الرئيسية / احدث التدوينات / أصوات صوفية للفن والألوان

أصوات صوفية للفن والألوان

e44ebd0f179d581b969ae261fe0b3174

**

منذ فترة ليست بالقصيرة وأنا أدور في حلقة ذكر داخل مسيد الكون الصوفي الممتد إلى الأبد ؛ كل ذلك بسبب بضع قصائد للحلاج و ابن الفارض وأبو مدين الغوث والفارابي وابن عربي ، قد تسربت إليّ من بعض الأصدقاء .

قصائد مُنشدة بأصوات الهدأة والسكون الموجودة في فضاءات الألوان الزرقاء النقية للراحة والاستمتاع ؛ تصحبها الموسيقى الشفافة التي تعبُر الجسد قبل الأذن ، فتقود إلى حضرة كاملة للتأمل والمحبة والإيمان .

جعلتني أتسأل عن كنه هذه المعاني المشاعة في القصائد والموسيقى والإحساس الصوفي العميق الذي تجلت منه وأسرارها الخفية ؛ وأتأمل محتوى الجمال الكلي للكون وفن خلقه البسيط والمعقد في ذات الوقت ؛ باحثاً عن وجود إجابات ملموسة متجاوزاً قدر معرفتي المتواضعة بعدمها الملموس ؛ إلى البحث عميقاً في أغوار الروح والنفس البشرية السامية للمعرفة والعلم . قمت بإعادة إرسال جُل المقاطع الصوتية لأصدقاء آخرين لقياس ومشاهدة التأثير الذي قد يُعبرون به اتجاهها . ولم يكن من المفاجئ في كل ردودهم ذكر الله بعد سماعهم لها .

أيًا كانت هيأة الذكر في قلب صاحبه ؛ هذا يعطي دلالات متعددة ومختلفة قد لا يتم تقبلها للبعض بارتباط هذه التأثيرات الشعرية والصوتية بخالق الكون . تقود لتفسير الجمال والفن الذي خلقه وابتكره ؛ وسببه الحقيقي . ليو تولستوي عرف الفن باعتباره وسائل غير مباشرة للاتصال من شخص إلى آخر ، وهذا ما يحدث للإنسان ويفعله في حياته ؛ يحاول الاتصال بشكل أو آخر بمن حوله .

تعتبر الموسيقى إحدى لغات التواصل القوية في هذا العصر الحديث ؛ ليس هذا فقط وإنما منذ عهد قديم أيضا كانت كذلك . مرتبطة بالتغيرات الجوهرية والثانوية للإنسان مع مرور الوقت كطقس تقليدي متعارف عليه حسب المناسبات والحالات اللحظية للنفس والجو الطبيعي والتاريخي والمواسم المتعددة والمختلفة للشعوب وبالأعمال التي يؤديها الإنسان في حياته .

كل ذلك يتجلى في رغبته للتعبير عن مكنوناته الداخلية من فرح وحزن وسلام ؛ وإن اختلفت الطريقة فالمعاني واحدة تقود لسمو الروح البشرية وسكونها ورضاها الذاتي المبهم في فن الإيصال إلى الآخر والاتصال به ، والمحصورة في كلمات بسيطة مرتبطة بـ( أشعر ؛ أحس ؛ أرى ؛ وأسمع ) دون استطاعة حملها أبعد من حيز الجسد إلى مكان آخر إلا بواسطة أداة ما ؛ أداة برع الإنسان في ابتكارها وتحسينها منذ زمن طويل ليستمر في كون هذا الفن العظيم المنبعث من داخله ؛ مستمراً في خلودٍ مع الحياة والوجود ؛ أدوات كالآلات الموسيقية والألحان والأصوات واللغات والألوان والأشكال . والنظرة للفن من زاوية فلسفية تعتبره شكل نوعي من أشكال الوعي الاجتماعي والنشاط الإنساني، يعكس الواقع في صور فنية، وهو واحد من أهم وسائل الاستيعاب والتصوير الجمالي للعالم .

