الرئيسية / العدد الثالث والأربعون / ملف خاص : الإعتداء على الأطباء

ملف خاص : الإعتداء على الأطباء

جيل جديد :

بمجرد أن تطبع على محرك البحث قوقل جملة ” الإعتداء على الأطباء ” ، حتى تصيبك الدهشة من أن هذه الحالة ليست حكراً على مجتمع واحد أو ديانة واحدة ، بل هي ظاهرة متفشية بكثرة ، لكن تختلف ردّات الفعل الرسمية في التعامل معها ، فبينما هنالك دُول تسنُ قوانين رادعة تحافظ بها على كافة الحقوق للطبيب ، لا تزال مجتمعاتنا العربية ترزح تحت وطأة إدارات طبية فاشلة غير قادرة على حماية منتسبيها من الأطباء ، وفي السودان تحديدا شهدنا الكثير من هذه الحالات دون أن نجد ردة فعل مناسبة لها من قبل الجهات المسؤولة ، وقد كان آخرها حادثة الاعتداء على الدكتورة إسلام أحمد منير ، ونحن في جيل جديد فتحنا هذا الملف الشائك وطلبنا من أصحاب الشأن الحقيقي ( الأطباء ) والمتابعين لمثل هذه القضايا عن قرب ( الصحفيون ) الكتابة عنه ، وخرجنا بهذا الملف .

kkk

{ إضراب الأطباء 2010 : فن إستعادة الفشل }

 د.محمود المعتصم : 

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط   هنا

الخلفية:
لطالما لَعِبَ المتعلُّمون السودانيون، والطبقة الوسطى عموماً، دوراً رجعيَّاً في السياسة السودانية. فتحْتَ سَمَعِهم وبصرهم تمّ تمرير استراتيجية “تثقيف” الصراع السياسي. التثقيف الذي أخرج الاقتصاد والواقع المادي بالمُجمل من معادلة الفعل السياسي في البلاد. وبينما تحوَّلت السياسة السودانية إلى حالة دائمة من الصراع الثقافي بين العرب والأفارقة وبين الإسلاميين والعلمانيين، تم، وبصورة منهجية، سحقُ طبقات اجتماعية فقيرة وتجريدها من أية حياة ذات معنى. يشتغل العامل السوداني المتوسط لساعات طويلة جداً، إن كان في قطاع المواصلات أو في قطاع البيع بالتجزئة وغيرها، وفي أغلب الأحيان فإن هذا العامل يتحصل على فُرَص عمل بشكلٍ متقطِّع وباليومية. وليس له أن يحلم حتى بوظيفة دائمة أو بضمان اجتماعي في أوقات المرض أو عند التقدم في السن. ولأنه في الغالب شخص “جاهل” بلا أيِّ منفذٍ للمعرفة ومجال الاحتجاج الإلكتروني، فإن ضعفه سوف يُضَاعف نفسه مع الوقت، وستعمل نخبٌ دينيةٌ مقيتةٌ على نشر “وعيها الزائف” و”أفيونها” بين هذه الفئات لتُحوِّلْهَا لفئات فقيرة أصولية تعمل على منع نفسها ذاتياً من الحرية. على هذه الأنقاض البشرية عاشت الطبقة الوسطى السودانية امتيازها النسبي في التعليم الجيّد، واحتكار فُرص السفر للعمل وإكمال الدراسة في الخارج. ومؤخراً، قامت الحكومة بتمرير إستراتيجية خصخصت بموجبها التعليم الأساسي والثانوي الذي كان المنفذ الوحيد الذي يصل الفقراء في السودان من خلاله إلى حياة أفضل. وبالتأكيد فإن الطبقة الوسطى السودانية، وهي القادرة على تعليم أبنائها بالمال، لم تُبدِ كثير تذمرٍ ولا قلقٍ من هذا الواقع التعليمي الجديد.
و لكن، ولأن المجتمع لا يمكنه أن يقف بصورة مستقيمة على هذا الحُطام، أفاقت الطبقة الوسطى السودانية على واقع تتعرض فيه هي نفسها للإضعاف والإفقار المنهجي. فنمط الاقتصاد الذي يركز الثروة والقوة تدريجياً في يدِ الأقلية سوف سيؤدي حتماً إلى توسّع دائرة الفقر والاستبداد تدريجياً، خاصة عندما تسيطر على مقاليد الأمور حكومة قامت آيديولوجيتها الثقافية الإسلامية على افتراض أن السياسة هي الصراع من أجل “الشريعة”، وأن الاقتصاد يجب أن يُترَك ليدير نَفسَهُ بنفسه، الآيديولوجية التي تستند على مقولات دينية مصدرها مجتمع ما قبل رأسمالي بدائي. وقد أدت هذه الآيديولوجيا إلى تقليص التخطيط الاقتصادي في البلد لمستوى الإدارة التي تشبه إدارة الشركات. وهكذا لم توضع خطط لزيادة فرص العمل، أو لتوفير أي موارد للدولة لتحقق أقل قدر ممكن من العدالة الاجتماعية. الأمر الذي أدى ليكون المشغل الأكبر للطبقة الوسطى السوداني هو “الخارج”، ذلك أمرٌ تقبَّلته هذه الطبقة بصدرٍ رحب. وتحول “الاغتراب” في عرفها إلى امتياز يُعيد الواحد منا للوطن بعد فناء سني عمره في الخارج ليكون له عربة وبيت وزوجة بالطبع (تحولت هذه الأشياء الأساسية البسيطة لأشياء يحظى بها الأثرياء فقط). لكن يحق للمرأ أن يسأل عن إمكانية استمرار الخارج في استقبال كل العمالة الماهرة السودانية، خاصة أن السودان ليس الدولة الوحيدة الفاشلة في العالم الثالث. وقد بدأت الطبقة الوسطى السودانية تشعر بالفعل بآثار “تشبع” سوق العمل الخارجي عندما بدأ التعليم في الخليج يُنتج ثماره. حالياً تعمل مجموعات كبيرة من الشباب السوداني ذوي التعليم الجامعي في دبي مثلاً في وظائف ثانوية؛ كحراس أو موظفي استعلامات، وبمرتبات متدنية تجبر الواحد منهم لأن يعيش في غرف بها عدد كبير من المسحوقين الآخرين، وبأفق تطور مهني متدنٍّ جداً. ولأن شر البلية ما يضحك، فإن هؤلاء الشباب ينظرون لأنفسهم باعتبارهم محظوظين!.
أما بالنسبة للثقافة التي أنتجتها الطبقة الوسطى، فهي ثقافة وصفها أحدهم مرة بأنها “ثقافة التفاهة”. ولهذه الثقافة وجهان مختلفان يشكلان منظومة تدمير ثقافي واحدة: وجهها الأول هو التهكم Cynicism. حيث يتفاخر الإنسان بأنه لا يأخذ أي شيء بجدية (في ما عدى تفاهاته الشخصية كمستقبله المهني بالطبع) هذا التهكم البائس المزيف يخفي خلفه خوفاً شديداً من عاديات المجتمع وانسحاباً من نقدها وتصحيحها، ولذلك فإن النتيجة تكون تناقضاً صارخاً. فمن جهة سيسخر النخبوي المتهكم من أية محاولة تفكير جاد في الواقع، من كل محاولات تغيير الواقع، وسيتباهى بأنه يقبل الأمور كما هي، فهو “واقعي” لا يحلم ولا يشعر بالأمل؛ ومن جهة أخرى فإنه سيتذمر بلا انقطاع من كل شيء تافه يعيق طريقه: الصفوف الطويلة في مراكز الخدمة المدنية، انقطاع التيار الكهربائي، سوء المواصلات العامة .. إلخ. أما الوجه الآخر “لثقافة التفاهة” فهي ثقافة النضال السطحي الموسمي. ينشط داخل هذه النخبة تيار يستثمر في القضايا العامة ليحولها لأمور تثري الحياة الفردية “بالإثارة” و”المغامرة”، وبالتالي يتحول النضال لفعل ردّ فعلٍ بحت، ردّ فعل مؤقت وجزئي لا يهتم بالاستمرارية ولا بالتحليل الكامل للواقع. وليكون هذا النوع من النضال المثير للسخرية ممكناً، فإنه لابد من أن يتم اختزال قضايا الأمة في رؤى بسيطة ومختصرة تُفَسِّر كل شيء لأنها لا تفسر أي شيء. في هذا الإطار ظهرت السرديات غير المجدية كسردية “الفساد الشخصي” وأن الحل يمكن في “الانتهاء من الإسلام السياسي وفي العلمانية” وأن الحل “في الديمقراطية”.
ولا تعيق هذه التفاهة كل فرص الفعل السياسي الجاد فقط، بل تدمِّر كذلك فرص التحرر الفردي، وتنتج من ثمَّ مجموعة من الأفراد “المُطِيعين”. فخلف غطاءٍ خفيفٍ من التحرر الشكلي، يحافظ أفراد الطبقة الوسطى على كل “ثوابت” المجتمع كما هي، ويُنَفِّذ الواحد منهم الأمر الاجتماعي الواحد تلو الآخر إلى آخر يوم في حياته. لاحظ مثلاً الطريقة التي يعطي بها المجتمع تعريفاً محدداً لكل تفاصيل حياة الأفراد، ابتداءاً بتعريف “النجاح والفشل” مروراً بـ”العلاقة بين الرجل والمرأة” وإلى أن نصل للأمور البسيطة كطريقة إنجاز حفل الزفاف وغيرها. هذه الحياة الفردية الفقيرة ستقضي على أية إمكانية للتمتع بالفن أو إنتاجه. وأكثر من ذلك. لن تفهم هذه الطبقة ما هو الفن أصلاً. يشيع على سبيل المثال أن يتم اختزال رائعة الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” في الصفحات ذات المحتوى الجنسي المثير للجدل. وفي داخل ديناميكية الرجعية التي بنتها الطبقة الوسطى تم تثبيت التناقض بين الاهتمام بالفنان والاحتفاء به من جهة، واعتبار العمل في سوق الفن فعلاً حقيراً في نفس الوقت.

