائحة السمك. التفت إلى وجهه ﻷول مرة. لا شيء يميزه عن البقية، غريب آخر يسير إلى ما لا يعرف. تحالفاً ضد العزلة شجعه على مواصلة الحديث بابتسامة واهنة لكنها انتزعت من الجار الغريب الكلام: لا شيء يجمع بيننا إلاه، هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتفق عليه غريبان يسيران إلى ما لا يعرفان، جميعنا استيقظ على وجهه المألوف كوجوه الجدات، و لا أحد يعلم على وجه الدقة من هو، وبالرغم من ذلك يتبعه الجميع.

لكن لماذا لم يسأل أحدكم؟ يقاطعه الوافد الجديد. فيجيبه دون أن يُبدي انزعاجا: ربما لو سألت أنت.

– لقد فعلت. أول ما استيقظت عندما أمرني بالمسير سألته إلى أين، لكنه لم يجبني.

– هل أنت متأكد؟ يبتسم معاتبا: ربما لم تكن تسأل إلا نفسك. في الأخير هو لم يجبر أحداً على شيء.

– وأنت. لماذا تتبعه؟

توقف الجار فجأة كأنه لم يسأل نفسه هذا السؤال من قبل، وبذنب من شرخ الصمت بنهايات الأحرف الحادة أجابه: ربما ﻷنه الحقيقة الوحيدة هنا.

لا أعتقد أن الحقيقة ابنة الأسئلة، الحقيقة ليست ابنة لأحد. فكر الوافد الجديد متجاوزاً الحشد بخطوات مسرعة إلى الأمام: نغمة ارتفعت فجأة فأربكت الإيقاع و تعثر حتى تخللته الرياح بصفيرها. عند مكان ما حاذى الكتفين الضيقين ببصره أبطأ من سرعته فتدارك الإيقاع نفسه مرة أخرى.

– منذ الحلم الأول الذي أيقظتني منه انقطعت عني الأحلام.

– بل أيقظته منك!! على السائر أن يصل، لا أن يحلم. أضاف الرجل كمن يعتذر.

– لا أشعر برغبة في الوصول.

– إلى؟

– إلى أي شيء كان.. أو حتى سيكون.

بعدها لم يشعر الوافد بقدرة على تبادل الحديث أو التفكير، فقط السير والتحديق حيث تلتقي السماء بالطريق عند نهاية الأفق الذي لا يحده إلا إيقاع الخطوات. منذ حلمه الأول يعتقد انه فقد القدرة على الشعور بأي شيء. بينما في الحقيقة كان يشعر بكل شيء ابتداء من الصداع الخفيف، وألم المفاصل عند الجلوس. مرورا بالحاجة إلى البكاء، و الحاجة الملحة أكثر لشيء يبكي عليه. انتهاء بحلقه الجاف و الكآبة المحقونة في الهواء مُبللة روحه برذاذها الثقيل. انه حتى كان يفكر وقتها باستحالة الوصول لنقطة تكون فيها الأرض ملامسة للسماء تماما حتى تنسى اللغة الدوار الذي يسببه لفظة سمو.

توقف الحشد فجأة. بدأ التوقف بالصفوف الأمامية وأفشى عدواه حتى تلاشى إيقاع الخطوات تماما داخل الترقب. بدا الأمر كسقوط قطع دومينو متراصة حذاء بعضها البعض. تسقط واحدة فتنتقل عدوى السقوط باللمس تباعا حتى آخر قطعة. عندما جلس آخر رجل صاح الغريب الأكثر ألفة بينهم، و الأقرب منهم إلى الأنبياء بصوت حمله الهواء إلى آخر رجل يجلس نصف جلسة في مؤخرة الركب: سننتظر هنا.

صمت.. صمت.. كأن الكلام لا يعنيهم. عدا واحداً أنهكته فكرة الانتظار فتنحنح مجليا صدأ الصمت عن حلقه ليخرج صوته متعبا و مرتعشا: ماذا ننتظر؟

القيامة.. ننتظر القيامة.

قال شبيه الأنبياء ضاغطاً صوته على طرفي النون لننتظر، مسقطاً فكه في جوف القيامة عندما نطقها كأنه يتحاشى أن يمتلئ بها فأخلي مسئوليته منها بتسليمها للذعر الذي فاحت رائحته من الجمع منسرباً في مسامات السكون. بدا صوته للوافد غريباً عن ما كان من قبل، خال من أي شبهة تآلف، و أقرب من النبوءة إلى صوت مجيب آلي يبصم الأسماع بطعم معدن بارد و ثقيل. بينما كان قلبه يرفس داخل صدره كأنه يريد الخروج. شعر بأنه يسقط رغم أنه كان جالساً تختض مآقيه بدمع يريد الخروج. هل انتظار القيامة سبب كافٍ للبكاء؟ فكر في أنه أيضا يريد الخروج: كيف يفر لون باهت من لوحة مثبتة على جدار الحياد و لا تدركها أبصار التفسير.

