الرئيسية / العدد الثالث والأربعون / بهنس..وشم على كتف الرياح..

بهنس..وشم على كتف الرياح..

راشد محمد عبدالوهاب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

وحيدا في قلبه كل هذا الزحام

وحيدا وفي قلبه كل هذا العداء

وهذا الألم ..قطرة..قطرة

ينشر شباكه بعيدا

في عالم تمور فيه الحياة .. بالشقاء

(جورج سفيريس)

طفولة وردية .. فكرة يافعة متشبثة بحبل برئ من جريمة الغرق .. شاعر وتشكيلي وروائي وحرف موسيقي .. جريح يحفر دمه في المكان بدمع إضافي ..يترك ابتسامة تائهة مضرجة ببكاء الحروف في صدر الحقول ..ارتوى من نار الوطن وضرب موعدا في خواطرنا الحبيسة ..التمس الرؤية من أطروحة الألم الخصب في الديار الباكية..كما لو انه زادها خصوبة من آهاته لينبت فيها وجعا جهير..يحمل إصرارا كافيا ليفتح قلب الوجود ويقدم استقالته من فضيلة الحياة دون اعتناق للخطيئة..

يحترق ليشعل ظلامنا .. يفنى ونحن نتجسده..يمطر ألما ليسقي بساتين البلاد..يرهق لنكون..

كانت الأرض منفاه عجز عن الانفجار بالشكوى من وجع المنافي الباردة..رجل بمواصفات طفولية لم تحبو بعد..وبين الحبو والمشي تطوف أسئلة في مصيدة واقعه المرير..جلس على عرش الليل بهدوء دون أن يأخذ وعدا بالفرح في حين انه يحمل جرة من الضحك يوزعه على الوجوه البائسة..انتفض في بغتة السقوط نحو المجد الذي ليس لنا .. جاز له أن يحتفل بالخلود في دواخلنا المتصلبة وهو لا زال يمسك أوتارنا برفق ويعزف مقطوعته الفاضلة على مسرحنا المتهرئ..يشتت دمعه العذب على أوردة الحدائق حين تسافر الورود في هذيانه وتحترق ثم تفوح بعطرها الذي يشرد من الأنوف البشرية إلى انف الطبيعة وأرحام الصحارى..

لم يكترث بالمقاصل ولا البنادق كما لو انه خارج الأطلس الأدبي .. عرف أين يضع قدميه حتى ارتقى بذاته واضعا بصمته على كتف المتاحف والحوائط ..تاركا ذاكرتنا في موقف انهزامي دون مبررات تخرجنا من فوهة التاريخ حيث للتاريخ كلمته العليا في توصيف الأحداث حين كان الوحش فينا يوظف مخالبه ليغرز السم في مواطن الجمال..

كانت أيامه ممتلئة بالعذابات والجراح المتجردة من شكلها الموميائي .. صنع حزنه الخاص بين الترنح والاتزان.. ولم يعد هنالك متسع للشك بأنه مسكون بالشرود الفطري والتوجس الغريزي..إصابتنا رعشة الاستمتاع بعذاباته حين شكل غيابا في الحضور .. تملك أفئدتنا حين استوطن كهوفها الخالية إلا من الصدى..

كان على الزمن أن يتمهل وكان على المواثيق أن تؤكد توقيعها على المرايا قبل أن تباشر الدفاتر بنقطة دم بحجم كلمة.. فالآلام الوطنية الكبرى لا بد أن تنجب الإبداعات الوطنية الكبرى حينما يصاب الفن بنهم الخصوبة نحو سانحة الإنجاب؛وعندما يكون العطاء بقوة الأدب والاندهاش يكون الحزن بعمق العطاء ؛كان هالة شفقية لتلاقح المفاهيم وتوحيد المراحل هو بذاته العليا التي استرخت في تنظيم الاستطاعة لتهدئة الارتباك الوارد من دلالة السؤال الوجودي دون الحاجة لعلائم الاستفهام المخصصة لترقية المعاني وانتظار الإجابات.. كان بكامل الشفافية وبكامل الإنسانية المجهزة لكل الاحتمالات المأساوية بما فيها تلك التي تجرد من إمكانية التفريق بين الأحاسيس…

علق مقلتيه مصباحين في عتمتنا الأبدية حتى يرسم ما شاء من أقنعة على وجوهنا المشوهة بفعل الحياة .. يستعيدنا من غياهب وحشتنا يرعد ويبرق في سماواتنا القاحلة .. يرتدي شمس الشتاءات الحزينة ..ينأى بكل حروفه عما يثير الريح .. تعمد التحديق في جسد الكلام..

مستسلما للعقرب الروحي حين ينمو داخله .. يقتاده نسل خفي من إناث الحلم..يرقص ساخطا فيهم .. يؤجل موته اليومي..يكسر زهرة الأقدار..يدفع بالجنون إلى أقاصي الذكريات..

يوغل في متاهات الأبد..فماذا سنقرأ عن جراحه بعد..

علمنا السفر في الماضي بإمكانيات الآتي حين يكون للحاضر ذلك الصخب المتداخل بين الوعي و دخان الجنون..هو لدى الخوض في تفاصيله تنغيم متكامل واستغراق في متعة محفوفة بالجمال والنشوة الإبداعية..

عمل بقوة حتى يحاول الحفاظ على اتزانه النفسي ..استقل قطار التوبة من الغيبوبة المعلنة وذاب في شردة الموت ارتد عميقا من عقيدة عبثية الآمال الغائبة فحاصره التيه وحتمية الرحيل.. غادرنا نحن الذين غادرناه تبرع ليخرجنا من معمعة البحث عن فضائحنا في مأدبة القتل الجماعي للإبداع والجمال .. مارس فينا الرحيل والذوبان ومرة أخرى باغت الحزن المترف ليجسد لنا الآهة ويؤسس لمثواه الغيابي إلى جانب أرواحنا المحنطة في الفراغ ..

 

عن راشد محمد عبد الوهاب

mm
صحفي وكاتب من السودان

أضف تعليقاً