على هذه الخلفية يجب علينا أن نقرأ الواقع الذي وَجدَ فيه الأطباء أنفسهم (وهم ذروة سنام الطبقة الوسطى، أو كانوا كذلك سابقاً). وأكثر من ذلك. إن المجتمع المفصول، الذي منت الطبقة الوسطى نفسها به، ليس مجتمعاً ممكناً. فعاجلاً أو آجلاً سيجد الأفراد المنعمون أنفسهم في مواجهة الكلية البائسة للمجتمع. وقد حدث هذا الأمر بالنسبة للأطباء؛ فالطبيب الذي يأتي من مجتمع “نظيف” راقي يواجَه بالبشاعة منقطعة النظير لقطاع الصحة الذي تركته دولة البرجوازية الصغيرة بلا أي دعم. أذكر أننا كنا عندما نذهب للمستشفيات ونحن طلاب تعيق الواحد منا الرائحة الكريهة للمستشفى، ويزعجه اتساخ المكان. هذا غير أنه أمام المعاناة غير الإنسانية للمرضى الفقراء فإنه يكون أمام المرء خياران: إما أن يفقد إحساسه تماماً أو أن تقتله الشفقة والخجل. وكلنا يختار الأولى.

1- إضراب الأطباء
معرفتي بتاريخ إضراب الأطباء هي معرفة ذاتية، وبالتالي فهي معرفة ضعيفة. وإضراب الأطباء هو من الأحداث الأساسية في تاريخنا الحديث، لكن، ولأنه يقع آيديولوجياً خارج دائرة اهتمام الحكومة والمعارضة فقد تم تجاهله. ولم يُكتَب تاريخه بصورة دقيقة، على حدّ علمي، إلى الآن. لذلك سوف أركّز في سردي للأحداث على الزاوية التي كنت أرى منها الحدث وأنا طالب بكلية الطب في جامعة الخرطوم. الكلية التي أصبحت في أيام الإضراب الأخيرة جزءاً مهماً من الأحداث.
بعكس نزعة الاستعجال التي مَيَّزت تكتيكات المعارضة التقليدية، كان فعل الأطباء من البداية فعلاً صبوراً جداً. فالأمر الذي بدأ كتجمع لنواب الأخصائيين تَوَسَّع بصورة متدرجة ليشمل جميع أطباء السودان خلال عدد من السنوات. وبينما تسعى قوى المعارضة الهشة لاصطناع المواجهة مع الحكومة في كلِّ وقت، كان الفعل النقابي للأطباء يسير في خطّ التفاوض مع المنظومة ومحاولة تفادي أية مواجهة غير متكافئة معها. الأمر الذي أدى لالتفاف جموع الأطباء حول النقابة الوليدة لأنها أثبتت لهم، بمرور الوقت، أنها تسعى فعلاً لتحقيق مطالب الأطباء وليس استثمار قضيتهم كجزءٍ من إستراتيجية المعارضة في مواجهة الحكومة. ويمكننا أن نصف هذه الحالة التي يعود فيها الناس للسياسة عبر رفضهم النمط السائد للسياسة “بالتسييس الجذري”. حيث يستعيد الفرد إحساسه بالسياسة في شكلها المادي. ما واجهه الأطباء في الحكومة لم يكن “إسلاميتها” بل “استغلالها المادي لهم”. وربما يكون كل حديث الإسلام السياسي عن “الشريعة” و”العلمانية” و”الكفر” هدفه إخفاء هذه الحقيقة المادية البسيطة.
و قد كانت إحدى الاستراتيجيات المهمة للجنة الأطباء هو اعتمادها على العمل من داخل المنظومة القانونية للدولة. لم تواجه النقابة النظام باعتبارها جسماً خارجاً على الدولة، فتُسَهِّل على النظام قمعها بوصفها تمرداً. ولم تواجهه بمطالب تعجيزية، ليكون بإمكانه التذرع بأن هدف النقابة هو تعجيزه وليس تحسين ظروف الأطباء. كان حراك الأطباء يعتمد دائماً على مطالب واقعية بسيطة وتستطيع الدولة تنفيذها، بل لا يمكن لأية دولة في العالم أن ترفض تنفيذها. وأكثر من ذلك؛ صبرت لجنة الأطباء على مماطلات الحكومة لفترة طويلة حتى حصلت على تعهدات مكتوبة منها. وكانت الوثائق التي كتبتها الحكومة على نفسها إحدى أهم أسلحة الأطباء ضدها لاحقاً. بما في ذلك وثيقة وعود مُوقَعَّة من الرئيس شخصياً.
أما على صعيد القيادة، فإن الأطباء، وتحت وطأة القهر المادي للدولة، تمكنوا أخيراً من كسر حلقة “ثقافة التفاهة” التي تُمَيِّز النخب. طوال أيام النضال النقابي الطويل، كان النقاش المنطقي العملي هو السمة السائدة بين الجميع. وأصبح واضحاً مع مرور الوقت أن القضية لا يمكن لها أن تسير بلا فكر وحسن إدارة. الأمر الذي تُوِّج باختيار الأطباء لممثلين بنوعية ليس لها مثيل بين صفوف القيادة التقليدية في المعارضة. الاسم الذي حصل على الشهرة الأكبر كان دكتور الأبوابي رئيس اللجنة. وأذكر أننا كنا نشاهد فيديوهات المخاطبات التي كان يحييها الدكتور في المستشفيات ونتعجب كيف أمكن لمثل هذا “الخطاب” أن يُخلَق في واقعٍ بائسٍ كواقعنا! وتحول دكتور الأبوابي لاحقاً، وعن استحقاق، لأحد الرموز الثقافية والنضالية في البلاد.
لكن ماذا بالنسبة “للوعي الزائف” الذي يواجه به إسلاميو السلطة مثل هذه الحركات؟ كان موجوداً بالطبع. ولا يستطيع الواحد منا أن يتخيل حراكاً اجتماعياً لا يواجه بالتفاهات الآيديولوجية للإسلام السياسي. أذكر أنه وفي خضم تسارع أحداث الإضراب وتوحش أجهزة الدولة الأمنية أمام فعل نقابي رصين (يجب أن نتعلم كيف نضع الدولة في هذه الحالة، حيث لا نكون نحن، بل هي، في حالة من الغباء والهياج وغياب التفكير). في خضم كل ذلك سمعت أحد أعضاء تنظيم الحكومة في الجامعة يخبر أحد الطلاب كيف أن دكتور الأبوابي “جمهوري” ثم يفسر له: “الجمهوريين ديل بتبعوا محمود محمد طه إللي هو كان ما بصلي”. أو شيء من هذا القبيل. ثم إن الجميل في الأمر هو أن الغبن الذي نشعر به نحن عادة أمام مثل هذا التضليل المتعمد للناس، انعكس عليهم هذه المرة؛ فأمام الحراك المادي المخطط له لن تجدي هذه الألاعيب التي تظهر مكشوفة ومضحكة. استمر الأطباء في التحلق حول الرجل الذي يتبع الرجل الذي لا يصلي.
الدرس الأخير لإضراب الأطباء كان في إعطاءه مثالاً للطاقة الإيجابية التي يمكن أن تتفجر عندما يشاهد الناس شيئاً حقيقياً يحدث أمامهم. لا يجب أن نُمِيت قلوب الناس وحماستهم في نضالات يومية متفرقة وسطحية (مثل المظاهرات الموسمية التي أصبح طلاب جامعة الخرطوم يخرجونها بلا أية رؤية والتي تبدوا وكأنها لغرض التسلية). فهنالك شيء شديد الأهمية في كسب معركة أن يبدوا النضال للناس كشيء ذي معنى، وهذه معركة لا تكسب عبر الخطاب البسيط على النمط الذي أدمنته تشكيلات المعارضة في جامعة الخرطوم، بل تكسب عبر شيء مثل الفعل الجاد الذي قامت به لجنة الأطباء. أذكر أنني كنت أحد أولئك الذين التزموا لأول مرة في حياتهم في فعلٍ جماعيٍّ بناءٍ في تلك الأيام. ورغم أن كل شيء كان يبدوا تعيساً (عندما وصل الأمر لنا في الكلية، كان قد أصبح واضحاً أن العملية النقابية قد فشلت) إلا أنه لا يجند الناس في السياسة شيء مثل الفشل “المرير”.
ولم تتوقف الإبداعات الفردية في إضراب الأطباء على القيادة ونشاط الأفراد في القاعدة. بل تجاوزت ذلك إلى تأقلمها كمنظومة مع روح العصر تلقائياً. قبل تفجر وسائل التواصل الاجتماعي كأداة سياسية معروفة في 2011 مع ثورات الربيع العربي، سبق الأطباء السودانيون الجميع في استخدامهم وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها المساحة الرئيسية التي انتظموا داخلها. وقد أتاحت هذه الميزة للأطباء فرصة كبيرة للوصول لقطاعات أوسع من الناس، وللعب مع الحكومة في مجال لا تمتلك فيه الأخيرة ميزة القمع الشامل التي تمتلكها في بقية المساحات المتاحة.
2- الفشل
لكن كل ذلك لم يُجدِ. والأفق الرائع الذي فتحته النقابة الوليدة تم إغلاقه. أولاً، حرَّك إضراب الأطباء، وبصفته القاعدية الطبقية تحديداً، ردّ فعلٍ شاملٍ من كل الفئات المستفيدة من الواقع الراهن (الأطباء أنفسهم انقسموا لطبقتين، إحداهما يمثلها الأخصائيون والأخرى تشمل بقية الأطباء ممن يقف النظام الصحي المائل على رؤوسهم). الأطباء المنتمون لتنظيم الحكومة كان لهم الدور الريادي في إضعاف الإضراب لاحقاً. لكن الدور الأعظم كان لوسائل الإعلام. السلطة الرابعة التي تمتلكها الدولة ومراكز قوة أخرى لها صلة عضوية بالدولة. ومن هذه الوسائل خرج خطاب شرير يتحدث عن الأطباء بوصفهم مجموعة من المدللين الأثرياء الذين لا يرضيهم وضعهم المميز في المجتمع. ثم جاء الدور للأقلام التي تشكل الرأي العام، كقلم شخص كالهندي عز الدين، لتعطي الناس النسخة الكاملة من القصة، نسخة سيكون من الصعب حتى على الطيب صالح تخيلها. أما أجهزة الدولة الأمنية، وكما ذكرت سابقاً، فقد بدأت تتعامل مع الأطباء بصورة بشعة، كانت قد بلغت قمتها مع اقتحامهم للميز الذي احتمى الأطباء والطبيبات في داخله.
