قصاصات ورق

السموءل شمس الدين :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

على ما يشبه المقهى كان لقاؤهما الواقعي الأول.. عقب عام كامل من اللقاءات الافتراضية.. كانت تلة مرتفعة بعض الشيء.. فوق سطح الطريق الضيق.. ضفة النيل الغربية.. والحديقة المختصرة.. على تلك التلة تناثرت بائعات الشاي.. فتصاعدت أعمدة الدخان.. ورائحة البن..كان جالسا هو.. يحاول تأمل كلماتها التي ترن بمخيلته..

كل يوم كانت تذهله بكلمات منمقة تختصر آلاف الكتب حكمةً وطلاوة.. يطالعها على صفحتها الشخصية..كانت هي مطرقة تراقب حذاءها الداكن.. وتترقب الأسلوب الذي سوف يبتدر به نقاشا جديدا مثيرا.. كتلك النقاشات الممتعة التي اعتاد أن يقيدها بها أسيرةً لشاشة الحاسب الآلي.. تضحك أحيانا.. تقطب الجبين حينا.. تذرف الدمع حتى حينا آخر..سوى أن ابتداره المنتظر لحديث اليوم تأخر كثيرا كثيرا..هو كان مازال يبحث عنها.. فيها..قطع دقائق الصمت متسائلا: شاي؟قهوة؟شاي حليب؟ارتقت بنظرها قليلا دون أن تجرؤ على الارتقاء لمستوى نظره.. قالت مبتسمة:لا ولا شي.. شكرا..نهض هو من توه مبتسما.. غاب حينا ثم عاد يحمل كوبي شاي بالحليب.. جلس أمامها من جديد يستأنف الصمت.. يتلهى بارتشاف مشروبه الدافئ.. ويغالب سؤالا يرن بين جنبات الخاطر: ترى.. أين غابت الكلمات؟؟هي كانت تتحسس كوب الشاي في سكون وتؤدة.. علّ حرارته تفيئ دفئا على أعطاف لقائهما البارد..لم يكن من المتوقع أن يولد هذا اللقاء المرتقب بهكذا جمود..هما تقريبا يعرفان عن بعضهما البعض كل ما تنبغي معرفته.. لم تمتلك أمام كلماته المرسلة بكل الحميمية والدفء والعفوية والصراحة.. إلا أن تعرض صفحات كتاب حياتها بكل شفافية وصدق ووضوح.. لم تستر عنه شيئا.. حتى حينما طلب أن يرى صورة لملامح وجهها.. لم تبخل عليه بأقرب صوره إلى الواقع.. لم تهتم كثيرا بأن تبدو جميلة أو ما سوى ذلك.. رغم أن ما بينهما كان قد بدأ يتعدى حدود الصداقة.. إلا أنها لم تتحر إلا الصدق.. والصدق فقط.. ولم يكن أمامه إلا أن يبادلها صدقا.. بصدق..أطال تأمل تفاصيل وجهها.. لم تكن جميلة الملامح.. لكنها كانت هي.. بكل صدقها.. ذكائها.. ثقافتها.. جمال روحها وكلماتها.. فهمها العميق لنقاشاته المطولة كان يقطر بعذوبة من ابتسامتها الخجول في تلك الصورة.. الآن أمامه الأصل.. يقطر خجلا.. صمتا.. وهدوءا بلا نهاية..احتار حقا كيف يبدأ الحديث.. كلماته كانت محبوسة بين طيات الذاكرة.. فبدا مرتبكا.. جامدا.. وعاجزا..هي كانت تبحث عن مخرج من هذا الحرج.. عن طرف خيط يسحب عقد الكلمات المحبوسة.. عن.. نجاة خالجتها خاطرة.. ابتسمت مطرقة وهي تحدث نفسها سرا: أجل.. حقا.. هذا هو الحل الوحيد..بهدوء تناولت حقيبتها من على المنضدة.. أخرجت منها وسط مراقبته هو لحركة يديها وبحثها بين طيات الحقيبة.. أخرجت بضع قصاصات من ورق.. وقلم.. انهمكت لوقت قصير في كتابة كلمات مقتضبة.. ثم بعد قليل.. مدت يدها إليه بالورقة.. تناولها بهدوء وبعض حيرة.. ثم قرأ:بالمناسبة.. شكلنا كدة باااايخ جدا أسفل هذه الكلمات.. خطت رسما رمزيا.. لوجه ضاحك..ابتسم هو لوهلة.. ثم أخرج من جيب بنطاله ورقة صغيرة مجعدة.. تناول القلم من يدها بخفة.. رسم وجها رمزيا ضاحكا.. ناولها إياه.. ثم انخرطا بضحكة مشتركة.. من القلب..في لقائهما التالي. كان كل واحد منهما يحمل بين يديه.. كمية مقدرة.. من قصاصات الورق……

 

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان

أضف تعليقاً