أؤمن –وأعتقد- بوجود روابط ظاهرية وخفية بين أنواع الفنون المختلفة ؛ لا تكاد تنفصل عن بعضها البعض ؛ وأن العين البصيرة وحدها تدركها وتعرفها جيداً . بدءاً بالشعر واتصاله بالغناء والموسيقى وصولاً للرقص والألوان . وبناءًا على معتقد صوفي ذكره الروائي عبد الغني كرم الله في الكثير من لقاءاته ؛ فالفن مستوحى من الطبيعة التي حولنا من صوت خرير الماء والحيوانات وألوان الأشجار والصحراء والجبال والسماء ؛ ومرتبط بنا وبما لنا من طبيعتنا البشرية وأدواتها التي خُلقنا بها وبين محاكاتنا بواسطتها لما حولنا .

فنغني كالطيور ونعزف الموسيقى كمحاكاة لأصوات الطبيعة المختلفة ونقول الشعر كلغة خاصة بنا ونلون ونتلون لنُخبر عن جمال اختلافنا الخارجي وتشابهه أيضاً لنتحدث بصوت مرئي . فالرائي للثقافات المتعددة في البلاد المختلفة جغرافيا وأثنياً وغيرها من الاختلافات يلحظ تشابهات محفوظة ومنقوشة في التفاصيل الأصيلة والقديمة لكل الأفراد قيد الملاحظة .

مثلاً ما يوجد في البلدان الأسيوية والأفريقية واللاتينية من تشابه في ثقافات الألوان والرقص والغناء يدرك ذلك التلاحم المدهش . الفن أو الفنون هي لغة و موهبة مقدسة تتيح للإنسان التعبير عن نفسه بحيث يستخدمها الإنسان لترجمة الأحاسيس والصراعات التي تنتابه في ذاته الجوهرية ، وليس تعبيراً عن حاجته لمتطلبات في حياته رغم أن بعض العلماء يعتبرون الفن ضرورة حياتية للإنسان كالماء والطعام .

فالفن هو موهبة وإبداع وهبها الخالق لكل إنسان لكن بدرجات تختلف بين الفرد والآخر . بحيث لا نستطيع أن نصنف كل الناس بفنانين إلا الذين يتميزون منهم بالقدرة الإبداعية الهائلة ، فكلمة الفن هي دلالة على المهارات المستخدمة لإنتاج أشياء تحمل قيمة جمالية ، و من ضمن التعريفات أن الفن مهارة – حرفة – خبرة – إبداع – حدس –محاكاة .

طوال التاريخ الإنساني تتعدد الأسباب المقيدة بحدوث الأشياء واختيارها ، مثل ميلادنا وخطواتنا الأولى ووقتها وانتظارها واختيار الكلمات التي نتحدث بها ونسمعها ونحبها وصولاً للطريقة التي نريد أن يتم دفننا بها . نحو ستة مليار بشري يعيشون في مساحة واحدة ، بعيدون وقريبون أيضاً ، متشابهون ومختلفون لا يفرق بينهم شيء إلا ويجمعهم أكثر من شيء .

نصنع ثقافتنا بشيء من المصادفة والإرادة والتعود والبحث والإبداع والوراثة ، فتبقى خالدة ليسمع بها ويشاهدها الكثيرين كما لا يحدث مع الآخرين ولو لمرة . كمشاهدة رقصة صبيان قبائل الآمبررو قرب نهر ما في مجاهيل أفريقيا الغميسة وسماع إيقاع رقصاتهم ، والاندهاش بالألوان الحمراء التي يضعونها على وجوههم . ورؤية زينة عروس ليلة عرسها في وادي بين جبال الهند وتأمل الألوان التي تلبسها وشم عبير العطر الذي يتبعها كما المسيرون خلفها من قريتها لقرية زوجها .. والإحساس بترنيمات الأمهات والقريبات اللائي يشيعن الفرح بها غناء ورقصاً .

عن خالد عمر

mm
كاتب من السودان

تعليق واحد

اترك تعليقاً