خواء المُنشاق

دهب تلبو:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

عندما تعكرت مياه النيل الأزرق تعكرت رطوبة الغرفة المهجورة على شاطئه الموحش فهيج ذلك فيه شجن الظعن ليتحسّر بصوت قوي أراد به إسماع أعماق النهر العكِر:

“ماذا كان سيحدث لو أن جدي الأول عرج بأبله قِبٓل إحدى الجهات الأربعة ، شرقا باتجاه الجنوب أو غربا باتجاه الشمال أو إلى الجنوب قليلا ليقع في كمائن المستنقعات ، وحل طين الاستواء اللزج الذي ما انفكت منه حلزونات المطر ولا قوارض البوص وهي تجاهد فقط لمحاربة الاخضرار الجامح ، متجاوزاً المنعرج الألف للماء المندلق بسخاء صخري والغيوم الرمادية المتضجرة في سمائها التي تكاد تلثم قمم أشجار الأبنوس فبعد ذلك الاحتشاد الفضولي للوخم تسكن بلاد الله المباركة ارض “جومو” التي يرقد بعدها التشابك الجبلي الأخضر ذي المناخ المعتدل طوال العام”

يصمت قليلا وهو يردد بصوت اقرب للهث “تشابك جبلي اخضر!… لا أظنه اخضر ولكن فليكن لسنا في محضر تحقيق” كانت شكوكه توخزه بإبرها المباغتة كلما غرق في استغراقه الموحش ذلك، فهو يعرف هدير الظنون وعمله على شجيرات الأماني المستحيلة ، حرك رأسه الأشعث بانتفاضة فجائية وكأنه ينش الشكوك ليستطرد” لو انه تجاسر لخوض المغامرة بالاتجاه الشمالي الغربي حيث ستواجهه ارض بشجيرات هزيلة تسد رمق جِماله ريثما يصل السهل الضارب للصفرة ذي الأشجار التي توازي تماما -في الاستواء والجموح- فاتناته المعتزات بنوبات طمسهن الأولى ، فقط لو تملكته روح المغامرة التي تسكن أرواح الأسلاف في قلب القارة الداكنة ، كنت سأكون بأي مكان ولكن ليس هنا ! أي مكان قبل قداسة حدود الغزاة أيها نهر الضجِر ، لِما تركته يقيم هنا يا الله ؟ ها…. لِما!،ولكنك لن تجيب فمنذ أن كنت أرعى الأغنام ظللت رباً صامتاً هكذا مثل هذا الجدار المثلوم بالدماء.

صمت ثقيل مر عبر نافذة الغرفة الضيقة ليتوزع على الظلام المسيطر على فضاء الليلة الخريفية بينما ظل هو متقرفصاً على الأرض الرطبة ينش شكوكه الملحاحة ، لم يلحق تجديفه الغاضب بهمهمات استغفار، فقط تنهيدة عميقة متأخرة خرجت بذات طريق الصمت يحفها ظلام الغرفة الرطب.

في الشق الأخر من ظلام تلك الليلة كانت القافلة الصغيرة تتحرك بحذر تحت نجيمات ناتئة في جلد السماء الداكن مثل سخام قِدْر ، تتخالج بين النجيمات شُهب متعجلة كأنها مناوشات لفلول قائد مهزوم هو النهار الذي قوض الليل السائر -بتمهل غافلة بدوية- سلطته عند معركة الشفق الفاصلة ، يتحرك الهودج المتوجة جنباته بقطع مرايا ميتة ، ما بث فيها ضوء الشهب المتعجل روح انعكاس ولا تبسمت للنجيمات التعِبة من جراء حصار الغيوم ، رغي مبحوح لجِمال الحمل التي تنوء بأثقالها الحطبية التي تعيقها أمهاتها – الأشجار – أبداً ، يتنحنح ” الصليل” مختبرا صوته الغارق في صرير الجنادب الخريفية ذات الأصوات الحادة المباركة بسلطان الجن الغابي الغامض، غثاء الحملان التي تحتضنها الجيوب الجلدية الكبيرة على ظهور الجِمال ، ثم الرغي المهلك لفحل القطيع وهو يتوسط أهله أمام الهودج المتهادي على ظلامه العتيق ، كان ” حمّاد” سيعير نحنحة والده كثير قلق وتأهب لو حدث ذلك في ليلة ظلماء تكسر شوكتها نار الهشيم وصوت مبحوح هو للهداي “ودالفكي”وسط خيام بادية ” حسن الصليل “، لأن ذلك نذير صريح لقول له ما يتبعه من تكاليف تتوسطها لعنات مجانية من الوالد الضجِر حال كل البدو الابّالة، لحسن حظ حمّاد لم تكن تلك النحنحة المباغتة ماضية مثل عواء بنات أوى الذي ما قطع حبل نظم شعر السنجك* الذي يحاول الفتى إعداده لاحتفالات رقص المُنشاق.