لكن، ما يجب علينا اليوم أن نعيه بالنسبة لهذه التجربة النقابية الفريدة، هو أن الضربة القاضية لم تأتِ من الخارج بل من الداخل. اتخذ الأطباء، تحت ضغط الاعتقالات التي طالت قياداتهم، قراراً بأن يتوقفوا تماماً عن العمل، بما يعني أنهم لن يقوموا بعلاج أية حالة مهما كانت خطيرة. وعلى الرغم من محاولاتهم الدؤوبة بعد ذلك لصنع “بديل” ما لأقسام الطوارئ -كتأسيس خيام صحية خارج المستشفيات مثلاً- إلا أن الخيط الرفيع الذي كان ما يزال يربط الأطباء بالناس انقطع مع هذا القرار. وعلاقة الأطباء بالناس علاقة غير جيدة عموماً، حتى قبل الإضراب، حيث ينشط الأطباء في داخل منظومة صحية تعاملهم كحيوانات لا كبشر، لا تعطيهم أي عائد مادي، ولا توفر لهم أقل متطلبات العمل. هذا بخلاف غياب المراقب. ولمن لا يعلم عن أهمية المراقب (أو الأستاذ/الأخصائي) في الحقل الطبي، يمكننا أن نقول له بأن المستشفيات ولأنها أماكن تذهب فيها حيوات البشر في لحظة، هي أماكن تعمل بتراتبية مهنية صارمة؛ يتعلم فيها الطبيب في التراتبية الأدنى العمل، والتقنيات الأخرى المهمة كأخلاقيات العمل وكيفية التعامل مع المرضى، مِن مَن هم أعلى منه مرتبة. هذا الفراغ في التحفيز والمراقبة أدى لتحول وظيفة الطبيب لوظيفة ليست لها أي معايير؛ يحدد الأطباء المتخرجون حديثاً الطريقة التي يريدون بها أن يعاملوا المرضى. وفي جوٍّ بائسٍ جداً لا يجب أن يتوقع الناس منهم أن تكون هذه الطريقة رائعة.
هذا بخلاف الخدمة البائسة التي يقدمها الأطباء للمرضى، نتيجة لغياب أبسط إمكانيات العلاج. أدوية أساسية ومعدات بسيطة لا تهتم الدولة بتوفرها مجاناً للناس. الأمر الذي يقتل الناس في المستشفيات بأعدادٍ ربما تتجاوز أعداد من ماتوا في حروب السودان الطويلة. هذا المواطن الذي يأتي للمستشفى فيموت فيها قريبه، أو لا يجد المعاملة المثالية، أو يخرج منها بمرضه..إلخ. هو مواطن تم تجهيله عمداً. فمكان أي حد أدنى من التعليم الاجتماعي الذي يمكن الأفراد من فهم ما يدور حولهم (كحقيقة أن المسؤول هنا هو المنظومة والنخب المستفيدة منها) تم وضع تفكيرٍ دينيٍّ بائس جداً، أصولي لا عقلاني، مضاد للحياة والأخلاق والجمال. آيديولوجيا تجعل الناس يهتمون بأمور تافهة بعيدة عنهم ولا علاقة لها بحياتهم المباشرة، وتحرمهم من أية قدرة على فهم ما يجري حولهم، تم نشرها بصورة منهجية في كل وسائل الإعلام. الأمر الذي كان قد وصل لمداه مع صعود نجم أشخاص كالطيب مصطفى بعد انفصال الجنوب.
في داخل هذه المنظومة الاجتماعية المختلفة في المستشفيات نَمَت عداوة مبطنة بين المرضى والأطباء. وبالمناسبة فإن أغلب الأطباء الفاعلين في المستشفيات الحكومية هم أطباء امتياز جدد بلا أية خبرة، يُرمَى بهم في هذا المستنقع مباشرة ليواجهوا مصيرهم.
حاول حراك الأطباء أن يتوغل بمطالبه ليصل للناس. فكان الأطباء يطالبون دائماً، فيما يطالبون به، بتحسين الخدمة الصحية المقدمة للناس. وأنا أعلم أن الأطباء كانوا في كامل الجدية في هذا المطلب. فهم أكثر من يدفع ثمن سوء الخدمة والموت المجاني الذي يشاهدونه أمامهم يومياً، إن كان عاطفياً أو عملياً. لكن، ولأن التجربة كانت الأولى من نوعها منذ وقت طويل جداً، ضاعت سبل الأطباء إلى الناس في زحمة صراعهم العملي مع الحكومة. فلم يتمكن الأطباء من تضمين استراتيجيتهم ما يضمن لهم أن ينحاز الناس لصفهم متى ما فتحت الحكومة جحيمها المتوقع عليهم. وربما يمكننا هنا أن نخرج بالنقد من الأطباء ونوجهه للمثقفين والسياسيين الذين كانوا قد أكملوا عملية “تثقيف السياسية” بما جعلهم يقفون متفرجين لا تثيرهم ولا تستفزهم أسئلة السياسة “المادية” التي جاءهم بها الأطباء: كيف تستطيع النقابة أن تكسر الحاجز الهيكلي بينها وبين بقية فئات المجتمع؟ هذا السؤال البدائي والسهل في أسئلة السياسة المادية لا تهتم به النخب، وبالتالي لم يجد الأطباء عند المثقفين إلا الحديث المكرر عن شر الإنقاذ المطلق. كان بإمكان للمثقفين والسياسيين أن يؤدوا واجبهم ببناء منظومة فكرية وعملية تتجاوز الأطباء لتشمل المجتمع بأكمله، منظومة تستطيع أن تربط القهر المادي للأطباء بالظلم الذي يتعرض له العاملون في القطاعات الأخرى. قديماً، عندما كان من الممكن أن نتحدث بلغة السرديات الكبرى، كانت هذه المنظومة تسمى “حزباً ثورياً”.
سيكون من الممكن للحكومة أن تتعامل مع فئات المجتمع كل واحدة على حدة. لذلك فالتنظيم النقابي الفئوي لن يكفي. دعونا نضع على التساؤل أمامنا مفتوحاً: كيف كان من الممكن للأطباء أن يورطوا بقية قطاعات المجتمع في حراكهم؟
الشيء الآخر الذي سيكون مهماً حال سعى الناس لاستعادة إستراتيجية الإضراب الفعالة، هو أن على الأطباء أن يخلعوا عن أنفسهم رداء الطبقة الوسطى التقليدي. عليهم أن لا ينظروا لموقعهم داخل المجتمع كموقع محايد وُجِد بالصدفة، فهم أنفسهم نتاج لامتياز اجتماعي معين. وعليهم من ثم أن يهجروا ثقافة التفاهة إلى نوع أو آخر من الثقافة الثورية. إن ثقافة اللامبالاة لا تضعف المجتمع فقط، هي تضعف الإنسان نفسه. عندما يعيش الإنسان وهم أنه “هو” مركز الكون وأنه الشيء المهم الوحيد، فيما يعرف عند علماء النفس “بالنرجسية”. سيقع الفرد النرجسي تحت أسر قوى خارجية دائماً، النرجسية لا تؤدي لتُكَوِّن “الفرد الحر” بل لغيابه. لاحظ مثلاً كيف يتأثر الإنسان النرجسي بأقل احتقار يجده من الآخرين في الخارج، أو كيف يذهب محموماً في بحثه عن النجاح المهني تخيفه سخرية الآخرين من فشله، وهكذا حتى لا يبقى في حياته شيء لا يحدده “الآخرون”.
حتى يتكون “الفرد” فإنه بحاجة لأن يقبل ما سماه فرويد “بإهانة الحداثة”؛ حيث تكالبت العلوم على الإنسان تشرح له أنه ليس مركز الكون. أولاً جاء جاليليو، ثم تبعه داروين، ثم جاء فرويد نفسه ليشرح لنا أن “النفس” هي مجرد وهم محدد اجتماعياً. عندما نقبل هذه الإهانة ونتحرر من تعلقنا الشديد بالنفس (مثل اهتمامنا الشديد بأحاسيسنا وضمائرنا وغيرها من الأمور التي تبدوا لعتباطية من منظور العقل المجرد) فإنه هنالك في وسط عدم ما توجد “الذات” الفردية. ومن هذا العدم سيكون من الممكن للأفراد أن يخلقوا أنفسهم (هنا يكمن الفرق بين الفقير والبروليتاري: الفقير هو شخص سحقته الحياة وحولته لعدم. شخص ليس له أي شيء من “غنى النفس” Wealth of Personality وليس له مكان داخل المجتمع؛ البروليتاري هو الذات الثورية التي تخرج من ذلك العدم). الفنان مثلاً هو شخص ينتج الجمال لا ليرضي نفسه أو ليشعر بالسعادة، بل تحديداً ليخلق شيئاً جديداً من العدم، ونفس الأمر بالنسبة للعالم الحق، كأينشتاين، لم يكن بحثه عن الكشف العلمي جزءاً من نزعة نرجسية باحثة عن تقدم مهني أو غيره مما يحرك أنصاف العلماء هذه الأيام. إحدى وسائل خلقنا لذواتنا من العدم هو بناؤنا لشيء جماعي. أن نبني الـ”نحن” من الصفر كما يقول آلان باديو. تلك هي السياسة.
لن ندخل، نحن النخبويون الذين نحتل موقع “البرجوازية الصغيرة” الرجعية في المجتمع، في الحداثة عبر الحصول على منتجاتها المادية. نحن بحاجة لصدمات فردية وجماعية، مثل تلك التي تحدث للأطباء، لنستيقظ من الأوهام النرجسية التي تبقينا حبيسين للقديم وخائفين من الجديد. تعلمنا هذه التجارب فن التحرر من النفس إلى الذات. ولذلك فإنني أتذكر الإضراب كشيء جميل. علينا أن نضيف هذا البعد للسياسة: هي ليست العملية التي تجلب الحرية (في شكل الديمقراطية مثلاً) فقط، هي كذلك مكان نتحرر فيه من أنفسنا.

