Smartphone

محي الدين هارون:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كانت فتاة مدينية, ترتدي وشاحاً وردي اللون فتبدو كزهرة توليب يانعة،وكنت ابن العصر العجول ,شريد أزقة الوقت المطارد بالأسئلة, شاءت الصدفة أن تجمعنا في مقعدين متقابلين ببطن حافلة صغيرة ،في إحدى رحلات العودة المسائية الرتيبة والمطوقة بكآبة التعب والانتظار ، تلك التي غالباً ما تقطعها وحيداً دون رفقة.

مازلت أذكر نظارتها الطبية ذات الحجم الكبير ،وأذكر فشلها في أن تخفي اتساع عينيها وانشغالهما بما يجري في صدر هاتفها الأنيق ,ربما لا تحتاج لأن أخبرك بأنها ومنذ انطلاقنا لم تكف أصابعها للحظة عن النقر عليه مثل رذاذ مطر يتساقط على خد نافذة زجاجية ،تطل على شارع مزدحم

، أوه لقد أخبرتك فعلا.

حسنا أن تعلم أن فتاة في هذا الوضع لن تلق بالا لتقافز الحافلة في الطرقات الوعرة و سباب الركاب للسائق المتهور، تلك التي لها مفعول قداحه , في بدء حوار مفتعل بين غريبين , لقد كانت حقا كذلك وكنت مثلها غارقا بين صفحات كتاب (الأصبع الصغير _لميشال سار)

كتاب من القطع المتوسط يقدم فيه الكاتب وصفا شاملا للتحولات المرتقبة والناجمة عن ثورات العولمة،وعن اتساع فضاءات الاتصال التي تصبو لإلغاء الحدود الفاصلة بين العلوم.

على نحو ما دفعتني الأسطورة الذهبية لجاك دي فوراجين الواردة فيه، للسهو قليلا بالقدر الذي أتاح لعيني التعثر بأصابعها المنهمكة بخيارات الهاتف الذكي,ولعلي حينها فكرت في سر هذه الصفة المبتذلة (ذكاء الهاتف)

تدور الأسطورة حول إعدام الأسقف دينيس عند نهاية القرن الأول في عهد الاضطهاد الذي أملاه الإمبراطور الروماني دوميتيان ,إذ جرى الحكم بإعدام الأسقف على رأس تلة ما,ولكسل الجنود , لم يكلفوا أنفسهم مشقة الصعود إلى الأعلى فقاموا بتنفيذ الحكم بمنتصف الطريق,عندها تدحرج رأسه على الأرض بطريقة انسيابية تشي بمدى حدة النصل ,لكن المعجزة التي حدثت لجسد الأسقف الصريع كانت حين وقف على قدميه مجددا ومن ثم سارع بالركض خلف رأسه المقطوع, ملتقطا إياه بكلتا يديه نافضا عنه ذرات التراب العالقة ،ليعاود الصعود إلى أعلى التلة، وخيوط الدم تسيل من بين أصابعه دون توقف.

بدا لي ذلك الرعب على وجوه الجنود جليا وأنا أرى التشابه الموضوعي بين الفتاة والأسقف وعلى اثر هذه المقاربة المثيرة ،تسربت من خطى التعثر بحركات الأصابع، متمددا بين التحديق المتأمل، وترصد انفعالها الوحيد، كانت لا تزال تحدق في وجه الهاتف , بينما يسعى جاهدا في قطف ابتسامة منها دون كلل, ولكنها في كل مره, كانت تكتفي بمط شفتيها بحبور في محاولة جادة لان لا تفعل,

(يمكنك أن تتخيل تعابير الوجه الخاصة بحالات الإمساك)

بالطبع امزح لا أخفيك سرا ،على نحو ما بدت ملامح وجهها تبعث الراحة في نفسي , لا مساحيق ,لا رسم للحواجب . لاشيء من هذه الأمور , كانت أشبه بالطبيعة الوادعة، والمحتضنة لأكثر العوالم ضجة خارج نطاق الإدراك .

فجأة وعلى أثر مطب أكثر وعوره مما سبق، وإذ بالفتاة تحكم القبض بحبل نظراتي المتصلة وتوقع بي متلبسا ,لتتخلى لأول مرة عن عبئ الهاتف ومط شفتيها الرقيقتين ,حينها فقط قذفت إلي بابتسامة كاملة في خجل محبب ,اقسم أنني سمعت زفير أسنانها الطربة ,وكأنها تتنفس خيوط الضوء الشاردة من شمس الغروب ,حتى أنني شعرت بان الهاتف يضحك ,لقد كانت تضع تقويما للأسنان……

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

3 تعليقات

  1. Hi there from Texas! I’m bored at work so I decided to check out your website on my free time for the duration of lunch break. I appreciate the info you offer here. Anyhow, great post!

  2. Generally I don’t learn article on blogs, but I wish to say that this write-up very compelled me to check out and do it! Your writing style has been amazed me. Thanks, quite great post.

  3. This device fell away immediately after driving Peruvian deep wave https://www.youtube.com/watch?v=k1oaz7n0ILk for five weeks!!!

أضف تعليقاً