ساقته الأشياء اللزجة التي يعج بها قلب الظنون خاصته إلى المحاريب الجنوبية،حيث يُسمع هدير الماء ولا يُرى داخل البرج الباهت الذي ينزل منه ماء النهر العكِر،وفيه أيضا تنتفخ هالات الظنون وتحترق مثل فقاعات اليقين المحترقة بين طيات الكتب المبصرة، رفع حاجب وعيه ليرى حقيقته الخاصة داخل البهت فرأى صف طويل لبنات يعرف عيونهن التي التمعت – لمرات عديدة-من الرقرقة التي يخلفها التصفيق اللاهب للأيادي الناعمة التي يحركها الصوت النشاز، ذلك الصوت الذي ورثه بجدارة الجينات عن “حسن الصليل”، لكن ما سوف لن يستجليه أبداً من نظراته الواعية تلك هو حقيقة الصف الآخر المصنوع من عسكر احطياتي مركزي ببزات غبراء واضعين أيديهم خلف ظهورهم في وقفتهم الموازية لصف البنات وكأنهم يحملون لهن مفاجأة ما او أنهم على وشك الإعلان عن استسلامهم الجماعي لصف الحِسان ،”لقد كنت هناك ؟” يأتي الصوت الباهت قويا كما صوت المؤذن ليزيح دهشة العسكر ،فيرده بسؤاله الفزع “أين؟”

“عدت إلى تساؤلاتك إذاً” يجيب الصوت الباهت ومن ثم يستطرد ” أنت تعرف أين كنت وقريباً ستعود”

مرت لحظات سوداء طويلة مبلولة بزخات المطر الفاترة وكأنها قطعت مع الأنعام كل تلك المسافة التي بدأت من أقصى الجنوب حيث أمهات الأبنوس الوارف لتدخل إلى غابات “قريضة” الجنوبية ذات أشجار السنط التي ما قست عليها الحياة لتترك عادة التشابك الحميمي ، ثمانية أيام من المسير المتواصل والغافلة المندفعة شمالاً بروح سلحفاة عطِشة – وحركتها أيضا- لم تجد ما يمنح قائدها ” الشيخ سعيد ” ذو الوجه الطلق دون ابتسام أمان من الوخم ، رغم شجيرات الكِتر والشحيط المخضرة خضرة خفيفة مثل أي بشارة لخريف ماطر،ذلك الزحف البطيء جعل مشهد القرى المنهمكة في إزاحة الشجيرات ذات الخضرة الطفيلية وإصلاح المحاريث يجد مدخل إلى أعماق الابن الأصغر للصليل ليجمع اكبر عدد من مقاطع شعر السنجك التي كان يرتبها في ليلته السائرة. قبل أن يطلق الصليل كلمة من عقد كلماته المبتور على الدوام صرخت “فاطني” من داخل هودجها المتهادي كما ليله “يا للتعاسة لقد كسرت الأشجار القِدر ثانية “

“النجسة التعيسة كيف كسرتيه” أرسل “الصليل” لعناته عبر الظلام المطري السائر قبل أن يعلن عن التوقف الطارئ.

تمر السحب وتنبعج دائما دون الحاجة إلى أن تريه نفسها كأي سجين منسي تحت زنزانةٍ رطبةٍ توشحه الأيام بجديد ساعاتها المعطوبة ، لتترك في حلقه لزوجة التماسيح حديثة الفقس ، تلك التي لها حموضة اللون الأخضر ورتابة البنايات المهجورة ، للأوان طعمها الخاص داخل الغرف الرطبة ذات الجُدُر المدهونة بدم الضحايا ، ذلك الطعم الذي يلهمك الهيام وهو يجرك إلى بحور التفكر مثل باخرة طيّارة، بل يزرع فيك عشق الاغتراب ، وما الغربة سوى معرفة طعم الألوان وكثافتها التي تأجج وحشة رغي النوق وتماوج الهوادج.

يتذكر الوعيد بخوف ما فاز به جلاديه الحانقين ” كنت هناك وقريباً ستعود” “هناك! لا لم أكن في أيما مكان” غمغم وهو يتذكر جملة أخرى من جمل الوعيد “نعم سوف تصعد ولو بضيق الصدر” فبدأ بضرب رأسه بالحائط مرارا إلى أن ساقته لعنات الجلاد اليومية نحو الغرفة الأكثر ضيقاً.