doctors-422x280

{ عن معاناة الأطباء }

د. سارة النور :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

إنها الثانية صباحاً..

خف الإزدحام فى الطوارئ كثيراً..

بدأ الحضور بالأنحسار نوماً.. هنالك من إفترش الأرض قرب مريضه وهنالك من غادر خارج صالة الطوارئ لينام تحت غطاء السماء.. أرى الحارس هناك يقف على باب الصالة.. يتثاءب كثيراً.. يبدو واضحاً أنه سيغادرنا إلى عالم النومي قريباً.. هدوء تتخلله حركة منسابة لبعض المرافقين ممن جافاهم النوم خوفاً على ذويهم..

أنا وزميلتى أعيننا على مدخل الطوارئ.. فمرضى الليل هم الأكثر ضيقاً.. ومرافقيهم هم الأكثر قلقاً.. كنا نتحدث قليلاً ثم نلتفت نحو الباب.. نرى الحارس فى مكانه على تثاؤبه لم ينم بعد.. جلسنا نعاين القليل من المرضى ممن ساقهم الليل إلينا.. إلى أن جاءنا مرافق أحد المرضى من العنبر الداخلى يشكو إضطراب حال مريضة.. أخبرناه ان الممرض هو من يقوم بالإستدعاء.. ويجب أن يحضر معه ملف المريض.. ذهب وجاء بالملف قائلاً أن الممرض رفض الحضور.. فإتفقت وزميلتى على أن أذهب للعنبر.. وأن تقوم هى بمواصلة مراقبة الحوادث.. وأنا عند باب الصالة كان الإسعاف المركزى قد توقف أمام الباب.. ها نحن قد إفتتحنا ليلتنا.. تحركت مسرعة نحو العنبر.. تراءت لى المسافة بعيدة فى ذلك الليل..  ظلمة وسكون.. وعدد من الناس المستلقين على الأرض.. نتخير فارغ الأرض بينهم ممرات للعبور.. حتى إذا وصلنا العنبر.. كان أحد المرافقين هناك يعلو صوته ويهبط.. كيف لا يوجد طبيب بالعنبر.. لماذا تأخر الطبيب.. أيموت المرضى فى هذا العنبر للإهمال.. وهو فى أوج إنفعاله.. تقدمت نحو الممرضين سائلة عن مسؤول الإستدعاء.. فتدخل رئيس العنبر سائلاً “منو جاب ليك الملف” قلت “المرافق” مشييرة إلى الشاب الواقف على يسارى.. فإلتفت إليه الممرض سائلاً “القال ليك شيلو منو؟”.. كانت خلاصة تلك المواجهة أن المرافق سحب الملف بغير إذن وإختلق قصة رفض الممرض.. وبدأت المغالطات.. لم أكن مهتمة لذلك فسألت الممرض عن المريض..فى تلك اللحظة تذكر المرافق الثائر سابقاً أنه إنشغل عن ثورته يحديث المغالطة يصيح مرة أخري “وين الدكتور؟” فتوجهت بخطابى نحو الممرض أين المريض.. فتقدمنى وتوجهنا نحو غرفة المريض.. لدهشتى لم يكن فاقداً لوعيه كما حدثنا المرافق الأول.. ولم يكن على شفا حفرة من الموت كما زعم المرافق الثانى.. سألته “كيفك ياحاج”.. فقال “بخير بس ماقادر انوم وعندى وجع  فى معدتى”.. أجريت تقيمى السريرى والمعالجه اللازمة.. شكرنى المريض نفسه ودعى لي بما فيه الخير.. بينما ظل مرافقه يطالع الممرض بنظرات غريبة ربما مفادها أنه غير راضٍ عن أداءنا.. قال لى الممرض أمام المرافق وبصوت جاد “يادكتوره مالم يجيك واحد من الممرضين يبقى دا ما إستدعاء للعنبر تانى ماتجى”..

وأنا أغادر العنبر.. كانت المسافة يين العنبر ومبنى الطوارئ بدث أكثر طولاً لكثرة مادار فى خلدى من ذكريات وأحداث.. رأيت كيف أنى متحركة وحدى فى بهو هذا المكان الذى هو بالأصل من شأنه أن يكون حرمى الآمن إلا أن المستشفيات مؤخراً لم تعد كذلك.. تذكرت حادثة تحرش أحد المرضى ومرافقية بطبيبات مناوبات.. وحوادث إعتداء النظاميين على الأطباء.. وغيرها مما يثير فى نفس الطبيب منا القلق وهو فى مكان عمله.. ربما أخذتنى وزميلتى الرأفة لما بدى على المرافق من قلق فذهبت معه دون إنتظار..فنحن عادة نميل إلى إعطاء المريض فائدة الشك أى نميل إلى تصديق مايروي لنا.. فإن كان العكس ماتضررنا وإن كان صدقاً ما أهملناه.. ولكن لما بدى لى خداع المرافق وإن كان بدافع القلق على مريضه.. وجدت أن باب الضرر قد يختلف فلا بد لنا أن نكون أكثر دقة فى التعامل المهنى.. فنميل إلى جانب المريض ونضع سلامتنا الشخصية نصب أعيننا.. عليه قد لا أجد فى نفسي المبادرة لكسر قاعدة الإستدعاء مرة أخرى..

أنا إذ أقص هذه الحادثة إنما أود أن أضع بين أيدى القراء شئ مما نقابله فى حياتنا العمليه اليومية وهو جزء ممانعانيه كأطباء من ضغط نفسى ليس بعيداً عما تفرضه ظروف عمل التدريب من إرهاق بدنى ومادى.. كل ذلك وما نجده من مجافاة من المجتمع تظهر على شكل نقد متكرر لابدافع التحسين ولكن بدافع التصغير.. يوسع الهوة التى إتضحت مؤخراً فى قطاع الصحة الخدمي.. لذلك مسبابتة إلا أننى لست فى صدد الحديث عنها هنا.. مايلينى هنا أن أعكس الإحساس الذى أورثتنا إياه نظرة المجتمع المتحامله تجاه الأطباء.. ذلك الأحساس الذى أعكسه بعين الطبيب دون البحث عن مبررات لما يقوم به الأفراد الذين يعتدون علينا أثناء العمل كانوا مرضى أو مرافقين.. نظاميين أو غير نظاميين.. فإن أنا تحدثت بموضوعية لابد للأمر من بحث ودراسة فظاهرة الإعتداء على الأطباء لاتقع سلباً على الطبيب وحده وإنما هى تؤثر مستقبلاً على علاقة الطبيب بمجتمعه كمقدم ومستقبل للخدمه على التوالى.. وعلى أنني فقط أتحدث من منطلق المشاهدة لا البحث.. أجد أن الأمر ظاهرة تستحق الوقوف عندها.. ومادامت الجهات المسؤولة تقف موقف اللامسؤول من الأزمة القائمة فعلى كلٍ البحث عن الحل المناسب.. يرى بعضنا الهجرة هى الحل.. ومن تلك الزاوية نرى الكثير ممن يسعون على مضضٍ لإكمال خبرتهم حتى يتسنى لهم المغادرة.. ونرى من آثر البقاء ولكن تقيد بحدود عمله بشكل حازم بعيداً عما كان فى السابق لازم الإنسانية.. ومن هنا نري حوادث كنقص الأسرة والأكسجين.. إعطاء أدوية وقياس المعدلات الحيويه لغير مرضاك وغيرها من زوائد العمل تقع خارج دائرة عملك وإن هممت بها.. والتقيد بالمهنية قد يجعل أحدنا يبدو لئيماً ولكن لما نلاقيه فى العمل لا ضير فى اللائمة.. وهناك من هو منا وإختار دائرة اللامبالة.. يعد ساعات عمله لها أن تنقضى أمامه لافرق عنده كيف يسير عمله ولا كيف يتقبل ذلك مرضاه.. ومن فعل هؤلاء تضرر الكثير من الأطباء..

قضية الطبيبة إسلام التى تم ضربها من قبل أحد النظاميين أثناء أداء عملها بمستشفى البان جديد.. لن تكون الأخيرة مالم تتحرك الجهات الرسمية بوضع القوانيين اللازمه لحفظ أمن العاملين فى القطاع الصحى لاسيما الأطباء والممرضيين ممن هم على إحتكاك مباشر مع المرضي.. الطبيبة إسلام وجدت فى نفسها القدة على الوقف من أجل حقها وحق الكثير من المظلومين من الأطباء.. فهل نجد فى أنفسنا حرج من دعمها.. هلا سأل المجتمع الذى نحن فى نهاية المطاف بناته وأبناءه لماذا إنكسرنا هكذا ونحن فيكم؟؟

حق علينا كطبيبات وأطباء أن نقف لأنفسنا بجدية وأن نطرح قضايانا بثقة لعلنا من أجل غاية هذه المهنة نسترد حقوقنا. وأذكر نفسي وكل من قرأ هذا المقال من زميلاتى وزملائي.. إنّا وإن إستشعرنا الضيق علينا بواجبنا المهنى.. أن نؤدى ماعلينا سائرين مطالبين بما لنا.. فيعلو صوتنا كلما كنا فى موقف القوة بأداء واجبنا.

Violence_against_Doctors

{ العنف ضد الأطباء }

د. إسلام أحمد منير :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

تمــــهيد :

في المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م جاء ما يلي :

“لكل فرد الحق في الحياة والحرية و(سلامة شخصه)”!!

أما نص المادة الخامسة فقد كان :

“لا يُعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو (المعاملات القاسية) أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة”

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان هو النواة التي تبنتها الأمم المتحدة وثيقةً رئيسية ونواةً للقانون الدولي…وتم التوقيع عليه من معظم الدول الأعضاء وإثره تكونت لجان لحقوق الإنسان في كل من أوروبا، أميركا، جامعة الدول العربية، ودول الوحدة الأفريقية .

وباقتضاب فإن حقوق الإنسان تعرف بأنها : ” مجموعة الحقوق والمطالب الواجبة الوفاء لكل البشر على قدم المساواة دونما تمييزٍ بينهم “

حقوق الإنسان المذكورة تبلورت من عدد من المصادر منها الدينية والاجتماعية وقد مرت بعدد من المراحل حتى تمت صياغتها بالشكل المتعارف عليه اليوم. وقد شكلت وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حجر أساس في معظم الدساتير الدولية…ونجد أن معظم هذه الدساتير قد أُفردت الفصول أو الأبواب الأولى لإثبات هذه الحقوق…وما يجب التنويه له هو أن الدستور عبارة عن اللبنة التي يتم استقاء وسن القوانين بكل ما تحتويه من توجيهات وعقوبات بناء على توجيهاته…ومتى ما تضادت القوانين مع الدستور فللدستور الكلمة الأعلى وبموجبه يتم إلغاء أي قانون لا يتماشى وبنود الدستور المخطوطة مسبقاً.

حقوق الإنسان المذكورة تُقدم لجميع البشر دون أي تمييز على أي أساسٍ سوى كان عرقيا، جنسيا، دينيا أو غيره وهذا ما تم إثباته في المادة الأولى والثانية من الإعلان:

المادة 1. يُلد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق. وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.

المادة 2. لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان. دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلاً عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلاً أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.”

وعلى ضوء الحقوق الإنسانية سنناقش فيما يلي قضية العنف ضد شريحة الأطباء والكوادر الطبية وكفل الحماية لهم.

مـــتن:

يُلاحظ بجلاء للمتابع في الفترة الأخيرة تصاعد موجات العنف ضد الأطباء والكوادر الطبية في السودان بل وبصورةٍ لافتة للنظر…ووفقاً للنقابة العامة للمهن الطبية والصحية في السودان فإن عدد الحالات المبلغ عنها في هذا العام 2016م قد تضاعف مقارنةً بما كان عليه الحال في 2010م مع إحصاء 16 حالة منذ بداية هذا العام لم ينته الحكم في عددٍ منها ولم يتم الفصل قضائياً.

