مخطوطة المرايا

أيمن هاشم:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في زمان ما , عندما انتشر الإسلام في أقصى بلاد الهند في مسجد بمنطقة كابر , في يوم الجمعة دخل رجل و معه كتاب و قيل أن اسمه بهوجر و طلب مناظرة العلماء .كتب ركن الدين محمد السمرقندي 1218م عندما بدأت بترجمة كتاب ( انبرت كند ) و الذي يعني بعد ترجمته من الهندية للعربية – حوض ماء الحياة :- لما وقفت على هذا الكتاب و أبصرت عجائبه و اشتقت إلى معرفة حقيقته كنت أحتاج إلى أستاذ , حتى وصل رجل من بلاد كابر فقرأت عليه أعني في ذلك تصويبه و شرحه و تبعته كالمريد فثبتُ ما حفظت معناه و تركت ما أشكل على فهمه و سميته – كتاب مرآة المعاني لإدراك العالم الإنساني .

أظهرت المخطوطة قديمة العربية و المكتوبة بخط النسخ بعد المقدمات اللاهوتية في مقدمتها بيت شعر غريب :إن القلوب إذا تنافر ودَها .. مثل الزجاجة كسرها لا يُجبر .بالرغم من هذه المقدمة إلا أن العشرة أبواب تحمل في طياتها عوالم ميتافيزيقيا و تأمليه تحتمل كل التأويلات التصوفية و الشروحات اللاحقة و لنا أن نتخيل كيف صمدت كل تلك السنين , و نجت من تغول الأرثوذوكس المسلمين و المغول و الحروب الصليبية , و من المصادفات الغريبة إن طرحنا التاريخ الميلادي الحالي من التاريخ الميلادي لحياة المترجم فإن ناتجه سيكون التاريخ الهجري لموت مترجم المخطوطة .تبدأ القصة بلسان البطل الراوي الذي لا إسم له و هو رمز للإنسان الباحث عن انعكاسه :- قال كنتُ في قديم البلاد , حيث يسكن أبائي و أجدادي , طلبني صاحب البلاد ( القدير ) و طلب مني السفر إلى حيث البلد المعمور , لكي لا ينسى الوعد الإلهي فإنه لكي يجد ما يريد فعليه مشاورة الوزير فهو يعرف وصف البلد و طريقها , فالوزير هو إما قلبه أو قرينه , يقول :- أمرني سيدي ومولاي بالسفر , فقال له – إن في سفرك شدائد و عقبات , و أخشى أن تنسى العهد و أخذ يصف له : فأول ما تقطعه من الشدائد بحرين و هما النفس و الطبع , و سبع جبال و أربع عقبات و ثلاث منازل محشوة بالبلايا و الشدائد , ثم تصل إلى طريق أضيق من عين النملة – يقول حين وصلت هذا الطريق مشيت على رأسي منكساً, و تجد دربين – درب في ظاهرها و درب في باطنها .

أما في درب الظاهر فتجد شخص و هو – اللمس وقد وضع كرسيه على مجرى دم , يملك صلاح البلاد و فسادها . و في الدرب الثاني تجد – البصر و قد وضع كرسيه في الماء و هو جالس ينظر فيها و ينظرها و في الثالث تجد – السمع و قد وضع كرسيه في النار و هو جالس فيها و هو جاسوسها , ثم الذوق و الشم .و في طريق الباطن خمسة أبواب أولها الحس , الخيال , الوهم ,المتخيلة و الحافظة , و قد جاء في تفسير الحس أنه لا يحفظ , و الخيال لا يفهم و الوهم يقتضي فهم مالا يعرف , و المتخيلة تارة تكون على صفة الشيطان و تارة على صفة الملائكة و هي المهندس و الحافظة بريئة من كل ما سبق . فإن دخلت فستنسى العهود و إياك و الغفلة .

قال فسافرت و قطعت البحور و الجبال و العقبات و وصلت إلى الطريق حتى إذا دنيت و قد كنت أذكر من تلك العهود و أذوب في لطائفها و كثايفها , وصلت إلى شيخ جالس على كرسي الملك فسلمت عليه , رد السلام , و كلمته فكلمني و كل شيء أقول يقول و كل شيء أعمل يعمل , فأمعنت النظر فإذ هو أنا .من الصعب جدا تتبع آثار تلك الرحلة الروحية طيلة العشر أبواب فما يهمنا في هذا المبحث هو رصد آثار تلك الرحلة على النفس فكما يروي التراث الإسلامي – من عرف نفسه فقد عرف ربه , عند الوصول إلى هرم الرواية يمكننا إفتراض أن الطرف الأخر في المرآة كان يبحث عنه , إذا الراوي هنا ليس حقيقي و إنما هو تشيؤ لفكرة الإنعكاس – المرائيه – التي بهرت أئمة المتصوفة – فأنت مقلوبة , و أنت قلبه , و هو قلبك .كلمة واحدة قد تحمل في دلالتها درجات متفاوتة أو متناقضة مثل كلمة أحد – و هي أس الوحدانية , قد تعني اللاتحديد , بلا إسم و قد تعني الرب فهذه الإختلافات في المعنى مثيرة جداً , قد تضع تفاسير جديدة يائسة مثل :أنت لا تعرف إياك و لا … تدري من أنت و لا كيف الوصول .لم أُكمل قراءة باقي الفصول , لأنني أخشى أن أكتشف ما لا أستطيع كتابته أو لأنني كسول و حزين هذه الأيام , لكن لنعد قراءة القصة بمفهوم آيروسي – سقراطي , فإن الراوي ( المحب , الباحث ) كان يحاول رؤية نفسه بعيني الأخر و لما كانت النفس لا تستطيع رؤية نفسها بدون النظر إلى عين أخرى , فإن النفس – بكل أهوائها لا تستطيع معرفة ذاتها دون النظر إلى عين أخرى غيرها – قد تكون حبيب أو عاشق , خاصة عندما تكتشف ملكة أو فضيلة أو شيء إلهي – من عالم المُثل .كالعادة عند إنهاء كل شيء أقرأه تقفز إلى ذهني قصة مقاربة لها و كانت من نصيب بورخيس – الدنو من المعتصم ربما لتوارد الخواطر ثم ينتابني حزن مكون من طرفين فالمعتصم لم يكن شيء حقيقي , كان إنعكاس للروح القلقة التي إرتكبت جريمة , و القصة ككل لم تكن حقيقية , أما الطرف الأخر للحزن فكان بسبب المقدمة الشعرية الحزينة و التي وصفت حالتي هذه الأيام و التي أقنعتني بفكرة تناسخ أو عبور روح الراوي الأصلي لداخلي .

 

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان

أضف تعليقاً