تلتئم الأحاسيس المفجعة لتنمو غريبة داخل الزنزانة الباردة ، يتحرك العشب الأصفر أمام المدخل وكأنه يبرهن بأن للون قدرة ما لم تُكتشف بعد .تقترب الذكريات فيرنو القلب إلى الأمسيات الأكثر روعة ،عندما يتحلّق الجمع على ساحة الرقص وتتلألأ جياد الحسان الموشحة بالعقود الصٓدفية ذات ريالات الذهب المتوهجة مع أشعة الأصيل ما بقيت سطوة المعدن النفيس، يُضرب الدُف المتمكن في الأرض بأرجله الثلاث الوطيدة فيتحرك عقد الحسان المنظوم وكأنه من صٓدف بشري، مرفوعات الرؤوس مع اهتزازهن المتناسق وجميل التبسم ” تباً..ضربات النُقّارة تخاطب القلوب لا الأجساد” تمتم وهو يحاول إيقاف النزيف بحفنة من التراب الرطب. تجد عضلة القلب فرصتها لنتقلب باتجاه الجرح الكبير،فتظهر أمسية معبأة بغبار المدينة الضاجة على شاشة الذكريات، سلطة الأحداث الجليلة تجعله يصمت طويلا قبل أن يغمغم ” يا للفساء لقد قُضي الأمر وبقي التحدي لن تحصل رطوبة الأرض على ما هو ليس لجلاديها ، فالسجن والسجان حيلة ، نعم السجن حيلة والسجان مسجون بلا زنزانة ولكن ، هل حقاً كنت هناك!”

تنزل القافلة السلحفاة إلى ارض بأدغال أكثف من عانات المجانين ، لتكتشف الأحورة لأول مرة إصرار الغيم ذي الاثلام الفضية مندهشة من تتلذذ أمهاتها بطعم الشجر الطري طراوة أرضه الطينية اللزجة التي أثقلت كاهل ” فاطني” وهي تحاول قتل المسير في غافلتها بالبناء ، منكبة بهمة حقيقة لتشييد خيمتها السوداء التي خبرت أصابعها ضفائر كل شملة فيها، ” المطر لعنة” تمتمت وهي تنظر الى السماء الدانية التي بدأت إرسال وفد مقدمتها المائي بتمهل.

وخزة ما ، بجراءة المُنِذر شعرت بها “فاطني” قرب الضلع الخامس من الجانب الأيسر لصدرها ذي القلب المتحرّق كلما مر يوم دون يأتي به ، “الأيام الماجنة تضن بالأحباب دوما بل هي تشرب حتى نسائم طيفهم العليلة مع جريها المائي البليد” زفرت العجوز المنكوبة ، فثلاث سنوات ليست بالوقت القصير ليصمد أمامها صبر الأمهات ، ثلاث سنون كالحات خطفن ابنها البكر تاركات لها وجد ابتسامه وسوء الظنون فمنذ تلك المكالمة الهاتفية المقتضبة التي بشرت بوصول تأخر لثلاث سنوات لم يظهر شيء يدل على وجوده غير عذابات الفراق ” لعن الله المدارس ” لعنت العجوز وهي تمسك بوتد الخيمة وتشده ، ليأتيها صوت زوجها نشاز كعادته ” النصارى شياطين يا فاطني، إنهم شياطين ومن يجاري الشيطان يُمسخ”

الشك المطمئن إلى الشك يملأ الأرض بالتهيؤ،تعبر قوافل الضجر سريعاً إلى حيث يطيب لها المقام ،صمود الأرق ، سهاد الظن الذي أصبح اشد فتكاً بالقلب ، يفكر بنملة مرت متعجلة فيجد حقيقتها التي هدته بدورها إلى التفكر بالإبل ليجد لوعة ليالي السمر وجن الغابات الذي ما هدته عِتاق الكتب إلى حقيقته فيهرب إلى الغول الذي عرف حقيقته في حضن أمه “فاطني بت مسار” ،يسكن هناك طويلاً قبل أن يفكر في البشر ثم لا يجد شيء، سوى قذارة الزنازين، فيصدح ” كنت هناك … أنا كنت هناك امممم لابد من أن الأمر هناك مختلف.

“قلبي يأكلني عليه يا أبا الذكور ” ردت العجوز بعد قفزة وجله هي ما يتركه الصوت النشاز دائماً في النفوس القلقة ثم استطردت ” هلا ذهبت إلى المدينة وسألت عنه؟”

“اسأل عنه! إلى أين سأذهب يا أم الذكور، أين! فالمدينة جحر نمل الله الضال وسكانها كلابه الجائعة ، لن يسلم احد من تناوشهم اتركيه سيأتي لحاله عندما يطرده الجوع” تمر لحظات ثقيلة على حلق ” فاطني” قبل أن يصدق المطر وعده المنجز على الدوام لتسكن الخيمة القعيدة وأصحابها تحت مشمع كبير.