ومما يثير التخوف والانتباه وجود عدد مقدر من الحالات كان التعدي فيها من قبل منسوبي الشرطة أو القوات النظامية. وهؤلاء يمتلكون حصانات قانونية تجعل التعامل معهم أكثر تعقيداً في سير الإجراءات.

وبعيداً عن ملابسات القضية وتفاصيلها التي سنعرج عليها لاحقاً فإن علاقة الطبيب بالدستور هي علاقته كمواطن أولاً ويعتبر حقه في الحصول على الأمن حقاً أصيلاً له لا يُنكره عليه إلا مكابر…ومن واجبات الدولة المدنية الاهتمام بهذا الحق نظراً لأنه من صميم واجباتها…فتوفير الحماية والعيشة الكريمة للطبيب به اهتمام بالفرد المواطن في الدولة عموماً وتقريرٌ وإحقاقٌ لكرامته واهتمام  بصحته. (الصحة) التي تعتبر حقاُ أصيلاً من حقوق الإنسان التي ينادي بها جميع سكان الكوكب.

وتقنياً يعتبر العمل في مجال تقديم الخدمة الطبية العلاجية عملاً مشبع بالخطورة والخصوصية لأنه يعتمد أولاً وأخيراً على التعامل المباشر مع الجمهور…وإستقبال حالات بالغة الحرج بكل ما يُحيط بها من تقلبات إنسانية ومشاعر وضغط نفسي….وحين يُضاف لهذه العوامل تدني البنية التحتية وعدم توافر معينات العمل للطبيب في المؤسسة العلاجية وعدم توفر الحماية وعوامل السلامة الكافيين يكون الطبيب عرضةً للعنف في مكان العمل نظراً لأنه الفرد الوحيد الظاهر للعيان من أعضاء المنظومة الصحية فيصبح عرضةً للهجوم والاتهام والتعدي ومتنفساً لغضب المواطن…ملاماً على تقصيرٍ لم يكن أبداً من جانبه. وبصورةٍ أكثر علمية فقد تم تحديد عوامل الخطورة والتي تجعل الاطباء والكوادر الطبية عرضةً للتعرض للاعتداء أو العنف في أماكن العمل. وفي كل برامج الحد من العنف في أماكن العمل لمقدمي الخدمة الصحية حول العالم يقوم الخبراء أولاً بتحليل هذه المعطيات لمعالجة أي إشكالية تهدد سلامة العاملين بالمؤسسة الصحية.

عوامل الخطورة في العمل الطبي :

بالرغم من اختلاف الأسباب المؤدية لحالات العنف  ضد الكادر الطبي عند دراستها فردياً وذلك لاختلاف الظروف الدقيقة والني قد تحيط بكل حادثة إلا أن في المجمل هناك من العوامل الكثير والتي يتم الاشتراك فيها في معظم حالات العنف ضد الأطباء والكادر الصحي. وفي هذا الصدد قد تم تنفيذ الكثير من الدراسات العلمية العالمية لتبيان عوامل الخطر المرتبطة بالعنف ضد الأطباء والكادر الصحي عموماً

وبصورةٍ عامة فإن هذه العوامل تقسم أولاً إلى عوامل مرتبطة بالمؤسسة الصحية وهي كالآتي :

1      انعدام السياسات المؤسسية وتدريب الكادر على التعرف على السلوك العنيف والمؤذي من قبل المرضى، العملاء، الزوار أو بقية الموظفين .

2      العمل في ظروف نقص العاملين (understaffed conditions) خصوصاً في ساعات الزيارة  أو الوجبات .

3      معدل التنقل العالي للعاملين وعدم ثباتهم بالمؤسسة .

4      عدم توافر الحماية وأفراد الأمن الكافيين بالمؤسسة وكذلك عدم توفير خبير صحة نفسية بالموقع .

5      ساعات الانتظار الطويلة للمرضى والعملاء والازدحام مع عدم توفير أماكن انتظار ملائمة ومريحة.

6      عدم تقليص وتقييد حركة العامة والجمهور في داخل العيادات والمستشفيات

7      التفكير السائد بأن العاملين بالمؤسسات الصحية لهم قدرة أعلى على تحمل العنف ولن يقوموا بتصعيد حوادث العنف والتبليغ عنها للشرطة أو الصحافة.

 

ثانياً: عوامل مرتبطة بالمرضى والعملاء والوضع المحيط بتقديم الخدمة:

1      التعامل مباشرةً مع أفراد لهم تاريخ عنف مسجل أو استخدام للمخدرات أو الخمور أو أفراد عصابات أو أقرباء للمرضى أو العملاء.

2      النقل المباشر أو ترحيل المرضى أو عملاء المؤسسة الصحية

3      العمل (وحيداً) في المنشأة الصحية أو في منازل المرضى

4      التصميم الهندسي الضعيف لبيئة العمل والذي قد يحجب نظر الموظفين  أو تعيق هروبهم في حالة حدوث أي عنف ضدهم.

5      ضعف الإضاءة في الممرات، الغرف ، أماكن وقوف العربات وغيرها من المناطق بالمنشأة الصحية.

6      انعدام وسائل التواصل في الحالات الطارئة.

7      انتشار الأسلحة النارية، السكاكين ، وغيرها من الأسلحة وسط المرضى وعائلاتهم أو أصدقائهم

8      العمل في الأحياء السكنية التي يرتفع بها معدل الجريمة.

ومن الواضح جداً أن هذه العوامل في مجملها هي لأشياء خارجة عن يد الطبيب أو الكادر الصحي…ويقع عبئها على الإدارة الطبية المسؤولة أو الجهة المُخدِمة….ولكن المُلام عليها دائماً و أولاً يكون هو الطبيب لأنه الفرد الوحيد الظاهر من المؤسسة العلاجية.

 

العالم من حولنا :

المملكة المتحدة… تعرِف العنف المرتبط بالعمل كالآتي :

“أي حادثة يتم فيها تعرض شخص للاستغلال أو التهديد أو الاعتداء نسبة لظروف لها علاقة بعمله”

اهتمت المملكة بوضع القوانين المحددة ليس فقط لعقوبات التعدي على العاملين بأماكن العمل فيما يعرف بالعنف المرتبط بالعمل بل وقد سنت التدابير والإجراءات اللازمة للوقاية من هكذا حوادث مؤسفة. وهناك تحديداً خمس فقرات من قانون سلامة العاملين وصحتهم اهتمت اهتماما وثيقاً بالعنف المرتبط بأماكن العمل:

1      The Health and Safety at Work etc Act 1974 (HSW Act)

2      The Management of Health and Safety at Work Regulations 1999

3      The Reporting of Injuries, Diseases and Dangerous Occurrences Regulations 1995 (RIDDOR)

4      Safety Representatives and Safety Committees Regulations 1977 (a) and

5      The Health and Safety (Consultation with Employees) Regulations 1996 (b)

الولايات المتحدة الأمريكية:

بناء على قانون الصحة والسلامة المهنية لعام 1970 تم إصدار عدد من التشريعات في هذا الصدد….وقد تم إيلاء الفئات العاملة في القطاع الصحي تحديداً اهتماما خاصاً.

العراق :

أصدر في العراق قانون حماية الأطباء 26 عام 2013م…ومن نصوص أهم المواد فيه والمُرتبة هنا حسب علاقتها بالتعدي على الأطباء ما يلي:

المادة 6: يعاقب كل من يعتدي على طبيب في أثناء ممارسة مهنته أو بسبب تأديتها بالعقوبة المقررة لمن يعتدي على موظف أثناء تأدية وظيفته أو بسبها.

المادة 8: تتولى وزارة الداخلية بالتنسيق مع وزارة الصحة فتح مراكز للشرطة مخصصة لحماية العاملين في المؤسسات الصحية التي تتطلب حماية خاصة باعتبار (موقعها) أو (أعداد المراجعين) أو (ظروف المنطقة) الموجودة فيها.

المادة 9: على و(زارة الصحة) متابعة الشكوى القضائية ضد المعتدي على الطبيب أثناء أداء واجبه الرسمي في المؤسسات الحكومية.

بينما يقع هذا العبء على (النقابة) في حالة المؤسسات غير الحكومية، كما جاء في نص المادة 10.

المادة 3: لا يجوز إلقاء القبض أو توقيف الطبيب المقدمة ضده شكوى لأسباب مهنية طبية إلا بعد إجراء تحقيق مهني طبي من قبل لجنة (وزارية متخصصة).

المادة 5: يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن (10000000) عشرة ملايين دينار كل من يدعي بمطالبة عشائرية أو غير قانونية ضد طبيب عن نتائج أعماله الطبية.

 

أستراليا :

تصل عقوبة الاعتداء على الأطباء، الممرضين ، أو بقية الكوادر الطبية في أمكنة عملهم إلى السجن لمدة 14 عام وكما قد جاء على لسان وزير صحة كوينسلاند السيد لورنس سبينغبورغ :

“إن كنت تعتقد بأنه لا مشكلة في الاعتداء على العاملين بقطاع الصحة لدينا فسنعطيك ما قد يصل لــ(14) عاماً لتعيد التفكير”!!

“إن الأمر ببساطة غير مقبول ولهذا قد تمت مضاعفة العقوبة”

 

الهند :

حسب قانون ماهراشترا لأفراد الخدمة الطبية ومرافق الخدمة الصحية 2009م فإن جريمة الاعتداء على الأطباء وأفراد الطاقم الطبي عموماً والمنشآت الصحية هي جريمة غير قابلة لإطلاق السراح وتصل العقوبة فيها لـ 50000 روبية هندية كغرامة والسجن حتى ثلاث سنوات. كذلك على المعتدي دفع (ضِعف) قيمة الضرر أو الإتلاف الحاصل للمنشأة الطبية في حالة الاعتداء كتعويض.

 

توصيات :

بهذا وبعد ما قد تمت سياقته من إفادات فإن من العقل التنبه لما تمر به البلاد من تغيير وبوادر تؤثر في كل من المدى القريب والبعيد على أداء الخدمات الطبية وتواجد الكادر الوطني ويجب على المختصين إجراء المزيد من البحوث لدراسة هذه الظاهرة المجتمعية ومن قبلها سن القوانين التي تكفل حماية الأطباء وجميع الكوادر الطبية بأماكن عملهم .