حتى مع القيامة نحتاج لحظوظنا، فأول حلم هو نفسه الذي كان سيموت-مجازاً ليدخل فيه. والذي لولا انتظاره له لما عرف ماذا سيفعل بكل هذا الوقت الذي لا تبدو له نهاية: رآها واضحة وجلية بوجهها المستدير بجدية زائدة، وشعرها الغير مرتب كعادته- يناديها في صباحها بالمنكوشة، خصوصا عندما تكون معرضة عنه رغم إنها بين يديه، حزينة كقطة صغيرة و ضائعة تلتهمها الآلام المُتوهَمَة وهذا العالم الغير قابل للتصحيح. يحاول تقبيلها فتنكمش كقطعة جلد محروقة، تتجنب النظر إلى وجهه وهي تقفز في وحدتها بدون مظلة حبهما الفتي فينزعج لدرجة الهلع. لكنه الآن غير منزعج رغم أنهما لم يتبادلا القبل أو حتى الكلام، بل على النقيض تماماً، كان مرتاح البال كميت انمحى اسمه الرباعي عن شاهد قبره، و أنه أخيراً قبض ملامحها الهادئة و الدائمة التسلل بكلتا عينيه. فقبل الحلم لم يكن يراها إلا في انعكاس لوح زجاجي رسم عليه الضباب بسريالية غبية. يا الله كم يكره السورياليين وسلفادور دالي، و غالا اللعوب، وعجزه هذا أيضا في فهم إيماءاتها الحلمية اللذيذة.

و لولا أنه الآن يشعر بالخفة تتخلله كظلمة انقشعت تواً لترك الغضب يثقل على روحه المتعبة، لكن مبلغ همه الآن هو أن يحفظ صورتها جيداً في غرف الذاكرة ذات الرطوبة المظلمة بعيداً عن متناول الضوء. لكم يشتاقها ويشتاق لنفسه معها، و للمسها، لتذوقها، و حملها على ذراعيه التي كانت تحب تحسس عروقها كلما احتضنت ساعده تعزف عليه بأطراف أصابعها. و أحيانا تقرصها بحنو أموي ثم تمسكها قائلة بأنها تتأكد منها وهي تتمدد هنا، في شبكة الطرق الخاصة بدمه الدافئ، فيرد عليها بقبل عشوائية على وجهها. يخبرها بأنها تتمدد فيه جميعه، مسببة ازدحاماً أسوأ من ازدحام الرابعة عصراً. ثم يهجم عليها بعناق مفاجئ.

كان من الجميل بمكان كهذا أن يرى وجهها أخيراً يبثه سكينة و طمأنينة باردة. الشيء الوحيد الذي أقلقه إدراكه فجأة بأنه ليس هو تماما، شيء ما فيه لم يكن واضحا، كأنه يستأجر ممثلاً بديلاً في هذا الحلم. فملامحه كانت غريبة كأنها نست كيف هي ببساطة، غريبة حتى عليه. لذا كان أول ما فعله بعد خروجه من الحلم أن هرع إلى النبي الغريب حاملا أسئلته بجزع أم تحمل طفلها المحموم للطبيب.

وجده سارحاً في الأفق الذي تخلى عن كبرياءه فالتحم بالأرض على مسافة قريبة بدت كخلاص.

– ربما لو أنه يوماً ما سيتنازل لما سُمي بالأفق.

– ….

– قل لي أيها النبي، ألا تحلم؟

– هه.. و هل تفعل أنت؟

– ربما.

– رب لا.

– ولا تتذكر حتى؟

– الذكرى حلم أفلت من المنام.

– تقصد أحلام اليقظة.

– لا. أقصد أحلام الأحياء، فهم فقط أصحاب أحلامهم. أما نحن فلا نكون الا ما يريده الحالم لنا.

– هذا يعني أنني ميت !!

– أنت تنتظر القيامة.

– وأنت؟

– انتظر أيضاً.

– ما الفرق بين ميت ومنتظر للقيامة؟

– بالموت نتحرر، بينما الانتظار يكبلنا بالذكرى التي لا يدركها الصحو.

– إذن لماذا لا تحلم؟ أو بالأصح لماذا لا يحلم بك أحدهم؟

-….

– ألهذا لك كل هذه الألفة !! ﻷنك لم تغادر قط إلى حلم ما. أنت منسي إذن و ….

و قبل أن يكمل الوافد الجديد جملته كان المنسي يتجه صوب الأفق الذي التحم بالأرض بخطوات خفيفة لا تترك ندباً على الطريق.

عن الفاتح طه

mm
قاص من السودان

اترك تعليقاً