احد ما لم يجبره على ادعاء سعادته البائسة تلك عندما جهر متفكراً حال كل مسجون توحد مع الوحشة الرطبة لسنوات رتيبة

“أنا سعيد ألان ! نعم سعيد وما يجعلني كذلك هو موت الدهشة داخلي ، رغم أن هذه العاهة مصطلح عليها في علم الفلسفة ” بموت الفيلسوف ” وهي بلا شك عاهة مانعة للتنظير العميق ولكني سعيد بها على كل حال ، فمنذ أن عرفت الانكسارات الألفية لجميع الذين أطلقوا على أنفسهم ألقابا رنانة في دنيا الأحياء هذه قررت قتل الدهشة بسُم اللامبالاة ، ولكني فشلت ، ثم بسيف الهروب للأمام ،هباءً، لألجأ للخنق بالأمل ، لا فوز، ثم بارود الألم ، بلا جدوى !. كل تلك المحاولات الحثيثة باءت بالفشل اللزج مثل اللون الأصفر، ذلك اللون البائس على حلاوته، لا يشير اللون الأصفر إلى شيء محدد قط دون الاستعانة بلون أخر، وقد صدق أبي عندما اخبرني ذات لحظة زلقة من خريف قرية كسارة الطري ” اللون الأصفر خدعة! ” ومن حينها وأنا اكره الأصفر بيد أنهم يعزون ذلك العداء لزرقة قديمة تعود لهلاليتي المقتولة بسبب ” كابوندا ودالحلة” حتى أن الضابط النشوان بإذلال ضحاياه دوّن ذلك صراحة في محضر التحقيق عند أول زيارات الرطوبة فقط لأَنِّي رفضت ارتداء البزة الصفراء المهترئة بعد أن تهرى قميصي ،فغباء العسكر لا يكبحه ذلك الإجماع الوطني على لزوجة اللون الأصفر بعد جائحة الفقر الأخيرة وتوشح وجوه الجناة ابتسامتهم التي لا يختلف منكوبان على صُفرتها ، كل ذلك والدهشة تخرج لي لسان الانكسار إلى أن أخذها الله الآن بتدبيره الخاص ، ولأن موت الغرماء عيد سيظل وجهي هكذا متهلل باحتشاد الحٓلك التائه في ليالي السجناء، فهي سعادة السواد المقدس الغارقة في رطوبة الزنازين إذاً ، حال كل الذين لم تخدمهم الصدف ، لكنها باقية، أخاديد السعادة العادية باقية أبدا في الروح يا نهر الزنازين -ميتة الشاطئ- وكرجل سعيد بموت الدهشة -لن تستطيع الزنازين اليائسة تكدير صفو وحدته- لا اشعر الآن بأي شيء إزاء ذلك الكم الخرافي من القلق الذي يتبارى في إثارته جموع الساسة والمنظومات التي تدّعي النشاط دائماً دون الحاجة إلى إثبات ذلك ،فما عاد السجان يملك أمره ولا حتى السجن ! نعم و لا السجن يا نهر ، فسر عكرا أو صفوا، كله تدبير العُلا حيث كنت قبلاً.

حدث وان كان فصل الخريف بكل ذلك السخاء المائي قبل أن تتمكن القافلة من العودة إلى البادية الأم ، كان ذلك عن ميلاده الأول، فقبل سنين طويلة و عند دغل الجميز المستسلم لثورة الماء العنيفة كان المخاض -غير العسير- يرتل ترانيم الولادة، حيث شُد طرف الحبل المربوط على فرع شجرة جميز باسقة والمنتهي طرفه الأخر عند يدي الفتاة التي لم تكمل سنتها الرابعة بعد العقد الأول ، المطر يحيل الألم إلى خدر لذيذ والماء الساخن يملأ الفراغ المائي بخاراً ولا صوت يعلو فوق صوت الرعد الضاج بفرح مع أرجحة الحبل الذي يعلو ويهبط هو الأخر حاملا ثقل الفتاة التي تحاول إنقاص وزنها بمقدار وليد ، كان البرق يحتفل على طريقته الصاخبة التي أعانه عليها الوليد بصراخ أفزع حتى جذوع الجميز. قُبض قلب ” فاطني” وهي تشم في كل قطرة من ذلك الماء المدلوق بسخاء إلهي رائحته صراخه الأول ، بل تجد ابتسامه في ثلوم السماء الضوئية ، فتئن مع أزيز شلال المطر المنهمر على ظهر خيمتها أبدًا ، صرخت للمرة العاشرة نادبة كسر القدر الطيني وهي تمتم ” ليس بخير ..ولدي ليس بخير يا أبا الذكور”