وما هذه الكتابة إلا بدء الطرح لتكاتف كل الجهود من قبيلة القضاء والصحة والأجهزة الأمنية وكذلك علماء الاجتماع لتوفير الحماية اللازمة للطبيب وكافة الكادر الطبي وكذلك الدراسات والحلول في هذا الشأن والتي تعود بالخير أولاً وأخيراً على صحة المواطن .

 

هـــــوامش:

للمزيد من المعلومات والمصادر…

** الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م

**دستور دولة السودان

** OSHA: Occupational Safety and Health Administration

** CMPA : Canadian Medical Protective Association

** Violence and aggression to staff in health services: Guidance on assessment and management (Second edition) Guidance HSE Books 1997 ISBN 0 7176 1466 2

 1464681374_71055-600x400

{ خوفنا وخوفهم (اتقسمت دروب دكتورو) }

هيثم الطيب الفقي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

(إقتصادنا اتقسمت دروب دكتورو)،والمواطن العليل تتقسم دروب دكتورو بحثاً عن العلاج النهائي حتى وإن كان صعباً مالياً،اقتصادنا في حاجة لإنقاذ حقيقي وسريع،وصحة المواطن تحتاج لإنقاذ أكثر من سريع،لكن الاستجابة لكليهما لن تكون سريعة مطلقاً،هذا هو واقع الحال،ثم يمضي اقتصادنا قريباً من نهاية الحياة بعيداً من إكسير الحياة،ويمضي المواطن في انتظار أن يجد العلاج من غير (بنسلين ودكاترة(..

والدكاترة ولادة الهنا كما كنا نغني لهم،اليوم هم الأقرب لقهرنا وعسفنا،دولة ومجتمع بالكامل،الأجمل فيهم أنهم يعلمون في محيط في خط صفر في كل شيء،خوف من الدواء البعيد،خوف من الأكسجين الذي يمكن أن يكمل بلا نهاية علاج لمريض،خوف من موت مجاني أمامهم لشعبهم،ثم يعملون ويعملون..

الخوف فيهم جزء من تفاصيل عملهم في دولة المواطن والعلاج فيها (ليسا من الأهمية بمكان)اجتهادهم في صالحنا رغم المحاصرة،الفوضى الصعبة منا مقدرة عندهم،صراخنا،فعلنا العصب نحوهم،ينظرون لكل ذلك على طريقة (شعبنا عليه كل السلام)،سلامهم أنغام للطفلة المريضة،يقتسمون معها نسمة العافية والمرتب الظافر معاني والمنهزم اتجاهات،لو كنت معهم في ليلة لعرفت كيف يقسمون الليل شكوى من الواقع والبحث عن حل في حدود استطاعتهم،هم هكذا ،قل لنفسك ،هؤلاء الظافرين فينا لأنهم يعلمون في قوة متجاسرة يومياً،نزف الناس وخوفهم كله يتدفق عليهم لكنهم أجمل بشجاعة وصبر جميل يشبهم ونبيل يشبه شعبهم الذي أعطاهم بطاقة محبته غناءً ونشيداً (الدكاترة ولادة الهنا)..

ليكون فعل الغناء هذا أكثر جمالاً،نقول لأنفسنا،كل هذه التضحيات تستحق وساماً يتوسم بهم،ابتسامتنا لهم وسام،فعلنا الأوثق بالروعة نحوهم مطلق الجمال،قولنا أن الرهق فيهم من أجلنا،هيا لنقول للرهق لا تمكث طويلاً فيهم وحولهم،أرحل بخطواتك،فهناك قادم بخطواته الفاعلة لصالحهم (أملاً أخضراً)..

واقعنا المشترك صعب ،حلمنا أخضر بهم وبنا،لنقل لواقعنا (هيا للمبارزة)،ولنقرأ واقعنا هكذا :-

إغلاق مستشفى جعفر بن عوف للأطفال،نص جديد على مسرح الولاية (العابثة)،ووزارة صحتها (اللاهية)،لن يستطيعا أن يُعيداً قلب الطفل (الشالوهو)،مجروح ومثقوب ومهزوم،عزيزي البروفيسور مأمون حميدة بمرافعة (البيزنس الذكي)تهزمنا،لكن بمرافعة مستقبل أطفالنا وصحتهم الأسمى عندنا وليس عندكم نهزمك بهدف (أخلاقي) في (التمانيات)..

هذه غلالة حزن عندهم مثلما هي عندنا،هم منا آل بيتنا في بلدنا المنهزم وجع البلد المقيم،ثم غلالة ثانية:-

لهوٌ في (الجنة)،(الجنة) عندهم رَوحها اتفاقهم،وروحها عطر الوطن عندما يضعهم في تعريشة عيونه،هذا اللهو الأجمل يستمر والحلم بالمستقبل يكون جميلاً لو أن في الواقع هنالك صحة لأطفالنا قاب قوسين أو أدنى من الكمال،لكن إنْ كانت الدنيا عند الدولة ليس بها (ط طفل،ع عناية)،فلن تحتفل كواكب (البلي)بهؤلاء (الأقمار) ثانية..

هي هكذا،حياتنا مطلق المحاصرة،هم منها وإليها والأكثر حزناً فيها،لنقل لهم بعض الحزن يكفي،نصفه أو ننقص منه ليكون فينا،كلماتنا يمكن أن تكون لهم ليست ككل الكلمات،قوة لهم ولواقعهم الصعب،هم أبناء البلد في حزنها النبيل وأحبابها في فرحها القليل..

أولادنا وبناتنا ،هنالك في محاولات صناعة الحياة والصحة من لا شيء،لنكن نحن بعض الشيء المفقود،أدنى ما فينا أن نهمس لأنفسنا (واقعهم صعب)،وأسمى ما فينا (سلام لهم في دنياهم المنهزمة والمقهورة)،لنصنع لهم كثيراً من دنياواتنا الفاتنة فرحاً وريحاناً،نشاركهم في هزيمة واقع ليس لهم يد فيه،قوتنا في كوننا نعرف أن نضالهم من أجلنا..

 Blue-Stethoscope.jpg

{ ضرب الطبيب أحلى من الزبيب }

د. حياة الحاج عبد الرحمن :

 

قال البطل القومي الفلبيني ومناهض الاستعمار الاسباني خوسيه ريزال (لا يمكن للبعض أن يتسلط إلا عن طريق جبن الآخرين )

وقال الثائر مارتن لوثر كنج ما معناه (لو لم تنحني لما صعد الآخرون على ظهرك )

ومناسبة هذه الافتتاحية شيوع حوادث الاعتداء على الأطباء التي تصاعدت في الآونة الأخيرة حتى أوشكت أن تكون ظاهرة . قام ببعضها مرافقون لمرضى وغالبيتها أبطالها نظاميون وكلها بالمستشفيات الحكومية . تدرجت من الشتم والتحرش اللفظي والتهديد إلى الصفع والضرب والخنق إلى أن تطورت في الأسبوع المنصرم إلى إطلاق الرصاص !!

المحزن جداً أن يتمدد السكوت على هذه الأفعال الشائنة والشائهة من جانب وزارة الصحة المخدمة ومن بعض إدارات المشافي والتي للأسف يتربع على رأسها زملاء أطباء في تخاذل مريب . لم يتضامن مع بعض الأطباء المصابين إلا زملاؤهم بالعمل (وردية ) وكانوا يتوقفون عن العمل احتجاجاً ولكن بمهنية عالية تحسب لهم وتصفع المعتدي والوزارة والإدارة . حيث أنهم استثنوا الحالات الطارئ أما الأقاليم فقد طفح الكيل لديها فأعادت ثقافة التضامن الأوسع وتبعتها في ذلك بعض مشافي العاصمة في خطوة تفضح هذا الخلل المريع وتحفظ لهم سلامتهم وكرمتهم .

 لقد حملت الوسائط بياناً مذيلاً باسم الناطق الرسمي للصحة (لم تنفي صحته ) بيان معيب يعكس مدى تدني مكانة الطبيب لديهم بل وأخلاق المهنة والقيم السودانية التليدة . الرصاص أطلق في حضرة طبيب هرع لنجدة مريض (ربنا يرحم الفقيد) لكن أهله جازوه جزاء سنمار وعلى طريقة الكاوبويات ومع ذلك خلا بيان الوزارة من إنصاف مستحق للدكتور أو أي غيرة على منسوبيها ومن أي قرار حاسم يكفل حمايتهم . الناطق الرسمي تقمص شخصية الحكواتي (ليونس) الناس بأن الاعتداء تطور من الاشتباك بالأيدي إلي أطلاق الرصاص ! يا سلام !

لنعيد هذا الناطق الرسمي ووزارته والمجلس التشريعي إلى حادثة اعتداء طبيب على الوزير الولائي الحالي ونذكره بذلك الجدل الذي سودت به الصحف والمطالبة بمقاضاة طبيب خدش الوزير بعلاقة مفتاح لمصلحة شخصيه . لماذا يتجاهلون إطلاق رصاص بحضرة طبيب استجاب لضميره الإنساني والمهني وعمل جهده لإنقاذ مريض وتمتد الإصابة لكوادر أخرى ؟

هذه الوزارة (السجمانه) أن لم يكن يحركها هذا فماذا يحركها إذاً وهل مثل هذه الحادثة تبشر بعبارة (تم احتواؤها ) ولماذا تحدث هذه الاعتداءات في المشافي الحكومية فقط علماً بأن بعض المشافي الخاصة حجزت جثامين مرضى أو رفضت استقبال مرضى ما لم يؤمن أهلهم التكاليف النقدية ؟ مالكم كيف تحكمون ؟ ولا زلنا نذكر حادثة خنق طبيبة بطرحتها وهي مسرعة لغرفة العمليات ولا ننسى ما حدث من ضرب لطبيب استدعوه لتشريح جثة نظامي غرق فضربه زملاؤه بالمشرحة بحجة أنه تأخر (بالأقاليم) ونعيد للأذهان صفع طبيبة عند إصرارها على دخول المستشفى التي تعمل بها وكان التبرير أنها لم تكن تلبس بالطو ؟ رغم تعريفها لنفسها ورغم أنهم لم يطلبوا منها إبراز بطاقتها ورغم أن البالطو يلبسه الجزارون والحلاقون ومنسوبي المطاعم .

حقاً أن الطبيب لا بواكي له وأن الإمعان في الاعتداءات والإذلال والإهانات مع عدم المحاسبة وعدم تأمين السلامة والحماية لهم أغرى وسيغري آخرين للتمادي في هذا المسلك البغيض ونتوقع أنه كلما يموت مريض يقوم مرافقوه بقتل الطبيب المعالج (مافيش حد أحسن من حد) لذا أهيب بالأطباء أن يجاهروا برفضهم لهذا الواقع المهين وأن يتضامنوا مع زملائهم ويصعدوا هذا الأمر إلى أعلى المستويات حتى تقوم الدولة بواجبها تجاههم .

ولا يأمنن الدهر منكم احد ولن يؤكل الثور الأبيض وحده . كلكم أيها الحكماء سيصيبكم (رايش) ذلك الرصاص الذي أطلق ولات ساعة مندم .

خاتمة دائمة : يا أطباء السودان اتحدوا فلن تخسروا سوى إذلالكم .

 

7477854815551c50688f11866754468.jpg

{ نظرة نفسية : الاعتداء على الأطباء }

د. ثامر البشير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

قبل أيام انتشرت صورة على وسائط التواصل الاجتماعي للوحة تبدو اعلانية ، كتب عليها ” دكتور فلان الفلاني استشاري تلقين الشهادة والجلوس بجانب المريض الى أن يتوفاه الله ” .  كانت الصورة تهكما وسخرية لأحد “البوستات” التي كتبها أحد الأطباء ، والذي يظهر من لهجة كتابته أنه مصري الجنسية ومع ذلك التقطنا الصورة وانتشرت عندنا حتى وصلت للدرجة التي لا يدري الكثيرون ربما القصة كاملة عنها .

بدأت القصة حينما كتب الطبيب فيما معناه أنه طُلِب منه وهو في عيادته معاينة حالة مريضة في بيتها في حالة حرجة من قبل ذويها ، وبحسب ما يصف هو عندما وصل اليها وجدها في حالة احتضار ، فجلس بالقرب منها وبدأ يلقنها الشهادة وسط دهشة من حولهم من أهلها ، وقد ذكر انها استطاعت بعد جهد ان تنطق بالشهادة وظل بالقرب منها مدة ساعة الا ربعا حتى فارقت الحياة ، لم يفصل الطبيب في حالة المريضة الطبية أو التشخيص فقد كان لب رسالته هو الرجاء في تقدير الله له وللناس ان يُسخِر له من يلقنهُ الشهادة كما سخره لهذه الفتاة في هذا الليل حينما غفل اهلها عن فعل ذلك ، وقد تساءل عن الفعل الذي بين الفتاة وبين الله تعالى الذي جعله يرسل اليها من يساعدها .

بدون أي تعقيب على رسالة الطبيب والمآخذ عليها والتي بطبيعة الحال أقر بوجودها ، انطلقت ذاكرتي في الرجوع الى صور شاهدتها خلال حياتي العملية القصيرة ، مدفوعة بردود الافعال على رسالة الطبيب أعلاه ، وبغض الطرف عن اي تعقيبات فنية في قصته تسوقني الذاكرة الى مظاهر وطبائع مجتمعنا السوداني ، كنت ومازلت لصيقا بحكم عملي كطبيب وخبرتي في قسم العناية المكثفة تحديدا بهكذا مشاهد تفصل بين الحياة والموت ، وكنت ألحظ العديد من ردود الأفعال والسلوكيات تجاه قضية الموت عندنا واللحظات الأولى تحديدا .

 دعوني أحدثكم أننا كأطباء غالبا ما نستطيع أن نتكهن الى أي طريق يتجه المريض سواء مبكرا منذ التشخيص أو في لحظاته الأخيرة ، تدعمنا المعلومات الاحصائية عن المرض المشخص ومعرفتنا بمآلاته ونهاياته ، كما يساعدنا كذلك خبراتنا وتكرر المشاهد أمامنا كل حسب عدد سنينه في الخدمة ، هنالك العديد من الحالات الطبية المعروفة بسوء المآل بمعنى نفاذ أو قلة الأمل في النجاة منها ، في هذه الحالات يحدثنا الطب وعلومه بأن لا شيء يمكن فعله ويجب أن يعلم ذووا المريض ذلك جيدا ، في الغرب الذي في مخيالنا أنه بعيد عن ثقافة الموت والآخرة تستخدم هذه المصطلحات بوضوح تام ويتم التعبير عن حالة المريض بشفافية لا يشوبها المجاملة ولا تخدير المشاعر ، وبالمقابل يتقبلها المجتمع وأهل المريض بروح ” القضاء والقدر ” حتى وهم لا يعلمون عن هذا المصطلح شيئا ، مع أن هذا لا يعني بالضرورة التوقف عن علاج المريض بالمستطاع ، بالرغم من انهم الان خطوا خطوات بعيدة في امكانية ايقاف العناية الطبية لمثل هذه الحالات وهي في لحظاتها الاخيرة.

بالمقابل دعوني أشارككم ملاحظاتي في هذا الجانب عندنا ، فالطبيب هنا أحيانا وربما غالبا يجد صعوبة في مصارحة ذوي المرضى بمثل هذه الاخبار السيئة لحالة مريضهم ، وهذه لها أسبابها المعقدة والمتشابكة ليس أولها انخفاض الثقة عموما في الطب والخدمات الصحية عندنا وحالة المجتمع العامة من خيبات الأمل والتجارب والوعود الغير محققة ، هذه العوامل تعمل بشكل خفي وتؤثر في دقائق الأمور وتفاصيل الحياة اليومية ، وليس آخرها السمات النفسية للمجتمع السوداني ، فنحن شعب يغلب علينا التواصل الاجتماعي اللصيق جدا ، هذا القرب يولد العديد من العواطف والتي بدورها تغذي السمة العامة من الترابط بين الأفراد ، حتى وان شذ فرد بعواطفه فإن سلطة المجتمع تدعوه لأن يحاكي سلوك الترابط ليثبت روح الحب بداخله وان خلا من داخله أو قلّ ، هذا التمثيل يستدعي شيئا غير عفوي فتظهر بعض السلوكيات في غير موضعها المناسب ، وبما أن من سماتنا الشخصية الشائعة كثيرا الغضب والحدة فإن هذه تحديدا هي ما يستخدم في التعبير عن مشاعر الحب الناقصة أحيانا تجاه ذوينا ، هل أنا أدعي بهذا الحديث أن اظهار الحب بالعنف هو في الحقيقة نقص في الحب لا زيادة فيه ؟ نعم تماما ، لا أقول دائما بل بعض الأحيان ، يمثل الغضب وربما العنف لغة لإيصال مفهوم وثقافة عندنا تعمل دون وعي منَّا مفادها “أنا اغضب من أجلك اذن انا احبك” ، ” كم أنا أحبك للدرجة التي قمت فيها بتكسير الأشياء التي أمامي وضرب حتى من تسببوا في أذيتك ” ، هذا هو لسان الحال الخفي ، ياله من حب ! ، ونجد أن هذه السلوكيات تجد القبول الضمني وتوصل الرسالة بنجاح لصاحبها المعني ، لهذا يفعلها افراد المجموعة بثقة طالما ظفرتبإثبات انتمائه لمجموعته وطالما هم تلقوا الرسالة بنجاح . لا أنكر هنا أنا قصور الجانب الطبي أحيانا ولا ادافع عنه ، ولا أدعي عدم وجود الأخطاء الطبية بالكلية أو الاهمال كذلك والتي لها أسبابها أيضا ، إنما أصف وأتحدث عن الظاهر لردود الأفعال تجاه هذه الأمور التي تحدث أو حتى عندما يتوهم أنها حدثت .

هذه الأفعال والسلوكيات تقودني الى عنوان هذا المقال ، العنوان الغير دقيق والمحجم تحجيما مخلا ، والذي كتبته هكذا لشيوعه بهذا المصطلح ” الاعتداء على الأطباء ” وأثرت أن أوضح الخلل فيه عند هذه النقطة ، كلمة اعتداء ابتداءا تشمل الاعتداء المعنوي والمادي ، ويتنوع الاعتداء المعنوي من اللفظي والاستغلال والابتزاز والاكراه على فعل شيء ما ، وفي حالة كان المعالج انثى قد يمتد الاعتداء الى التحرش حتى ، الأمر الثاني يجب الاشارة الى ان الاعتداء ليس شيئا محتكرا ضد الأطباء وحدهم بل كل الفريق الطبي العامل من تقنيي التمريض والممرضات والملازمين الصحيين وتقنيي المعامل ونحوهم ، وكل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالتعامل مع المريض أو ذويه ، تقرب أو تبعد تلك المسافة من التعامل ، بهذا يصبح المصطلح الأقرب عندي للصواب ” الاعتداء على طاقم الفريق الطبي ” ، فنحن اذ ندين فعلا منبوذا يجب علينا ادانته على الجميع وليس فئة معينة دون غيرها ، “الاعتداء” يجب أن يكون فعلا مستقذرا ومستنكرا في حد ذاته ، لا يقيم بقيمة من انطلق منه أو من اتجه اليه ، حتى يمتد الرفض عندنا لكل اعتداء كان فيصبح ثقافة ادانة عامة ليست مشروطة أو مقيدة .

تجدر الاشارة الى ان الاعتداء على طاقم الفريق الطبي ليست ظاهرة محلية عندنا وحدنا ، هي موجودة حتى في الدول المتقدمة في أوروبا وامريكا ، وفي كل مكان مايفسرها بواقع الحال المحلي وما ذكرته انفا هو ملاحظة شخصية للحال عندنا ، على أن هذا الموضوع لايكفي فيه الملاحظات الشخصية ، فكما تقوم تلك الدول بدراسة أسباب الاعتداء والتوجه للحلول المبنية على اسس علمية راسخة فكذلك علينا التعامل مع مثل هذه الاخبار بموضوعية لا عاطفية ، فنضع بالتالي القوانين ونطبقها على الجميع حتى يتحقق العدل وينصف الكل ، على أنني أضيف أن القانون وحده هو جزء من الحل لا يكتمل الا بوعي مجتمعي حقيقي بأمور الصحة ، بالحقوق والواجبات ، وبنهضة في كل جوانب الحياة الاخرى السياسية ، الاجتماعية والاقتصادية .

 

egypttoday-الاعتداء.jpg

{ الإعتداء على الأطباء ومقابلة الجميل بالجحود }

د . سانديوس كودي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

أتذكر جيداً الإضراب الذي قام به الأطباء قبل عدة أعوام واعتصامهم بباحة مستشفى الخرطوم التعليمي ثم كان ما كان من ضرب واعتقالات وتعذيب، أحد أصدقائي الأطباء تعرض للاعتقال والتعذيب حينها لدرجة اضطر بعدها أن يلملم ما تبقى من كرامته المهنية والشخصية متغرباً بعد أن لفظه وطنه هو والكثيرين من أصدقائه ممن لم تحتمل السلطات علو أصوات مطالبهم البسيطة.