“وهل يكون بخير من تبع مدارس النصارى ” أجاب زوجها بضجر الإمطار المتواصل”

“وما الحل إذاً ؟” سألت الزوجة وهي تقترب من كهلها داخل الخيمة المُنهكة بالماء محاولة استجداء سطوة ما لسؤالها وهي تضيف” قلبي يأكلني ، وقلب الأم دليل يا الصليل أليس أنت من قال ذلك!” ثم قذفت بقطع القدر الخزفي المتكسر خارج الخيمة ،

” فليكن عظة لكل من تسول له نفسه الذهاب وراء المدارس ، لست محتاجا للدرجة التي تجعلني اجري وراء من أنجبته من صُلبي ” قال بتحدي تعرف هي وحدها درجة تعنته لتبتهل بيأس قبل أن تغرق في النشيج “فليحفظه الشيخ ماحي ، جدي ماحي الولي تولى هذا التائه.

انت يا غرينيق انت يا غرينيق*

انت يا غرينيق غرينيقي يا البعيد

انت يا غرينيق رفيقي وانا ليك رفيق

انت يا غرينيق رِفيقي فوق الطريق

انت يا غرينيق ضاوي نور الفريق

انت يا غرينيق قليبي انا البريد

انت يا غرينق بسكونك في التُرد*

قليبي المحروق ياغرينيق مابرد

دا ريدك ياغرينيق علي قليبي انا انفرط

ضميرك ياغرينيق كيف الجدي الشرد

انت ياغرينيق شبيه الريل الورد”

صراخ ضائع بين حشائش النهر العكر ينتهي إلى أنين دامي داخل الغرفة الرطبة ، يمر صف الجميلات ، قطيع الإبل، حشود الطلاب ،ثم فاطني في ومضة سريعة تلهمه نجواه الأخيرة بعد أن وسع مجرى شريانه ليسقي الأرض الرطبة

” لقد كنت هناك حقا ، لذلك سيلتقي الذي بين الضلوع والذي خارجها لا محال” تتقلص جميع الدنيا أمام عينيه الذابلتين لتكون شيئين متماثلين تماما كما فلقتي حبة بُن ،متساويين في تناقض وجودي،آمر ومأمور بلا تكليف ، سيد وتابع دون عبء ،ثم تتوحد الظروف وتُطوى الأمكنة ليلتقي المحبوب حبيبه ، ينكمش الزمن انكماش جناحي نسر مات لتتحلل أجنحته ويذهب الريش هباء ،” هباء هذا الوجود وذلك الكم الرهيب من التنوير المدلوق تحت أمهات اللبخ” يقول مجاهدا وقد جحظت عيناه ” للون الأحمر سطوته وللبنفسج نكهة الحبيبات، كما للرمادي السكون ، سكون مطمئن إلى سكون العُلا وخٓرس الجمادات ، الروح جماد متحلل ، فهي بنت الهواء المطمئن إلى دواخل الأشياء وقدرة الشيئين المنفصلين المندمجين المتلاعبين بالقٓدٓر والقدرة”.

ثم تنطبق شفتاه ليلتئم جُرح حبة البُن.

*****

المُنشاق : النشوق عند البدو الرحل في دارفور وشرق تشاد هو المسير باتجاه الجنوب وعكسه “المُوطاة -من واطي” وبالتالي المُنشاق رحلة قوافل الماشية السنوية من الشمال إلى الجنوب هربا من جدب الصيف العطِش ثم العودة عند بواكير الخريف تفادياً لوخم الجنوب وعادة ما تنتهي تلك الرحلة بمهرجان رقص عند وصول الديار وملاقاة الأحبة.

السنجك : رقصة شعبية عند الرحل تعتمد على التصفيق الجماعي ومقاطع شعر غزلي ذات ترنيم مموسق.

انت يا غرينيق : قصيدة للشاعر الفحل ومغني ربابة البري بري المشهور يوسف حسب الدايم ” الحلة ام خروص”

الغرنوق : طائر شبيه بالطاووس يكثر تواجده بالجنوب له عُرف أحمر بتاج ذهبي وعنق طويل

التُرد: جمع تردة وهو مشرب الماء القصير وتُحفر دائماً على رمال الوديان في فصل الخريف وتُسمى أيضا بالمشيشة.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان

أضف تعليقاً