 أتذكر حينها أن صحفي من الذين تسلقوا أسوار الشهرة حين غفلة كتب عن أن ما يقوم به الأطباء ما هو إلا دلال زائد منهم، كانت تلك أوائل اللحظات آمنت فيها انه لمن السيئ جداً أن تكون طبيباً في السودان.

لا اعتقد أن ما تحدث به الصحفي حينها يعبر عن انحراف في الرأي بقدر ما يعبر عن صورة ذهنية مرسومة في أذهان العامة عن الأطباء المدللين ناعمي الأيادي مرتاحي البال الذين يعملون في أوضاع ممتازة وينالون أكثر بكثير من أصحاب المهن الأخرى، الصورة الزائفة تلك ربما تشكل الأرضية التي تنطلق منها حالات العداء أو عدم الاحترام التي يتعرض لها الأطباء في مواضع عملهم بالذات، خاصة وان الطبيب يجد احتراماً مقدراً على المستوى الاجتماعي ما أراه أنا نفاقاً أو حسدا رغم أن الأطباء لا يملكون ما يحسدون عليه، بالإضافة لذلك فان حالات الاعتداء تكون نتيجة لجوء البعض لتعميم بعض الحالات الفردية من أخطاء الأطباء واستخدامها ذريعة للاعتداء عليهم.

الصور الخاطئة هذه تلقي بمسئولية إضافية على عاتق الطبيب حيث انه يجب أن يعمل كالروبوت وان دعت الضرورة فانه يجب يتحور أو يتشكل إلى نسخ عدة تكفي كل مرضى “الشيفت”، كما انه يجب أن لا يشتكي ولا يتعب ولا ينعس ولا يمرض حتى، أليس هو الطبيب؟

كلما استمعت إلى شكاوي أصدقائي الأطباء عن حالهم في العمل سالت نفسي أي مصيبة كنت ستلقي فيها نفسك لو انك أصبحت طبيباً، أن تقضي أعواما دراسية صارمة ثم يتطلب منك كي تنال تخصصاً أن تعمل مجاناً في مستشفيات الحكومة بل أن تدفع بعد ذلك من حر مالك والذي ستضطر وحتى لا تثقل كاهل اهلك بعد سنين الدراسة الطويلة أن تعمل بعد دوامك المجاني المكتمل في مستشفيات وعيادات أخرى بنظام رزق اليوم باليوم ما يسميه الأطباء بال”بنقلة” ثم بعد كل ذلك تلقى على راسك نتائج السؤ الإداري في المستشفيات الحكومية ونقصان معينات العمل ( من الإبرة وحتى اسطوانة الأكسجين)، يتم تحميل الأطباء نتائج أي تقصير ولا يهم إن كان من الدولة أو الوزارة أو المدير الطبي ما يهم هو أن الطبيب يجب أن يؤدي واجبه على أكمل وجه حتى في حالة غياب كل المعينات وفي وضع لا يتطلب إلا أنبياء بمعجزات يستطيعون شفاء المرضى بكلمة أو لمسة منهم أو حتى إقامة الموتى.

ما هو جدير بالملاحظة هو أن احتجاجات الأطباء و اعتصاماتهم رغم قوتها وما تحدثه من صدى فأن اغلب المطالب فيها تصب في صالح المرضى لا الأطباء أنفسهم، في معظم الاحتجاجات كان توفير معينات العمل وإصلاح بيئة المستشفيات تتصدر قوائم المطالب مما يعني أن الطبيب لا زال بعيداً جداً عن ترف المطالبة بإصلاح وضعه المادي فهو لا زال في محطة إصلاح بيئة العمل، ورغما عن ذلك فان حالات الاعتداء على الأطباء في مواضع عملهم تتزايد باستمرار بل انه في حالة وصلت لدرجة إطلاق نار نجا منه الطبيب بأعجوبة.

يعمل الأطباء في أوضاع مزرية جداً بدوامات كاملة خالية فترات راحة حيث أن الطبيب يعمل من لحظة دخوله إلى المستشفى إلى لحظة خروجه، يبذلون كل ما يملكون من جهد ويسخرون ما يملكون من مهارات ومعارف من اجل سد نقص معينات العمل، ولا يتلقون عوائد تسد حاجاتهم الأولية.

أن قبول العمل في أوضاع مثل مستشفيات السودان العامة وبعوائد لا تسمن ولا تغني عن جوع لهو تضحية كبيرة وجميل يستحق أصحابها التكريم المناسب من الدولة والمواطنين وليس الاعتداء، وان اقل تكريم يجب أن تقوم به الدولة تجاه الأطباء هو إصلاح بيئة عملهم بتوفير معينات العمل وتدريب منسوبيها على احترام الإنسان في الطبيب أو غيره من المواطنين بحكم أن أغلب حالات الاعتداء التي تم تسجيلها كانت تتم من قبل أطراف لهم خلفيات عسكرية.                                  


Workplace-Violence-Prevention-Hospitals.jpg

{ عندما يبكي الطبيب..!! }

د. هاني الحاج :

نوعان من القراء الكرام سيتوقف لقراءة مقالي هذا.. شخص شده البكاء كعاطفة إنسانية ناضجة، و آخر شده الفضول لكلمة طبيب.. فكلاهما مرحب به، و أرجو من القارئ الكريم ألا يشعر بالرثاء تجاهي، فهو عاطفة لا أتمناها لأحد، بل أمقتها.. و أعفيكم أعزائي من التعاطف معي، فحزني مسألة فردية غير ملزمة..وبوحي به إنما هو على سبيل الفضفضة المريحة بطبيعة الحال..

  أنا طبيب.. اخترت مهنتي بكامل طوعي و اختياري و قواي العقلية و أهليتي.. أنفق أهلي لإكمال دراستي عزيز أيامهم.. مرت سنون الدراسة و تخرجت بحفل بهيج.. رقصت فيه على أنغام “أمي الله يسللمك” كاملة الدسم.. و من هنا كانت بداية مأساتي في بلدي الحبيب.. جآءت فترة التدريب المسماة بالامتياز.. عام كامل من اللهث المحموم بالمستشفيات تطبيبا” و تدريبا” – أو كما كنت أظن- في بيئة عمل تفتقر لمقومات الحياة، بمستشفيات لا تتوفر بها دورات مياه أحيانا” -عفوا” قارئي الكريم- بدوام شبه مفتوح.. بلا مقابل مادي.. أو تقدير معنوي..
  انقضى الامتياز و جاءت الخدمة الإلزامية.. عاما” آخر من الذل المهين.. بلا مقابل أيضا”.. أو مقابل خمسون جنيه -بالقديم- شهريا”.. !!
  انقضت الخدمة فعدت عاطلا” عن العمل، فبلدي قد آلت على نفسها ألا توفر لي وظيفة بمرتب ثابت.. عملت كأقراني بالمستشفيات الخاصة بدوام غير ثابت.. بأجر زهيد.. فيما صار متعارفا” عليه تندرا” وسط قبيلة الأطباء ب (البنقلة)،، من “بنقالي”.. أي عامل اليومية صاحب قوت يومه !!
  مرت الأيام.. و جاءت فترة التخصص الحالية، بعد المرور بسلسلة من الإجراءات الجبائية من مجلس التخصصات الطبية السوداني.. و اجتياز امتحانهم العقيم ذاك.. لتبدأ خمس سنوات حسوما من اللهث الابتزازي.. حيث ألزم أنا.. الطبيب السوداني.. ابن بلدي.. بدفع ما يعادل عشرة مليون جنيه سنويا” -بالقديم برضو- و لمدة خمس سنوات هي فترة التدريب المرسومة..
في بيئة عمل كسابقتها.. بدوام مفتوح.. بلا مرتب أو تعيين ثابت.. أو حتى تدريب.. !!
  عذرا قارئي إن أسهبت في التفاصيل التقنية التي قد لا تهمك، لكن اعذرني.. فالمقام مقام فضفضة مجانية.. بعد أن صرت كطبيب، بلا منبر..
  بكائيتي موضوع الكتابة حدثت أثناء فترة الامتياز، عندها كنت ملازما”  لمريضة لي ومداويا” لها بمستشفى الخرطوم بالعناية المكثفة لأربعة أيام متتالية.. جف حينها نبع جيبي، فاحتجت لسد رمقي.. توجهت لكافتريا المستشفى لآكل -بالدين طبعا- فرفض صاحب كافتريا المستشفى !! و هو يعلم أني الطبيب صاحب المهنة الإنسانية.. ملاك الرحمة.. إلخ.. من تعاريف يتشدق بها شعب وطني العزيز في مواقف أخرى يكون فيها طالب حاجة.. يومها بكيت بحرقة.. و تصدعت بناظري الأمثلة و تداعت الشعارات الواهية.. و ليس هناك أمر من أن تذل أمام نفسك !!

  بكائيتي الثانية كانت بالأمس القريب.. بمستشفى أمدرمان التعليمي، حيث أعمل بها حاليا” كنائب أخصائي الجراحة العامة.. بوصفي الوظيفي الحالي أعمل بلا انقطاع.. لأيام متتالية.. وبلا مقابل كما ذكرت آنفا”..
أثناء عملنا بغرفة العمليات، كانت إحدى مريضاتي.. زميلة لنا بالمستشفى.. و عليه تجاوزت لها عمدا” الإجراءات المالية الخاصة بالعملية خاصتها .. قامت إدارة العمليات  باستدعائي و تعنيفي بشدة، لجأت لإدارة المستشفى -بوص الوحدة في الوقت نفسه- لإنصافي ، فتعنتت هي الأخرى..و أمروني بإلغاء العملية،، صغرت أمام نفسي، و مريضتي.. و أنا الذي ما اعتدت خذلان أحد لجأ إلي قط..
  بكيت مرة أخرى.. بكيت وطني.. و بكيت نفسي..
حتى تنحى الشيطان جانبا”، و انتحبت معي الملائكة..
تداعت الخيبات سراعا”.. ترثي شعبا” و بقايا وطن !

  عذرا” وطني.. لن أصير ذلك الطبيب المستغل بعد اليوم.. و لن أنتظر حتى يجيء اليوم الذي يقرر فيه وطني تأبيني بورقة A4 يكتب عليها بحقي و بلا مبالاة (نعي أليم)..

  عذرا” قارئي الكريم.. فهذا قيض من فيض.. لم أكن أنوي تقويض يومكم ألما” ببكائياتي الشخصية تلك.. لكني منكم و بكم.. طبيب.. لكن من حقي أن أجأر بالشكوى -إن كانت لا تزال عندي حقوق-.. أعزكم جدا”.. و أعز وطني المثقل بالأنين.. 
  لكن دموع الرجال عزيزة أيضا”..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً